Accessibility links

شيخ محمود في واشنطن.. وجه آخر للصومال


الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود

رجل هادئ جدا هو.. يفكر في كلماته جيدا قبل أن يتلفظ بها.. يخفض صوته إلى الحدود التي يحتاجها المسمتعون إليه.. يتصرف وينصرف في هدوء لافت عندما يحضر وعندما يغيب.

نوع من الرجال هو الذي يتحدث بأعماله ويفضل دائما أن يترك الكلام لكلماته لاحقا وعندما تتحقق كلماته أعمالا يفضل دوما أن يحيل كل المستمعين إليه إلى المستقبل عندما يقول: بعد هذه المعركة التي نخوضها ستكون هناك معارك أكبر في انتظارنا.

هذه انطباعاتي العاجلة التي خرجت بها من لقاءات سريعة وعاجلة بالرئيس الصومالي حسن شيخ محمود وهو يزور واشنطن بين 50 رئيس دولة وحكومة من القارة الإفريقية للمشاركة في القمة الإفريقية الأميركية.

50 دولة جاءت برؤسائها وقادتها إلى واشنطن لكن مجيء "شيخ محمود" مختلف تماما عن ذلك المجيء الإفريقي الكثير الضجيج في كل مناسبة اجتماع والقليل النتائج كما هي العادة دوما في كل مناسبات القادة الأفارقة .

يختلف حضور رئيس الصومال لأنه ذلك الحضور الذي لايكاد يعني للناس الكثير بل ربما إنه الحضور الذي لايقل شأنا ومساحة حتى عن الغياب نفسه ولكنه في هذه المناسبة تحديدا كان ذلك الحضور هو الأكثر بروزا بمقاييس عدة.

محمود يأتي إلى واشنطن بعد قطيعة هائلة بين مقديشو وواشنطن في أعقاب تلك المأساة التي حدثت للجنود الأميركيين في شوارع العاصمة الصومالية عام 1993 وغرق الصومال بعدها في حالة من الفوضى وإنعدام وجود معالم الدولة فيه بل وتحوله إلى واحدة من أكبر بؤر التوتر في العالم وملجآ لكثير من العناصر المتطرفة وتهديد الأخيرة لأمن الجيران ولحركة الملاحة العالمية في المياه المجاورة للصومال.

شيخ محمود مختلف تماما عن ذلك المجيء الإفريقي الكثير الضجيج

الرئيس الصومالي يأتي أيضا إلى واشنطن في أعقاب إعلان الإدارة الأميركية تعيين سفير لها في الصومال بعد أن ظل أفضل تمثيل لأميركا في هذا البلد الإفريقي لا يتعدى ممثلا للمصالح على مستوى سفارتها في نيروبي عاصمة كينيا المجاورة ذلك البلد الذي يأوي واحدا من أكبر أعداد اللاجئين الصوماليين إلى دول القارة الإفريقية.

محمود يأتي إلى واشنطن ليقول لرجال الإعلام والسياسة فيها "إن فكرتكم السابقة عن الصومال لم تعد صالحة للاستمرار وذلك لأن قوات حكومته بمساعدة قوات الاتحاد الإفريقي تحقق تقدما هائلا في الميدان وتستعيد السيطرة على المزيد من الأراضي التي كانت تحت سيطرة حركة الشباب وأن الاخيرة بصدد خسارة الكثير من الأراضي لصالح الحكومة وأن هذا الانتصار يتوقع له أن يحقق المزيد من الأهداف".

كبيرة هي معالم الثقة التي يتحدث بها شيخ محمود في واشنطن عندما يقول إن حكومته تخوض معركة متعددة الجبهات وهي تحاول أن تفاضل بين معركة الغذاء والنماء في البلاد وحربها المستمرة ضد حركة الشباب التي يقول بشأنها إنها لا تشكل تهديدا لبلاده لوحدها بل إنها تهدف إلى المساس بكل الجيران في شرق القارة ويعيد إلى الذاكرة تلك العمليات التي نفدتها في "نيروبي" مثلا .

عودة الموز الصومالي إلى السوق العالمية إشارة إلى عودة الصومال إلى المجتمع الدولي

يقول الرجل عن وضع بلاده "إن مجمعا تجاريا واحدا فتح في موقديشو استطاع أن يوفر ألفي فرصة عمل للصوماليين. ومن وراء هذا العدد عائلات كاملة وجدت طريقها إلى الدخل الثابت وإلى تحسين ظروف حياتها اليومية".

يتحدث الرجل الذي وصل الى السلطة في انتخابات العام 2012 عن نجاحات أخرى تحققها الزراعة في الصومال الجديد "كما يصفه" من خلال عودة الموز الصومالي إلى السوق العالمية، ويجد في ذلك إشارة إلى عودة الصومال إلى المجتمع الدولي كشريك إيجابي وليس كمصدر لتهديد أمن الآخرين.

هذه هي معالم الترميم والتحسين التي أدخلها شيخ محمود لصورة بلاده هنا في واشنطن خلال مشاركته في القمة "الإفريقية الأميركية" مضيفا إليها كثيرا من روحه وقدرته على الانفتاح على الآخرين، وحتى عندما سألته عن مدى قدرة حكومته على الحفاظ على النتائج المتحققة في حياة الصوماليين في ظل الانتشار المتسارع لفيروس "إيبولا" بين شعوب الجيران الأفارقة في الغرب، قال إن هذه المأساة تحزنه جدا لكنه يحتاج إلى فتح حوار عميق مع الدول الأعضاء في قوات حفظ السلام الإفريقية العاملة في بلاده لأن الدول المتضررة ستحتاج إلى تعزيز قواتها على حدودها منعا لانتشارالفيروس الذي أتى على حياة ألف افريقي حتى لحظتها في بقية القارة لكنه ومع ذلك يؤمن بأن الحلول موجودة وأن الذي يتحقق في بلاده هو منجز كبير لكل القارة وليس لحكومته في الصومال فقط.

شيخ محود رجل يتمسك في مقابل هذا الوضع بترسيخ التجربة الديموقراطية في بلاده لذلك فانه لا يتردد في التأكيد على أن إجراء الانتخابات في المناطق المحررة سيكون أولوية دائمة لحكومته.

70 بالمئة من أطفال الصومال في الوقت الحاضر لايحصلون على فرصة التعليم الكافي

في رؤية رئيس الصومال لحاضر ومستقبل بلاده كثير من التطلعات والتحديات لذلك لا يفوته أن يشير إلى أن أكثر من 70 بالمئة من أطفال الصومال في الوقت الحاضر لايحصلون على فرصة التعليم الكافي بسبب الافتقاد إلى مؤسسات التعليم واضطراب الأولويات في حياة العائلات الصومالية لذلك يعود مرة أخرى للتأكيد على قوة المسألة الأمنية في البلاد وقدرتها على الانعكاس إيجابا على كافة مناحي حياة الصوماليين.

بين أصدقائه ومعارفه يوصف شيخ محمود بالوسيط الناجح في حل الأزمات ولذلك يعول المحيطون ممن رافقوه في جولة واشنطن على هذه القدرة على فهم أفضل لمشكلات البلاد والخروج بها من أنفاق الأزمات المتلاحقة .

قبل ذلك لشيخ محمود خبرة أكاديمية واسعة، فهو أحد المؤسسين لجامعة الصومال الجديدة وديبلوماسي عمل لسنوات طويلة في دواليب الأمم المتحدة في مناطق نزاع عدة في العالم وبينها الصومال، كما كانت له فرصة الحياة في الهند والعمل أستاذا محاضرا في إحدى جامعاتها إضافة إلى عمل كبير في مجالات حقوق الإنسان والنشاط الخيري.

عادت الصومال إلى الظهور كشريك على طاولة المجتمع الدولي وبات إلى جانب الأخبار المقدمة أخرى تعلن عودة معالم الحياة إلى هذا البلد الإفريقي، الذي سكنته الأزمات المتراكمة إلى درجة كاد العالم معها أن ينسى أن هناك بلدا فيه يسمى الصومال، ويقع في شرق إفريقيا وينام على كثير من الثروات وواحد من ثرواته الكبيرة هو ذلك العدد الهائل من خيرة أبناء الصومال الذين ينتشرون في كل بقاع العالم كلاجئين أومهاجرين وربما في هؤلاء أمل جديد للصومال وذلك بعض من الرهان الذي كشفه لي شيخ محمود وأنا أودعه وأتمنى له التوفيق في حلمه في رؤية بلاده وطنا ينعم بالسلام وأطفاله يذهبون في الصباح إلى المدارس للتعلم ككل أطفال بقية العالم.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG