Accessibility links

logo-print

علياء...قصة عطاء بلا حدود من واشنطن إلى مقديشو


علياء تتحدث عن تجربتها للحرة

علياء تتحدث عن تجربتها للحرة

للوهلة الأولى عندما قرأت عن علياء تلك الجامعية الأميركية من أصل صومالي وهي تجوب مؤسسات ومعاهد وجامعات واشنطن لجمع التبرعات لبناء دار للايتام في عاصمة وطنها الأم مقديشو شعرت في لحظة بامتداد عميق لمشاعري الإنسانية في اللحظة أياها باتجاه أفق بعيد.

إنها واحدة من تلك الحالات التي يرتفع في ذواتنا ذلك المنسوب الإنساني الهائل والمتجذر في ذواتنا لكنه يفضل دوما أن يكون ظهوره مرتبطا بحالة إنسانية تلهم فينا هذه القدرة الهائلة على صناعة الخير والاحتفاء به.

توقفت للوهلة وركبت صورة القصة بداخلي. صومالية ولدت وعاشت كل مراحل حياتها هنا في واشنطن وتجد في قلبها ما يكفي من المحبة وفي حياتها ما يكفي من الزمن للتحرك في كافة أطراف المدينة وتحدث كبارها وصغارها عن تلك المأساة التي يعيشها الأطفال الأيتام في الصومال.

أولئك الأطفال الذين فقدوا أحد الوالدين أو كلاهما معا، إما بسبب الحروب المتكاثرة في تلك البلاد البعيدة أو بسبب النزاعات القبلية أو بسبب تلك الأمراض التي تفتك بلا رحمة بحياة الناس هناك أو الموت جراء الأمراض والأوبئة التي تقصر الأعمار بين الصوماليين.

ما أكثر أولئك الأطفال الذين يجدون الطريق سريعا إلى سرقة دموعنا ونحن نسمع عن قصص ضياعهم وفقدانهم لكل سند في الحياة في وقت مبكر جدا من رحلة العمر وبينهم من وجد نفسه ضالا في شوارع المدينة ولاي جد لنفسه مأوى كما لا يجد في ذاكرته صورة محددة لملامح أب أو أم كانا هنا قبل أن يرحلا بلا رجعة.

هذه هي الصورة التي قدمتها لي علياء على عجل وأنا أصافحها عند مدخل الجامعة حيث كانت في إنتظاري هناك لإنجاز قصتي الصحفية عن قصتها في سبيل جمع التبرعات لأجل أطفال الصومال، ودفع الأميركيين من أعراق مختلفة إلى الإحساس بهذه المأساة ومحاولة إيجاد الحد الأدنى من أسباب الحياة الكريمة لهؤلاء الأطفال.

في جهاز الكومبيوتر الذي لا يفارق حقيبة يدها تحتفظ علياء بكل التفاصيل ذات الصلة بعملها الخيري لأجل هؤلاء الأطفال الذين تحولوا إلى جانب دراستها الجامعية القضية المركزية في كل حياتها.

لا تتوقف هذه الناشطة العشرينية عن إظهار ما تخزن ذاكرة الكومبيوتر من صور قادمة من مقديشو لبيتها الأول للأيتام الذي بنته بتبرعات الأميركيين المساندين لها في جهدها والمؤمنين بقوة قضيتها إنسانيا وما أكثرهم في هذه المدينة كما تقول علياء.

لم تستطع أن تقاوم دموعها وهي تتحدث عن قصصهم الفردية. إنها تحفظ جيدا أسماءهم وقصصهم في الحياة وتلك التفاصيل الصغيرة التي جاءت بهم إلى دار الايتام المخصصة للأطفال في مقديشو.

نجحت علياء في تجربتها الأولى في بناء أول دار للأيتام في العاصمة الصومالية أو ما بقي من تلك المدينة الضاربة في تاريخ المكان واستطاعت أن تقيم حياة دافئة ودائمة لأطفال تجاوز عددهم الخمسين طفلا وهم يتلقون رعاية يومية وينعمون ببرنامج تعليمي متكامل من طرف مجموعة من المعلمات والمعلمين يتلقون رواتبهم من خلال التبرعات التي تجمعها علياء ورفيقاتها من الناشطات الصوماليات الأميركيات.

تقول علياء وهي تجمع دموعها في اللحظة تلك إنها نجحت في تأمين هذا الحد الأدنى من معالم الحياة الكريمة لهؤلاء الأطفال لكن هناك عشرات ومئات وآلاف آخرين من أبناء الصومال الذين يعيشون هذا الوضع الإنساني المعقد جدا وهم بالتالي بحاجة إلى مساعدة إنسانية عاجلة كي يستطيعوا البقاء على قيد الحياة أو التعرض لأبشع أنواع الإستغلال في منطقة حرب لا تجد طريقا إلى السلام إلا فيما نذر من محطات التاريخ الحديث.

لم يكن سهلا تقول الناشطة الأميركية تأمين كل هذه الحاجيات في حياة هؤلاء الأيتام ولم يكن الأمر أيضا سهلا بالنظر للمسافات الفاصلة وهي تقود هذه العملية من وراء البحار والمحيطات وعلى بعد عشرات آلاف من الأميال لكنها وجدت في وسائل التواصل الإجتماعي الحديثة من "فيسبوك" و"تويتر "و"يوتيوب" وسائل مساعدة لها على إنجاز حلمها الخيري وتحويله إلى واقع قائم في حياة الأطفال الأيتام في الصومال.

دار واحدة للأيتام في مقديشو. هل هو كل الحلم يا علياء؟ أكرر سؤالي على مسامعها، فأجد يقينها كبيرا جدا ويستع لحلم كبير تقول به الفتاة اليافعة.

إنها لا تريد أن تضيع فرصة البداية. إنها تريد أن تنطلق من تلك الأرضية التي تؤمن المأوى والغذاء وفرصة التعليم لما تيسر من الأطفال الأيتام وفي النية الكثير من الأفكار التي يمكن البناء عليها مستقبلا وتطوير المشروع وبناء دور أخرى للأيتام في كامل البلاد وإتاحة فرص الحياة الكريمة أمام هؤلاء الأطفال.

تملك علياء جبالا من النوايا الطيبة لأيتام بلدها وتعرف أن الحروب المتلاحقة في ذلك الجزء من إفريقيا هي سبب كل المأساة وتريد لحالة من السلام أن تعم تلك البلاد، لكنه السلام الذي يغيب جدا عن تلك الأراضي العامرة بالخير والتاريخ كما تصفها وهي تتحدث عن وطن أمها وأبيها اللذين يشكلان هما أيضا حالة إنسانية مملوءة بالأحزان عندما اضطرا أن يغادرا بلدهما في مرحلة من العمر إلى اليمن البلد المجاور ومن هناك إلى الدوحة في قطر وأخيرا الإنتقال إلى أميركا حيث ينعمان بالحياة حاليا وحيث أنجبا علياء وبقية أشقائها وشقيقاتها الأربع.

في هذه العائلة لا تغيب الصومال عن مائدة الطعام في نهاية كل مساء، تقول علياء وهي تجيب عن سؤال حول هذا التعلق العميق من جانبها بحكايا الناس وأوجاعهم في و طنها الأم.

تكتب الرسائل وتبعثها في مختلف الإتجاهات إلى مكاتب الشركات الخاصة وإلى أصحاب المحلات التجارية وإلى تجمعات الجالية من عرب ومسلمي أميركا وتستأذن المراكز الإجتماعية في تنظيم لقاءات لجمع التبرعات لمشروعها الخيري ويساعدها آخرون في تحضير الغداء والحلوى للمناسبة ويتبرع متطوعون آخرون بوقتهم وجهودهم في سبيل تنظيم هذه الأمسيات التي تجعل من معاناة هؤلاء الأطفال على طاولة الحياة هنا في أميركا.

نجحت علياء في أن تجعل من قضية أيتام الصومال هما إنسانيا يتحدث عنه قطاع واسع من الناس في واشنطن. إنها تفخر وهي تؤكد أنها لم تعد وحيدة في سعيها الإنساني اللافت كما أن هناك كثيرات من الناشطات من الأميركيات من أصل صومالي من يشاركنها همها ويؤمنن بتطلعها في سبيل جعل الحياة أفضل في عيون هؤلاء الأطفال.

وعندما تشعر هذه المجموعة من الناشطات وشركائهن بالتعب والإرهاق جراء كثافة برنامج الإلتزامات اليومية في حياتهم وعملهم التطوعي تعود بهم الذاكرة إلى ذلك الموعد الأسبوعي الذي يجمعهم بالأطفال الأيتام عبر "السكايب" لحديث مفتوح معهم عن آمالهم وتطلعاهم في الحياة وما هو الجديد في رغباتهم وتطلعاتهم.

وهم يستقبلون علياء والآخرون والأخريات من خلال النافذة الثانية للإتصال عبر "السكايب". الأطفال في اللحظة تلك ينادونها "ماما" في اللحظة هذه فقط تقول علياء يعيد العالم تشكيل نفسه في صورة جديدة ويكبر الحلم فيها بالنجاح في بناء مزيد من دور الأيتام في الصومال، وتتجدد الطاقة فيها والإيمان بأن هناك كثيرا من الخيرين الذي يعيشون هنا في أميركا وفي كل بقية العالم وهم حتما يؤمنون بإيمانها في سبيل صناعة الخير والجمال في حياة هؤلاء الأيتام، وأنها هي المطالبة بأن تصل إلى هؤلاء الناس حيث هم يعيشون ويسكنون.

وكذلك لا تزال علياء تفعل في كل صباح ومساء في واشنطن.

وفي ما يلي علياء تتحدث لمراسل قناة الحرة:

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG