Accessibility links

كانت واشنطن يومها تتزين لعيد ميلاد جديد، والطقس أعلن موسم البرد الطويل. وبين مواعيد احتفالات نهاية العام وأفراح المدينة بعامها الجديد كنت أصارع الزمن مع المخرج التلفزيوني الأميركي ماثيو فانديك لنجد متسعا من الوقت لنتحدث عن تجربة الرجل في الحياة داخل سورية ومغامرة انتاج فيلمه الوثائقي الذي حقق نجاحا عالميا لافتا "سورية.. يكفي الذي حدث".

على رصيف محطة القطار الرئيسية وهو في طريقه الى نيويورك لمشاركة خطيبته احتفال العام الجديد، وقفنا نستعيد تفاصيل تلك التجربة التي قضاها وسط سورية، بين المقاتلين سكان المدن السورية التي تنقل ماثيو فيها .

توقفت أولا عند عنوان الفيلم الوثائقي ومصدره فقال لي ماثيو إن العنوان هو حكاية شابة سورية يافعة إختارها بطلة رئيسية لقصته أيامه في سورية .

إنها نور العشرينية. وجدت نفسها تنقل أحلامها تباعا من فستان عرسها وطقوس الإحتفال بها عروسة في قلوب محبيها وأفراد عائلتها إلى إمرأة ترتدي سراويل الجينز والاحذية الرياضية وهي تسعى لأن توثق مأساة تعصف بوطن حملته في قلبها دوما وتمنت أن تراه بصورة مختلفة تماما غير تلك التي تراه عليها في كل صباح ومساء .

الطفلة نور كما تقول عن نفسها كانت تحب الفساتين الزاهية والأحذية ذات الكعب العالي لكن ذلك زمن غادرها ولا يمكن أن تجد الطريق إليه ثانية .

انها إمرأة كان الكثيرات من بنات وطنها الآن موزعات في أماكن عديدة ويبحثن عن الأمان أكثر من البحث عن مباهج الحياة وزهوتها .

لا تعرف نور كيف تغيب الحياة عن ملامحها ولا تعرف هي كيف تنأى بنفسها عن زهوة الحياة في كل صورها .

كان موعدها مع العشرينات من العمر والدراسة الجامعية والتفوق فيها والإنتقال إلى محطات أخرى في العمر أكثر بهاء وإشراقا. الحلم الذي كان يملأ تفكيرها ويزيدها زهوا. لكنها فجأة استيقظت على واقع جديد جعل منها هي أيضا إنسانة جديدة.

للقدر رأي آخر في مسار الحياة معها، فها هي اليوم تحمل كاميرتها على كتفيها وتجوب أطراف مدينة حلب الآمنة وتحاول من خلال جولتها اليومية تسجيل ذاكرة الحرب في مدينة كانت قلب الحياة دوما في عينيها .

يأخذ ماثيو نفسا عميقا وهو يعود معي بذاكرته إلى أيامه في حلب حيث كان ضيفا دائما على شباب سوريين في مقتبل العمر يحملون إليه ما توفر لهم من مشروبات ساخنة لمواجهة برد الشتاء كما يحملون في أغنياتهم التي يرددونها قصصهم وأحلامهم ورغبتهم في رؤية وطنهم أجمل الأوطان .

يقول ماثيو إنه صادف أن التقى نور بين أخرين في أسواق حلب ووجدها متحدثة بارعة في لغتها الإنكليزية مما سهل عليه التواصل من خلالها مع الآخرين من بنات وأبناء حلب وجعل من نور والآخرين شركاءه في فيلمه الذي حقق حتى الآن ما يزيد عن عشرين جائزة محلية وأخرى دولية .

نور تسجل لأيام المحنة في مدينتها وفي وطنها بكاميراتها وتوثق في كل لحظة ما تراه عيناها وتكتب من خلال صورها ذاكرة غنية تقول عنها سيحتاج السوريون إلى معرفة تفاصيلها في يوم ما. وتشير بحسرة واضحة أنها لا تعرف إذا كانت تستطيع الحياة إلى ذلك الحين أم لا .

وهي تحاول أن توثق تلك اللحظات الهاربة من الزمن من حولها تستعيد ذاكرة أولئك الأصدقاء الذين فقدتهم في السنوات الماضية. بعضهم غادر إلى دول الجوار وإلى دول أخرى بعيدة وبعضهم الآخر فقد الحياة لسبب أو لآخر وكثيرون إنقطعت بينها وبينهم أشكال التواصل لكنها وجدت في دموعها مخرجا لضيقها وهي تستعيد ذاكرتهم الحية في قلبها .

ماثيو يضيف شارحا أن اليافعة نور لم تكن وحدها من شاركته الرحلة الطويلة، فهناك بطل آخر لقصة فيلمه وشريك لأيامه في حلب. إنه معاوية العشريني والأب لطفلين وجد نفسه في قلب مدينة تنهار جدرانها تباعا وهو الذي حمل لها كل الحب الذي يليق بها في كل مراحل عمره السابقة .

يسأل معاوية ماثيو في محاولة للإجابة عن سؤال كيف يرى حلب بين الأنقاض. قال وكيف يمكن لماثيو أن يرى نيويورك وقلب المدينة فيها "تايم سكوير" كله عبارة عن خراب ودمار؟

إنه حب المكان كما يتناوله معاوية وكما تراه نور وبينهما عدسة التصوير التي يحملها ماثيو وهي العدسة التي رافقته عبر رحلة طويلة من مطار دالاس بواشنطن إلى إسطنبول بتركيا وعبورا للحدود التركية السورية وأخيرا وصولا إلى قلب مدينة حلب واللقاء بصناع المشهد اليومي هناك .

لم تكن رحلة ما ثيو إلى هناك هانئة ولا هادئة، بل كان فيها كثير من المخاطر وكثير من التفاصيل التي يقول إنه لم يخبر عن جلها بعد، وحتى الذي جاء في فيلمه هو تسجيل للحظات عابرة في أيام مجموعة من أبناء مدينة حلب.

عاد ماثيو من حلب ليحكي من خلال فيلمه لأميركا ولبقية العالم قصة أولئك الشباب المحملين بالأوجاع والمزدحمين بالآمال في الوقت ذاته .

وجد ماثيو في برلين وفي فيينا وفي باريس وفي نيويورك وهنا في واشنطن التصفيق المدوي لفيلمه والنجاح الإعلامي الكبير وبات عنوان فيلمه يتداول على كل لسان في إشارة إلى حكاية ذلك المخرج التلفزيوني الأميركي الذي أختار طواعية الذهاب إلى سورية والشهادة على الواقع اليومي هناك و لنقله إلى بقية العالم .

لا يخفي ماثيو هو يتحدث عن سورية تلك المشاعر التي باتت تسكن كيانه جراء تلك الذاكرة التي يحملها معه في قلبه وفي تفكيره على مدار الساعة ويحزن جدا وهو يستعيد تلك الحكايا عن أولئك الأطفال والشباب اليافعين الذين قابلهم في قلب مدينة حلب وأريافها وهم يتحدثون عن آلامهم لكنهم جميعا يتطلعون إلى الغد الأفضل، لذلك هم مثلا لم يتوقفوا عن ممارسة ألعابهم ومباريات كرة القدم في الساحات القريبة من مساكن عائلاتهم. هناك رغبة في البهجة والحياة تملأ عيونهم ولا تغادرها ابدا .

لا يفرح ماثيو كثيرا بنجاح الوثائقي لكنه يفرح أكثر لأن فيلمه حرك كثيرا من المبادرات وشجع كثيرا من الأقلام في عواصم ومدن العالم الكبيرة للكتابة عن حاجة السوريين في محنتهم الحالية إلى مساعدة آخرين و هم الذين في العادة لا يتأخرون عن مساعدة كل من يحتاج إلى مساعدتهم .

ذلك هو الذي يسعد قلب ماثيو. يقول إنه يجد في هذه الإستجابة نقطة الضوء التي تملأ أيامه في إمكانية أن يجد أولئك اليافعين الذين تركهم وراءه المساعدة التي يحتاجون إليها إلى حين الوقوف على أقدامهم ثانية واستعادة بهجة الحياة التي يعشقونها بكل القوة المتاحة في قلوبهم ونفوسهم .

يجد خريج جامعة جورج تاون في نفسه ميلا دائما ليتحدث عن سر إندفاعه إلى مغامرات من هذا النوع في عائلته الصغيرة والدته التي تدفعه دوما إلى إنجاز المختلف من الأعمال والتي تؤمن بضرورة تقديم المساعدة لأولئك الذين هم بحاجة إليها، وخطيبته التي تملك ما يكفي من الشجاعة للإنتظارات الطويلة التي تحدث في كل غياب يختار فيه ماثيو التعامل مع واحدة من القضايا المعقدة في أجزاء عدة من العالم .

قبل أن يحط ماثيو رحاله في سورية كانت له قصة أخرى طويلة وعميقة المعاني في ليبيا في زمن معمر القذافي وتلك حكاية سأرويها لكم لاحقا .

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG