Accessibility links

عندما يخاف الصحافيون


توماس فريدمان متحدثا إلى رابح فيلالي

توماس فريدمان متحدثا إلى رابح فيلالي

في كل صباح وأنا أقطع الشارع الموازي لمبنى نادي الصحافيين في واشنطن يقابلني "مارك باركر" عند مدخل مقهى "ستاربكس" جالسا عند جهاز كومبيوتر ويكتب كل ما تراه عيناه بلا توقف في شوارع واشنطن.

مارك حكاية أخرى في الحياة. رجل ككثر في العاصمة فقد وظيفته جراء الأزمة الإقتصادية التي تعصف بالبلاد ووجد نفسه بلا مداخيل ولا بيت ثابت في حياته. وقدم في خضم أزمة الاقتصاد إلى من مدينته الأصلية "نيويورك" إلى "واشنطن" بحثا عن فرصة عمل أو حياة ممكنة في العاصمة الفيدرالية.

مارك في خضم أزمته الشخصية هذه أنشأ موقعه الشخصي على الأنترنت "مشاهداتي في الشارع" الذي يدون فيه ما يشعر به وما يفكر فيه ويتقاسمه مع آلاف آخرين من شركاء أزمته والباحثين عن غد أفضل من أمثاله.

حقق مارك بموقعه الإلكتروني نجاحا لافتا وهو النجاح الذي علمني من خلاله العبور من وقت لآخر لأقرأ بما يفكر الرجل والآخرون ممن عصفت بهم أزمة الاقتصاد الأعنف من نوعها في أميركا خلال الخمسين عاما الأخيرة ورمتهم في البطالة بعد ان كانوا اصحاب مداخيل ووظائف.

مارك يشرب قهوته الساخنة في محاولة لسيطرة على برد المدينة ويدخن سيجارته ويكتب مقالاته وهو وينتظر قدوم زوجته ليقضيا بعض الوقت معا على جادة أحد أرصفة واشنطن، وقد حرك في داخلي سؤالا كبيرا عن مستقبل الصحافة التقليدية في أميركا وبقية العالم.

كان ذلك قبل خمس سنوات عندما كانت مواقع التواصل الإجتماعي من "فايسبوك" و"تويتر" و"يوتوب" تحقق بداية مجدها بمزيد من الإنتشار الإجتماعي بين الناس قبل أن تتحول إلى مصدر الأخبار الأول في العالم ليس فقط على المستوى الإجتماعي في حياة الناس وعلى مستوى المؤسسات الإعلامية الكبيرة والضخمة والإعلاميين على إختلاف مواقعهم .

في جانب ما من العاصمة واشنطن وقبل أربعة اشهر من لقائي بمارك والتعرف الشخصي إليه والحديث عن تجربته في الكتابة على جهاز كومبيوتر من على رصيف المدينة كانت صحيفة "كريستاين مونيتور" واحدة من أٌقدم صحف واشنطن قد أغلقت نسختها الورقية وقررت الإبقاء فقط على نسختها الإلكترونية في بادرة بدت وقتها أنها علامة على نهاية مرحلة كاملة من تاريخ الممارسة الإعلامية بصورتها المعروفة وبداية تاريخ جديد لإعلام جديد في مطلع قرن جديد.

وجد "غوردن" المحرر الرئيسي في الصحيفة والإعلامي المخضرم صعوبة في تحديد ماهية الذي يحدث من حوله لكنه ومع ذلك قال إن العالم تغير إيقاع الحياة فيه إلى سرعته القصوى ولم يعد هناك مجال لإنتظار طيلة ليل ونهار كاملين لمعرفة جديد الأخبار من خلال صحيفة ورقية بينما تقوم المواقع الإلكترونية بتحديث أخبارها على مدار الساعة، وهو الوضع غير المريح الذي وجدت نفسها الصحافة المكتوبة بصدده فلجأت إلى خيار تعزيز المواقع الإلكترونية على حساب الطبعات الورقية.

جوردن إنخرط بالكامل في التحول الجديد في مؤسسته الإعلامية لكنه بقي مؤمنا بوجود مساحة للصحيفة الورقية خاصة وأن لهذا اللون من الصحافة عشاقا أوفياء لايزالون ينتظرون صحيفتهم في بداية كل يوم أحد عند أبواب بيوتهم لتناول قهوة الصباح متصفحين جرائدهم المفضلة.

هل هي أزمة أجيال؟

كان هذا السؤال الذي نقلته إلى إعلامي آخر مخضرم هنا في أميركا ولديه صولاته وجولاته في مناطق عدة من العالم ويكتب مقالاته الأسبوعية واليومية في مواقع إلكترونية وعلى صفحات جرائد ورقية.

أسأل توماس فريدمان كيف يتعامل مع هذا الواقع الجديد في الإعلام الأميركي والعالمي؟

على عجل يقول لي إن هذا المتغير مس الحياة العامة وليس الصحافة فقط وعلى الإعلاميين التكيف معه والتعامل مع معطيات جديدة لم تكن تشكل تحديا لرجال ونساء المهنة قبل عقد من الزمن على الأقل.

فريدمان يقول إن الصحافيين لا يملكون أمام الواقع الجديد فرصة القبول أو الرفض لكنهم يملكون فرصة التكيف مع الأوضاع الجديدة وربما من حسن حظهم أنهم يتعاملون دوما مع تحديات متجددة وتلك واحدة من طباع المهنة في كل تاريخها.

زميل مهنة آخر يشارك فريدمان هذا القلق المتزايد من تحول الحاضر وتحديات المستقبل في مستقبل الصحافة بين أدواتها المتعارف عليها من تلفزيون وإذاعة وصحيفة ورقية ومواقع الكترونية جديدة.

ريز خان. هذا الإعلامي التلفزيوني والكاتب المتنقل بين عديد من القضايا ذات الصة في بعضها بشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا وأخرى عالمية يقول إن هذا هو التحدي الجديد الذي يمكن أن يكون في صالح الإعلام التقليدي إن عرف كيف يستفيد من قدرة الوسائط الإجتماعية في الوصول إلى أكبر عدد من الناس وفي أقصر وقت ممكن. وهذا تماما ما يفعله الفايسبوك وتويتر.

عندما كنت بصدد إنجاز هذا العمل التلفزيوني لم يكن العالم قد عرف ما صار يعرف لاحقا بالربيع العربي والذي كانت وسائط التواصل الإجتماعي الوسيلة الأبرز في نقل أحداثه وصوره وأخباره إلى بقية العالم.

لكن العالم حينها كان قد شهد حالة مماثلة لذلك من خلال صورة "ندى" تلك الفتاة الإيرانية اليافعة التي قتلتها شرطة إيران في شوارع العاصمة طهران عندما كانت تتظاهر وآلاف آخرين ضد ما رأوه تزويرا في الانتخابات أفضى إلى إعادة انتخاب الرئيس السابق أحمدي نجاد ورأى العالم جميعا لحظة مقتلها مسجلة على هاتف نقال وجابت صورة الفتاة الحالمة بوطن أكثر ديوقراطية في صرختها كل جهات العالم.

هذه التحولات القياسية في عالم الإعلام فرضت على جيل سابق من الإعلاميين الإنخراط في منظومة مهنية ومعلوماتية جديدة وإستيعاب تحولات لم تكن مقدرة في تفكيرهم لكنها بالنسبة للكثيرين هي تحديات القبول بالواقع الجديد والتعاطي معه على أنه أمر واقع يحكم الوجه الجديد لمهنة الصحافة في مطلع القرن الواحد والعشرين.

وشكل التحول تحديا هائلا للجيل السابق كان في المقابل فرصة جادة لميلاد جيل جديد من الإعلاميين يملك الأدوات اللازمة للإنخراط في سوق الإعلام الحديث وهو جيل خبير في الأدوات المستجدة وطرق إستخدامها وسرعة التكيف مع متغيرا تها التي لا تكاد تتوقف عن تجديد ذاتها.

كل هذه المشاهد لم تكن مطروحة في تفكير نساء ورجال المهنة قبل عشر سنوات من الآن لكنها الواقع القائم في حياتهم اليوم. ويظل السؤال دوما قابلا للتجدد والطرح عن مستقبل الإعلام التقليدي في مواجهة إعلام الوسائط الإ جتماعية.

لذلك عدت أنا من جانبي إلى قصتي هذه بعد خمس سنوات من إنجازها لأقابل رجال المهنة بنفس الأسئلة مضافا إليها متغيرات الساحة العالمية من حولنا. وماذا قالوا عن السنوات الخمس هذا ما سأقوله لكم في مقالي القادم في هذا الفضاء.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG