Accessibility links

في يوم المرأة العالمي.. إكراما للراحلة أمي ولكل الأمهات


الزميل الصحافي رابح فيلالي مع والدته.

الزميل الصحافي رابح فيلالي مع والدته.

هل حدثتكم يوما عن أمي؟

يأكل باطنها الألم وتحافظ على ابتسامة هادئة في وجهي.

تبكي حرقة لغيابي وتصلي لأجل نجاحي في ما سيغيبني عنها أكثر وأكثر.

أرحل بعيدا وتقضي العمر انتظارا عند شرفة بيت لا يأخذها منها موسم البرد أو عصف الريح أو فيضان المطر أو حتى حر الرصيف.

عندما ينقضي الخريف تقول سيأتي الغالي في الشتاء الذي سيأتي، وعندما ينقضي الشتاء تقول سيكون الجو أفضل في الربيع، إنه يحب العصافير وسيغريه تغريدها بالعودة إلى قريته الأولى.

وعندما ينقضي الربيع تقول لجاراتها من النساء الطيبات: سيأتي الغالي في هذا الصيف لأنه يحب دوما أن ينام في شرفة البيت المفتوحة على اخضرار الجبال. وعندما تنقضي الفصول جميعها تقول للنساء: تأخر الغالي كثيرا في أعماله، أسال الله له التوفيق والرضا.

سأنتظره العام المقبل لقد وعدني ألا يتأخر ولم يتأخر إلا بفعل قاهر.

لم تفترض يوما تفسيرا سيئا لغيابي، ولم تقل كلمة جارحة لخاطري.. تبتسم وتحضنني في شغف سمائي وتنقطع لمزيد من الصلاة لأجل نجاحي وتوفيقي.

في مطبخ أمي كثير من البيض ينتظرني ولحم العيد الذي مضى لايزال محفوظا في مكان قصي من ثلاجتها.. نصيبي محفوظ حتى لو تأخر غيابي لزمن وآخر، ففي قلبها دوما متسع لي وحدي إلى أن أعود إليها يوما فأجد نصيبي من الرزق في غيابي في انتظاري ..لا يهم الزمن عند أمي.. فكل الزمن أنا في غيابي وفي حضوري، فلأشيء في دنيا أمي غير محبتي والصلاة لأجل سلامتي.

تشعرني أمي في كل عودة إلى قريتي البعيدة والجميلة أن لي نصيبين من الزرق: واحد تحفظه لي السماء حيثما وُجدت، وآخر تحفظه لي هي في خزانتها إلى أن أعود من أسفاري البعيدة والكثيرة.

ما أكثر ما أخدتني المسافات والطموحات القاسية في حياتي، وما أكثر ما كان غفرانها حاضرا في كل العمر ليزيدني إصرارا على الغياب من بعد الغياب. اتمادى في الغياب وتتمادى هي في الغفران.

أدركها الوجع يوما ..وجع الانتظارات الكثيرة والكبيرة، وعندما عدت إلى حضنها، قالت: كل الوجع الذي كان هو الشوق إليك وها هو جسدي سليما معافى. لا تخف علي من الألم. الخوف علي يأتيني من الشوق إليك. يحتمل قلبي كل الأوجاع وتخور قواه ألما من رعشة الشوق إليك.

تسكن الآلام جسم أمي في كل زاوية منه، و تغادره الآلام وصوتي يقطع عليها أزمنة الصمت الكبيرة في بيتنا الطوب.

تورد لحمات خديها، ويعود إلى قلبها الربيع مزهوا، وتنطلق مغردة بأجمل الدعاء وفي كل عودة مني إلى قريتي . في العودة تلك زهوة لكل نساء القرية لأن زهوة أمي تتعدى الروح منها إلى كل روح تجاورها.

توزع أمي الحلوى والهدايا التي أحملها معي ..على كل رفيقة وشريكة لعمرها في القرية وتطلب من كل النساء الدعاء لي بالصلاح والنجاح، وعندما أعتب على كرمها الكبير تقول لي: عمري في عمرك أنت وقوتي في نفسك وغاية وجودي أن تكون أنت بخير وفلاح في رحلتك في الحياة. أدعو لك في كل صلاة وأريد لكل الناس أن تدعو لك بالخير لأنك كل الخير الذي حلمت به في رحلة العمر وأنتظر كرم السماء بإجابة دعواتي لأجل حدوثه.

إني أخاف ألا يكفي دعائي وحدي ليجلب لك رضاء السماء عليك وعلى خطوك.

لا تحزن. فقارورة عطر واحدة تكفيني وخمار واحد يؤدي الغرض وحذاء واحد سيحمي قدمي من البرد والريح لبعض الشتاء وأكثر، لكنك تحتاج إلى دعواتي وإلى كل دعوات النساء الطيبات من أهل هذه القرية لتكون في كل مكان بخير وسلام.

هل حدثتكم يوما عن أمي يا أصدقائي ؟

لا أعتقد إني فعلت فيما سبق من الزمن.

هل قلت لكم يوما حكاية تلك المرأة التي لا تتوقف عن محبة الإنسان والمكان وحكاياه. تسكن معي كل مدن الدنيا وتقطع معي مطارات المشرق والمغرب وسؤالها خالد عن أخبار نساء قريتنا الأولى بأسمائهن وتفاصيل حياتهن.

هل قلت لكم يوما عن امرأة تذهب إلى أعراس القرية، تأكل من الطبق ما تيسر منه وتخبئ في جيبها كل العمر ما توفر لها من غال لتحضره إلي، وهي تعرف إني أخدت نصيبي في الجزء الآخر من المكان.

تلك المرأة التي تنسى في كل تنقل منها في الحياة أن تأخذ أي شيء يخصها، عطرها خمارها وسجاد صلاتها وصابون حمامها، تنسى كل هذا ولم تنس يوما أن تضع لي في حقيبة يدها الجبن المحبب إلى قلبي وبعضا من حبات التين المجفف.

عاشت أمي ولا عطر في حقيبة يدها. عاشت ولا شيء يخصها. كل العالم كنته أنا وكل الحياة أنا بل إن أمي تخجل من نفسها أن تخص نفسها بشيء لها.

مضى من الزمن عمر كانت فيه أمي تخزن بن القهوة لحين عودتي من أسفاري البعيدة، وكثير من المتوفر في البيت لم يكن متوفرا في كل يوم، لكن حرص أمي على راحة نفسي يجعلها تخبئ لي الفرح و الزهو إلى حين قدومي وعند حدوث ذلك تقول لي أمي: إن الحياة جميلة وأيامها تحدث بخير وسلام وأن المطلوب مني هو مزيد من الانصراف إلى طموحي وغاياتي في الحياة وإلى كل الذي يشغلني عنها وعن الراحل الكبير أبي.

انصرفت كثيرا عنها وفي انصرافاتي الكثيرة في كل جهات العالم، أتحدث اليها مرة في الأسبوع في الهاتف المتحرك، وتقول لي في الكلمة الأولى: صوتك لا يعجبني. رأيتك في منامي في أكثر من ليلة واحدة أنك تعاني من ألم ما. أخبرني صدقا. ما ذا يوجعك؟؟ في ذكاء، أرد وأصحب ذلك بضحكة عالية: يوجعني بعدك يا "لميمة". تضحك وتقول لي: ماذا أفعل لك؟ تقتلني دائما بجميل كلماتك.

أجلس في حضنها طفلا لا يكبر، وتتسلل أصابعها في شعراتي الكثيفة في ذلك الحين، وتحدثني عن الوطن والأمان والأحلام وأقول لها إني موجوع في كل مكان من جسدي لأن المسافة طالت بيننا والشوق فكك ضلوعي في كل زاوية. تضحك في هدوء وتقول لي: ستكون لك في اليوم الموالي حبيبة ستشغلك عني وسيكون لك أطفال سيأخذون من حبك لي كثيرا وكثيرا، وستكون لك دنيا كاملة في انتظارك وستنسى أمك في زحمة المدن وشعف الحياة.

أبتسم وأتحرك لأنظر في عينيها عميقا وأقول لها: ما أجمل أطفالي يا أمي وأجمل منهم أمهم يا أمي، لكن الأجمل في كل الدنيا أنت يا أمي، ولولا بدؤك العظيم لما كان لنا أي بدء آخر يا سيدة كل البدايات الأولى والأخيرة في رحلة العمر.

أكل الوجع كثيرا من قوة أمي وغاب عنها سمعها، ومع ذلك لم يغب عنها يوما أن تسمع طرقي باب البيت في ساعة ليل متأخرة. حينها فقط تعلمت معنى أن يسمع الإنسان خطو الذين يحب بقلبه وليس بأذنيه.

لا تنام أمي ولا ينام وجعها قبل أن تراني في مكاني من المكان المحبب إلى قلبينا، عندما تتوضأ للصلاة وتقف داعية الله لي ولكل الناس بالهدوء والسكينة.

تعصف بالبيت الكوخ الريح من كل زاوية ومكان ويتسلل خيط البرق من بين شقوق السقف الطوب للبيت الطيني، فأجد أمي كالعادة في الزاوية نفسها من البيت منخرطة في صلاتها.

أتقدم بخطوي إليها وأسألها لماذا تصلي في ساعة ليل متأخرة؟ تقول لي حتى يحفظك الله لي من كل سوء ومكروه، وحتى تكون بذرة طيبة تزرع الخير في كل مكان.

تخرج أمي من صلاتها لتنخرط في خبز مطلوع الصباح الباكر.

ترفض أمي أن آكل كسرة الأمس، فالغالي لا يليق به سوى الطازج الجديد، وحتى قطرات الحليب يجب أن تأتي ساخنة من ضرع العنزة المقيمة في زاوية من حوش البيت.

تنطلق أمي بعد أداء كرمها الصباحي الباكر إلى مزرعتنا ولا تتوقف عن بذر الأرض وحرثها وسقيها سوى للصلاة. وبين الصلاة والصلاة هناك تسبيح لله وأذكار لا يتوقف رطب لسانها عن إلقائها في كل اتجاه وفي وجه كل إنسان يعبر المكان من حولها.

كبرت وسافرت بعيدا وكل الدنيا من جمال روح أمي. أعجب أن لا تحب أم ابنها كما تحبني أمي. وأعجب ألا يشتاق ابن لأمه كما أشتاق لأمي. ظلت عند محبتها وظللت عند محبتي وملأت المحبة بيننا سماء عمرينا.

لا أسكن إلى ذاتي من غير سكينتها، ولا تهدأ روحها في غير سكينة من روحها لروحي.

كانت أمي هنا، وكانت كل الحياة أغنية وقصيدة جميلة بل عزف قيثارة .

كان الحب هنا وكانت كل المحبة هناك.

الوطن أمي والغفران أمي والحلم أمي.

الآن يسألني قلبي: كيف سيكون المكان من غير أمي؟ ذلك المكان الذي لم يكن أمرا آخر غير أمي.

هل ستكون الأرض تلك بذلك العطر الذي يقيم فيها؟ وهل ستكون نساء القرية بذلك السمو الذي يقيم في كلماتهن ودعواتهن الكبيرة والمتأصلة في الروح وفي المعنى؟

هل سأجد في البيت تلك الروح التي لا تغادره؟ وهل يكون البيت بيتا وهو من غير وهج روحها في زواياه؟

هل سأجد ذلك الكتف الذي ينحني أمامي من غير سؤال للاتكاء عليه والاستناد إلى بهجة روح صاحبته؟

لم أعرف أن الأوطان يمكن أن تكون أمرا آخر غير وهج الأمهات.

كيف سيكون الوطن من غير أمي؟ وهل الوطن غير أمي؟

في رحلتي الأخيرة، كانت في انتظاري وبالشوق عينه الذي أعرف وأدرك حتى وهي جثة جاهزة للرحيل.

الآن لا موعد في المكان ولا نبض في الشوق ولا رائحة للعطر في طوب البيت، ولا صوت للصلاة ينطلق من زواياه ولا دعاء يصحب خطوي في كل قدوم وغياب.

هل تعرفون وطنا من غير أمهات؟ أخبروني رجاء.

بعد هذا

هل حدثتكم يوما عن أمي؟ لا أعتقد أني فعلت ذلك أبدا.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG