Accessibility links

هكذا تستثمر قطر في العقارات الفرنسية.. متنعمة بجنة ضريبية خاصة فيها


الشانزليزيه

الشانزليزيه

يأتي ملايين السياح إلى الشانزليزيه كل عام، للإستمتاع بسحر باريس. يجولون في مركز التسوق إليزيه 26 ويلعبون البوكر في نادي الطيران ويستعرضون السيارات الفارهة وعمارة المستقبل في معرض سيتروين أو يتفرجون على فتيات الاستعراض بأجسادهن العارية إلا من الريش في ملهى ليدو. لا يعرفون أن هذه المفاتن تملكها الأسرة الحاكمة في قطر.
وتمثلت أحدث إضافة فرنسية على الممتلكات القطرية في سلسلة مراكز تسوق فاخرة تحت علامة برنتون اشتراها صندوق يسيطر عليه أعضاء بالأسرة الحاكمة في أغسطس/آب مقابل 1.7 مليار يورو (2.23 مليار دولار).
ومنذ خمس سنوات أبرمت قطر اتفاقا مع فرنسا لا يفرض ضرائب على أرباح المستثمرين الأجانب من بيع العقارات.
وقع المعاهدة الرئيس الفرنسي السابق المنتمي ليمين الوسط نيكولا ساركوزي في العام 2008 وهي من أفضل ما حصلت عليه قطر كونها تعفي المستثمرين القطريين من دفع الضرائب على أرباحهم من بيع العقارات، وهو ما تقول جمعية آبي بيير الخيرية إنه أمر مثير للجدل في بلد يعاني 3.6 مليون شخص من سكانه من انعدام السكن اللائق.
ويواجه الأمر انتقادات من سياسيين بعضهم داخل الحكومة الاشتراكية للرئيس فرانسوا هولاند. وفي إبريل/نيسان وصف وزير الميزانية برنار كازينوف المعاهدة بأنها "استثناء لا نريد تكراره". وتساءل آخرون إن كانت تحقق أي ميزة اقتصادية يمكن أن تعوض حصيلة الضرائب المفقودة.
وتقول الحكومة إنها تفحص المعاهدة لكن مسؤولا في وزارة المالية الفرنسية أبلغ "رويترز" أنه لا يشترط الإعلان عن مشتريات قطر وبالتالي من المستحيل تقدير حجم الضرائب التي على المحك.
وتلقي إشعارات تنظيمية ووثائق قضائية وبيانات اطلعت عليها "رويترز" مزيدا من الضوء على الأصول العقارية لقطر. ورصدت "رويترز" نحو 40 عقارا في فرنسا يملكها قطريون باستثمار إجمالي قدره 5.9 مليار يورو (7.8 مليار دولار) على مدى العشر سنوات الأخيرة منها 4.8 مليار يورو منذ 2008. وبالأسعار الحالية تبلغ قيمتها حوالي 6.3 مليار يورو.
وتملك الدولة القطرية وصندوقها السيادي نحو عشرة عقارات قيمتها معا نحو ثلاثة مليارات يورو فيما تعود ملكية العقارات الأخرى إلى أعضاء في أسرة آل ثاني الحاكمة، كما تقول رويترز.
ويسيطر صندوق شخصي أقامه أمير قطر السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني على تسعة منها بينما يملك أولاده بمن فيهم الأمير الحالي ستة عقارات. والباقي اشتراه إما أقارب أو رجال أعمال تربطهم علاقات وثيقة بآل ثاني مثل غانم بن سعد آل سعد.
وتعود ملكية كل عقار إلى شركة قابضة مملوكة بدورها لكيان أو أكثر بعضها خارج فرنسا. ويجعل هذا من الصعب تتبع انتقال ملكيتها لمعرفة حجم الضرائب التي كانت ستحصل عليها فرنسا من الصفقة.
وتفيد حسابات لرويترز راجعها ثلاثة خبراء أنه بدون المعاهدة وبأسعار نهاية 2012 كانت حكومة فرنسا ستجمع ضرائب قدرها 145 مليون يورو على الأقل إذا بيعت المحفظة بالكامل وعلى أساس أقل شريحة ضريبية.
وهذا أقل من دخل تصدير الغاز القطري في يوم واحد لكنه في فرنسا يعادل أجر عام قبل حساب الضرائب لنحو 4500 شخص من المدرسين أو العاملين في التمريض.
وقالت الوكالة إن السلطات القطرية والصندوق السيادي "شركة الديار القطرية" لم ترد على أسئلة لها حول هذا الموضوع، كذلك لم ترد شادية كلوت التي تتولى شركتها إدارة الاستثمارات العقارية المباشرة لآل ثاني.
نفوذ قطري
وقال الأستاذ في معهد باريس للدراسات السياسية جيل كيبيل إن المكاسب المالية لقطر تبرز كيف اكتسبت الدولة نفوذا بالإنفاق من ثروتها لكنها أوقدت شرارة خلافات أيضا.
وتابع كيبيل قائلا "انتهجت قطر استراتيجية للاستثمار بأقصى سرعة في فرنسا تبلورت إبان حكم الإدارة الفرنسية السابقة. لكن هذا أدى إلى إثارة الاستياء" من قبل الفرنسيين.
ومنذ إبرام الاتفاق اشترى أعضاء بالأسرة الحاكمة في قطر عشرات العقارات. من متجر فيرجن الرئيسي إلى فندق مارتينيز في كان، ومن نادي باريس سان جيرمان لكرة القدم إلى أراض زراعية في نورماندي.
وقال فيليب شيفالييه مدير شركة الوساطة العقارية الفرنسية إميل جارسان "بفضل تلك المزايا الضريبية القطريون هم الوحيدون الذين يشترون العقارات الفرنسية حاليا .. لو أن الأمر بيدي لأيدت تقديم مزيد من تلك المزايا."
وتعفي المعاهدة الكيانات المملوكة لدولة قطر من ضريبة الأرباح الرأسمالية - والتي لا تقل عن 34.4 بالمئة - عن أي أرباح من بيع عقارات فرنسية سواء مملوكة ملكية مباشرة أو عن طريق شركات تابعة.
ويستفيد المستثمرون القطريون من القطاع الخاص من الإعفاء بشرط أن يحتفظوا بالعقار ضمن شركة استثمارية تملك أصولا غير عقارية بنسبة 20 بالمئة. وتسري المعاهدة على كل المشتريات المنفذة منذ يناير/كانون الثاني 2007.
ولعوامل، منها المستثمرون القطريون، ارتفعت أسعار العقارات الفاخرة في باريس نحو 14 بالمئة منذ 2008 حسبما تفيد بيانات لأغلى شريحة عقارية ترصدها شركة انفستمنت بروبرتي داتابنك.
استثمارات في بريطانيا
وتظهر بيانات للسوق العقارية البريطانية من شركة الأبحاث العقارية كابيتال أناليتكس أن فرنسا ربما تكون قد لحقت ببريطانيا في جذب الاستثمارات القطرية. وبحسب الأرقام أنفق القطريون نحو 4.5 مليار يورو (5.9 مليار دولار) على مواقع لعقارات تجارية ومشاريع معلنة في بريطانيا منذ عام 2008.
ويقول مسؤولون سابقون بقطاع التجارة الفرنسي ومحللون إن مضاهاة البريطانيين كانت أحد أسباب الموافقة على المعاهدة. ففي 2008 كان منتجو النفط ينعمون في ظل طفرة أسعار السلع الأولية في الوقت الذي عانت فيه مراكز مثل لندن ونيويورك وباريس من جراء الأزمة المالية.
وبالتالي فقد رغبت عواصم غربية عديدة في جذب الاستثمارات الخليجية، وفي ذلك الوقت كانت باريس تشجع التمويل الإسلامي ورأت في الاتفاقية سبيلا لتحفيز النمو.
وقال جون فوربز الاستشاري العقاري المقيم في لندن "ما تقوم به هذه المعاهدة هو وضع باريس على قدم المساواة مع لندن - ولكن ليس بالنسبة للجميع."
وإلى جانب بريطانيا كانت أيرلندا هي الوحيدة التي تعرض على قطر إعفاءات مطابقة وذلك منذ عام 2012 فحسب، وفقا لما تظهره مراجعة لأكثر من عشر اتفاقيات ضريبية ثنائية لقطر.
ولا يدفع القطريون ضريبة دخل شخصي في بلادهم لكن بعض الشركات قد تدفع ضرائب تصل إلى عشرة بالمئة على مكاسب بيع العقارات.
وقال تشارلز بير العضو المنتدب لشركة ألفاريز اند مارسال الاستشارية إن "الإعفاءات سخية حتى بمعايير المعاهدات الفرنسية الأخرى. هذا المستوى من الإعفاء نادر إن لم يكن بلا نظير في المعاهدات المبرمة مع دول أخرى."
وعلى مرمى حجر من الشانزلزيه يقف فندق بيننسيولا المهيب شاهدا على أن المعاهدة - وهي تحديث لاتفاقية سابقة تعود إلى عام 1990 - تحابي المستثمرين القطريين.
وتختفي واجهة الفندق الذي يعد "بمستوى جديد من التميز" في سوق الفنادق الفاخرة في باريس خلف السقالات وسور من الحديد المشغول إذ من المقرر أن يفتتح في 2014 عقب أعمال تجديد تستغرق ست سنوات بعد أن كان مركز أعمال مملوكا للدولة الفرنسية التي جمعت 460 مليون يورو عندما باعته إلى بنك قطري في 2007. وانتقلت ملكية العقار لاحقا إلى صندوق سيادي قطري تتركز أعماله على الفنادق.
وبعد أن باعته الدولة ارتفعت القيمة لتبلغ 500 مليون يورو في 2009 عندما قالت شركة فنادق هونغ كونغ وشنغهاي إنها اشترت حصة نسبتها 20 في المئة في المشروع مقابل 100 مليون يورو. وفي نهاية 2012 قدرت قيمة المبنى بالكامل وفقا لبيانات من آي.بي.دي عند 550 مليون يورو.
ولو أن شركة فنادق هونغ كونغ باعت حصتها في ذلك الوقت لسددت ضرائب لا تقل عن 3.4 مليون يورو عن أرباح قدرها عشرة ملايين يورو. في المقابل لن تدفع قطر أي ضريبة عن ربحها الرأسمالي الأكبر بكثير والذي كان سيبلغ نحو 80 مليون يورو.
وامتنعت متحدثة باسم الشركة الصينية عن التعليق مكتفية بالقول إن الشركة التزمت بكل القوانين الضريبية وإنها لا تنوي بيع حصتها في فندق بيننسيولا لأنه "استثمار للمدى الطويل".
المستفيدون
وقال خبراء عقاريون إن صفقات العقارات الفاخرة التي تشجع عليها المعاهدة الضريبية تفيد بالأساس دائرة صغيرة من المستثمرين.
وقال أوليفييه دوبارك المحامي المقيم في باريس "يقال لنا دائما إن مثل هذه الاتفاقات يهدف إلى تشجيع الاستثمارات في فرنسا لكن هذه أموال لا تصب في الاقتصاد. يبدو أن الضرائب ترتفع على الجميع عدا القطريين."
ومن مكتب يطل على ميدان الكونكورد، يدير جاي ديلبس السوري المولد شركة إليبون العقارية التي تدير عدة أصول فرنسية نيابة عن صندوق الثروة السيادي القطري.
وهو يشير إلى أن المزايا الضريبية التي تحصل عليها قطر لا تختلف عن تلك التي منحت لمستثمرين آخرين من الشرق الأوسط في الثمانينيات والتسعينيات.. ومن ثم فإن "مقولة أن قطر تحصل على مزايا ليست لدول أخرى خاطئة" من وجهة نظره.
ويذهب بعض المشرعين الفرنسيين إلى أن دول الخليج تتنافس فيما بينها على الإمتيازات الضريبية الفرنسية. فقد استغلت قطر السابقة الكويتية لإعادة التفاوض على معاهدتها في 2008 واليوم تستغل الإمارات العربية المتحدة ما حصلت عليه قطر للضغط على فرنسا من أجل مزايا مماثلة.
وقالت ناتالي جوليه عضو مجلس الشيوخ عن تيار الوسط من نورماندي السفلى والتي تحدثت إلى مسؤولين إماراتيين خلال مهمة لتقصي الحقائق في الخليج في وقت سابق هذا العام، إن "الإمارات غير راضية لأن القطريين يحصلون على معاملة ضريبية أفضل."
وترى جوليه أن التنازلات الفرنسية "مفرطة"، مؤكدة أن "شكوى جيران قطر هي مؤشر على خطأ المعاهدة".
وقالت إن "عجز ميزانيتنا دمر حريتنا. القطريون هنا ليشتروا بينما نحن نبيع إرث العائلة."
والضرائب أمر بالغ الأهمية في فرنسا. فبحسب منظمة التعاون الإقتصادي والتنمية بلغت حصيلة الضرائب الإجمالية في فرنسا 43 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في 2010 وذلك مقارنة مع 25 في المئة في الولايات المتحدة و35 في المئة في بريطانيا.
وبفضل نظام الرعاية الصحية السخي والثقة الكبيرة في الدولة استطاعت الحكومات الفرنسية المتعاقبة إقناع الرأي العام بالزيادات الضريبية الضرورية لتقليص عجز الميزانية البالغ 90 مليار يورو.
ومن غير الممكن معرفة ما فعله المستثمرون القطريون باستثماراتهم الفرنسية. فملاك كثيرون يستخدمون شبكة من الشركات القابضة مما يجعل من الصعب التحقق من الصفقات وإذا قامت شركة ما بشراء أخرى فإنها لا تترك أثرا وراءها، كما تقول رويترز.
وأثارت الاستثناءات الممنوحة للقطريين مشاعر الاستياء في فرنسا، ففي العام الماضي عرضت قطر الاستثمار في مشاريع واعدة بالأحياء الفقيرة لكنها واجهت عداء من بعض السياسيين الذين أججوا المخاوف من أن تكسب قوة أجنبية نفوذا بين الفقراء، غير أن ذلك لم يمنع من قيام تحالف بين الصندوق القطري السيادي وبنك كيس ديه ديبو المملوك للحكومة الفرنسية والذي قال إنه لم يقم بأي استثمارات بعد.
وفي مايو/أيار سأل جان إيف لوكونت عضو مجلس الشيوخ من الحزب الاشتراكي - حزب هولاند نفسه - الحكومة عن الإجراءات التي ستتخذها لإنهاء الإعفاءات الضريبية التي جعلت فرنسا "مغرية بشكل خاص إن لم تكن ملاذا ضريبيا" لقطر.
وطلب آخرون مثل إريك بوكيه من الحزب الشيوعي وأعضاء في حزب هولاند أرقاما واضحة لحجم ما فقدته الخزينة الفرنسية، كما طلبت ماريون لوبان المنتمية إلى تيار أقصى اليمين - ابنة شقيق مارين لوبان زعيمة حزب الجبهة الوطنية - من الحكومة إلغاء المعاهدة.
ويقول كريم إميل بيطار من معهد العلاقات الدولية والاستراتيجية في باريس إن بعض الاعتراضات هي رد فعل يداعب المخاوف الشعبية في ظل مناخ اقتصادي عصيب.
ومضى يقول "لقد وصلنا لمرحلة أصبحت فيها قطر هي جماع كل المخاوف الفرنسية. الخوف من الإسلام والخوف من أن فرنسا ستفقد سيادتها."
XS
SM
MD
LG