Accessibility links

وأنا أغادر بيتي صباحاً في سيارتي، قالت مذيعة الأخبار في الإذاعة الوطنية إن ثمانين شخصا على الأقل تم وضعهم تحت المراقبة بسبب شكوك في إصابة بعضهم بفيروس إيبولا القاتل.

هذا تطور تشهده الولايات المتحدة في أعقاب أخبار عن تسجيل أول حالات الإصابة بالمرض على الأراضي الاميركية في أعقاب وصول الزائر الإفريقي توماس إيريك من ليبيريا إلى شمال فرجينيا وإنتقاله لاحقا إلى تكساس ليكتشف هناك إصابته بالفيروس.

ذاكرة الرجل لم تشف بعد من صدمة فقدانه لإبنته التي حملها في بلاده بين يديه إلى المستشفى في محاولة لإنقاّذ حياتها، لكن القدر كان له رأي آخر وفارقت الفتاة الصغيرة الحياة بعد أن عجز الأطباء على إنقاذها، تماما كما حصل مع ثلاثة ألاف من الأفارقة في دول غرب القارة حتى الآن.

هنا في واشنطن أثار الخبر حالة قلق واهتماما لدى الأميركيين، لكنه لم يخل أيضا من أسئلة أخرى عن مدى إستعداد المستشفيات والمصحات لمواجهة الفيروس.

في وقت مبكر من أزمة إيبولا وانتشاره المتسارع في غرب إفريقيا شكل الوباء هاجسا رئيسيا في أحاديث الساسة الأميركيين.

في ذلك الصباح الإفريقي في واشنطن، ورؤساء وزعماء القارة السمراء ينزلون ضيوفا على الرئيس باراك أوباما في واشنطن خلال أعمال القمة الإفريقية الأميركية ترحم أوباما على أرواح الضحايا الذين فارقوا الحياة جراء الإصابة بالمرض، لكنه كان مطالبا في المقابل أن يجيب على قائمة طويلة من أسئلة الصحافيين في المؤتمر الصحفي الذي أعقب جلسة الإفتتاح عن مدى جدية العلاج المقترح لمواجهة أزمة إيبولا في غرب إفريقيا.

وجدت أميركا نفسها في مواجهة فيروس يقتل الناس في غرب إفريقيا الذي لم يعد بعيدا بفضل حركة المواصلات الهائلة حول العالم. كما أن تواصلا إنسانيا بين أميركا وأفريقيا لا ينقطع، حيث متطوعون أميركيون يتوجهون إلى المناطق المتضررة من الفيروس لتقديم المساعدة المطلوبة لمن يحتاجها.

وقد أصيب بالفعل متطوعان أميركيان وكان لابد من إعادتهما إلى البلاد لتلقي العلاج الضروري الذي لم يكن متفقا عليه بعد، كون كل الأمر يحدث في مرحلة التجريب للعلاج المقترح وليس هناك قرارات نهائية من الجهات المختصة باعتماده.

نجح العلاج مع المصابين الأميركيين. هذا التطور العلمي والصحي فتح نقاشا واسعا في واشنطن بين من يطرح المسألة الإنسانية ويقول إن بلاده مطالبة بتقديم العلاج حتى لو كان قيد التجريب إلى الأفارقة المتضررين، وبين من يقول إن المسألة لا تعدو سوى أن تكون مرحلة تجريب لدواء قد يحقق النجاح كما قد يحقق الفشل في الوقت نفسه، مستندين في ذلك إلى عنصر إختلاف الإستجابة للدواء من فرد لآخر.

ومن على منصة القمة الافريقية الأميركية وجد الرئيس أوباما نفسه طرفا في هذا الجدل ووجد الحل في القول إن القرار بيد الأطباء والعلماء لتحديد حكم نهائي في مسألة إستخدام الدواء على نطاق واسع أو عدم استخدامه.

إنتهت القمة الإفريقية التي إستطاع فيها الأفارقة الحصول على مشروع إستثمار أميركي ضخم بقيمة ستين مليار ودولار. حتى وهذا المنجز السياسي يتحقق للأفارقة، لم يتوقف الفيروس عن حصد المزيد من أراوح الفقراء والمعدمي الوسائل لمواجهة وباء كهذا، وتضاعف الرقم خلال أسابيع قليلة جدا من 1500 قتيل إلى 3000 قتيل واستطاع الفيروس تحقيق المزيد من الإنتشار بين فئات واسعة من سكان غرب إفريقيا.

ولأن الأزمة بهذا باتت بهذا الحجم وهذا الإتساع بادرت إدارة الرئيس أوباما إلى إعلان إرسال ثلاثة آلاف جندي إلى غرب إفريقيا في محاولة للسيطرة على الوضع على الأرض وتخصيص المزيد من المساعدات للمحتاجين هناك، والأمل لا يزال كبيرا في أن ينجح خبراء الطب المتطوعين المسافرين من عدة مراكز متخصصة عبر كامل الولايات المتحدة إلى مناطق غرب افريقيا في أن يحاصروا الفيروس ويوقفوا مشاهد الموت القادمة من هناك.

في ذلك الصباح، أبلغتني رئيسة إتحاد الممرضات في واشنطن أن لديها بعض الأخبار التي تعنيني كمراسل صحافي في المدينة. في حديثها لاحقا تقول إن ممرضات كثيرات قررن التطوع للمساعدة في محاصرة المرض وأن عملية وطنية واسعة ستشمل كامل البلاد بغرض سفر مزيد من المتطوعات الأميركيات إلى الدول المتضررة.

غير بعيد عن ذلك المقهى التي كنت أتناول فيه قهوة الصباح مع رئيسة إتحاد الممرضات في واشنطن كان مدير مراكز الوقاية ومحاربة الأمراض الدكتور توماس فريدن يقدم شهادته أمام لجنة العلاقات الخارجية في الكونغرس عن إستعدادات الولايات المتحدة لمواجهة مخاطر وصول الفيروس القاتل إلى أراضيها، فيما يتحدث مسؤولون آخرون أمام اللجنة عن المساهمة الإنسا نية الأميركية في محاصرة إنتشار الفيروس.

مدير مراكز الوقاية وهو يتحدث للمشرعين قال إن بلاده تواجه الفيروس لأول مرة في تاريخها على أراضيها، وأنها معنية به بسبب حركة الطيران العالمية منها وإليها وبسبب وجود عشرات المتطوعين الأميركيين في غرب إفريقيا. لذلك يقول مختص أمني في واشنطن إن الأ زمة جزء من الأمن القومي للولايات المتحدة.

في أعقاب أسابيع قليلة جدا وجد هذا المسؤول نفسه في مركز الأضواء الإعلامية مجتمعة والولايات المتحدة تسجل أول حالة إصابة بالفيروس القاتل لزائر قدم إلى أراضيها معافى لكنه وبعد أيام من وصوله سالما إلى أميركا إكتشفت اصابته بالفيروس الذي كان يعتقد أنه تركه وراءه هناك.

صدقت كلمات الدكتور فريدن وهو يقول أمام لجنة المشرعين إنه لا حدود في عالم اليوم وإن ما ما يقتل الناس في جزء ما من العالم يعني كل الناس في كل العالم وفي حالة" إيبولا" الخبر اليقين.

شاهد تقرير رابح فيلالي:

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG