Accessibility links

logo-print

امرأة وسجاد وقصص إدمان من كابول


مراسل قناة "الحرة" رابح فيلالي (يسار) ومصوره في أفغانستان

مراسل قناة "الحرة" رابح فيلالي (يسار) ومصوره في أفغانستان

خلف تلك الصورة النمطية العابرة للعقول والأمكنة والساكنة في الأزمنة للحياة في أفغانستان وحياة أهلها هناك، واقع يزدحم بمعالم الجمال..

عندما وطئت قدماي لأول مرة بلاد الأفغان، حملت معي في ذاكرتي عبر طول الرحلة الشاقة من لندن إلى إسلام أباد إلى كابول، ذلك الصوت المغرد بداخلى منذ تلك الطفولة البعيدة لرجل التنوير في التاريخ الحديث "جمال الدين الأفغاني" وهو يحمل على كتفيه مهمة محاربة الإستعمار في عالم كامل ويكلف نفسه بمهة تنوير أجيال وأجيال بأخطار القبول بالحالة التاريخية القائمة حينذاك في أنحاء العالم الإسلامي، ولا زالت كلماته تملأ علي أسماعي رغم ضجيج الطائرة الروسية الصنع وهي تنقلني من إسلام أباد إلى كابول.

تقول ذاكرتي البعيدة عن الأفغاني إن جمال الدين قال يوما لليائسين من إمكانية إخراج الإحتلال البريطاني من أراضيهم إن الأمر لايتسع إلا إذا ضاق وأن الأزمة تلد الهمة وأن الليل سينجلي حتما بعد اشتداد الظلمة إلى أقصى حدودها وأنه لايؤمن بربوبية القوة سوى شبح الضعف.

فكرتُ مليا في سيرة الرجل العابر للأمكنة ووراء خطوه في كل محطة إمبراطورية لاتغرب عنها الشمس وفكرت أكثر في تاريخ الأفغان هؤلاء الناس الذين رمتهم الجغرافية في زاوية من العالم كلها من تناقضات القوة حولهم وضعفهم الدائم، فهم جيران للروس في أزمنة قوتهم وفي أزمنة انهيارهم وهم أيضا جيران للعملاق الصيني في نومه ويقظته وهم جيران للغول الهندي وهم جيران لإسلام أباد النووية، وفي كل ذلك يمثل الأفغان الحلقة الأضعف بين هذه الأمم الحاملة دوما لأدوار عدة في تاريخ شعوبها وفي التاريخ الإنساني عامة.

صورة أخرى ملأت علي تفكيري تقول إن هذه البلاد لا تعرف طريقا إلى السلم والاستقرار في تاريخها، فالحرب فيها عادة ما تقود أهلها إلى حرب جديدة وكأن السلام اختار أن يكون على قطيعة مع هذه الأرض عبر كامل تاريخ البلاد لكني وقفت مندهشا وأنا أعرف أن هذه البلاد استعصت دوما على كل حالة احتلال في تاريخها حتى وهي المحطة الأضعف بين كل جيرانها من مختلف الأحجام والألوان.

ونزلت الطائرة في كابول..

في ذلك الصباح الأول الذي أشرقت علي فيه شمس كابول.. فتحت نافدة غرفتي في إقامتي الفندقية تجاوزا وللفنادق حكاية مختلفة في كابول.. لأن المدينة يستحيل فيها أن تجد جدارا واقفا حينها.

في تلك الفترة من تاريخها، لجأ سكان العاصمة إلى حيلة تأجير أجنحة من بيوتهم وتحويلها إلى فنادق لإقامة الغرباء خلال فترة وجودهم في كابول على أن يقوم هؤلاء بتأمين الخدمة اللازمة خلال فترة العبور في كابول ويكون أكل الضيف من أكل أهل البيت، وحياته من حياتهم وذلك هو الخيار الأفضل والوحيد المتاح في أفغانستان في تلك الفترة من التاريخ، والجميل أن هذا الأمر تحول إلى تقليد وهو لايزال قائما حتى الآن فيما يعرف ببيت الضيافة.

في ذلك الصباح، تقاطعت عيناي لأول مرة مع خيوط شمس كابول.. كانت المدينة تختال في حركتها الأولى كحسناء يدركها الضوء من غير رغبة لها في اليقظة باكرا ولم تكن تجد الطريق بعد الى تصفيف شعرها وأزعج الكحل في عينيها ضوء الشمس الساطع.. هكذا تخيلت كابول في اللحظة تلك وأنا أسمع أصوات التجار في سوق المدينة المركزي ودخان المطاعم في قلب السوق وتلك الأصوات التي لا تنقطع عن الإرتفاع بين لحظة وأخرى معلنة عن الأسعار منادية المسافرين لإدراك حافلات السفر قبل مغادرتها كابول في اتجاهات البلاد البعيدة والقريبة.

على إيقاع الأصوات تلك، ووسط ركام الغبار الذي يملأ سماء المدينة يناديني مساعدي الأفغاني في مهمتي الصحفية ويضع بين يدي نتائج اتصالاته في الليلة الماضية وبرنامج العمل لكامل اليوم في كابول وضواحيها.

اتسعت عيناي إلى مدى يمكن إدراكه من قبل شريكي في الجلسة، وأنا أعرف أن سيدة السجاد الأفغاني ستكون في انتظارنا مساء في بيتها لأن حكاية السجاد الأفغاني ظلت واحدة من القصص التي تمنيت دوما إنتاجها والكتابة عنها في مسار أسفاري المهنية في ربوع العالم.

"شكرا لأنك تفكر فينا" قالت المرأة وهي تفح باب بيتها لاستقبالي وفريق التصوير. باب بيتها كان عبارة عن قطعة من الحديد المبعثر الألوان وألواح مقطعة من بعض أشجار يتكيء ذلك الباب المتهاوي على بقية طوبات حجرية وهذا أفضل ما تركت لها الحرب للحياة هي وأبناؤها الذين كبروا ولكن في الذاكرة أوجاع وآلام ستظل تعيش معها ومع أبنائها كل العمر.

"زهور " واحدة من أفضل النساء اللواتي تجدن فن خياطة السجاد بين الأفغانيات، وهذا مقام يصعب الإرتفاع إليه متى عرفنا أن الأفغانيات هن سيدات صناعة السجاد، وأن العملية كلها تتم في بيوتهن وبأيديهن ولك أن تتصور حجم المنافسة بين النساء على لقب سيدة السجاد الأفغاني.

تذكرت معي المرأة حكايتها في سنوات الحرب الطويلة وكيف كانت العائلة بكامل أفرادها تعيش على عائد صنيع يديها، لكن خياطة السجاد كانت ولاتزال تستهلك منها كل العمر وكل الزمن وكان أطفالها في تلك الفترة من الزمن صغارا من حولها وهم بحاجة إلى رعاية كاملة وعلى مدار الساعة فكيف الحيلة إلى الجمع بين رعاية أطفال رضع يحتاجون إلى كامل العناية وخياطة السجاد الذي يأخد من المرأة كل الوقت وكل الجهد؟ وكيف لامراة أن توزع جهدا بين الإثنين على قلة الحيلة وضيق مساحة البيت ومواعيد التجار القادمين من أوزبكستان لجمع السجاجيد من بيوت الأفغانيات في توقيت لا يزيد ولا ينقص عن موعد واحد يتكرر أحيانا كل ثلاثة شهور ومسألة حدوثه من عدم حدوثه متروكة لحالة الحرب وتطور أحداثها في البلاد؟

تأخدني أحاديث المرأة في اتجاهات عدة قبل أن تقول لي أن أبناءها وهم يكبرون يعانون من الإدمان.

"عن أي إدمان تتحدثين؟" يهرب السؤال من شفتي.. وسريعا تقول لي "الهرويين".

كنت أعرف قبل وصولي كابول أنها البلاد الأكثر إنتاجا لهذه المادة في العالم، وأن هناك عصابات وأمراء لهذه التجارة يملأون أرجاء البلاد، لكني لم أكن أتصور أن قصة السجاد ستقودني للإنتهاء إلى قلب عاصفة الهيروين في أفغانستان.

يقول سرد المرأة الحزين.. إنه وفي تلك الأيام البعيدة، انقطعت الحياة بالكامل في أفغانستان وباتت النساء تعيل العائلات، وكانت حيلة النساء في ذلك هي إطعام صغارهن بعض الهيروين حتى يستكينوا ويسمحوا للنساء بالاستمرار في غزل السجاد، فيما تطحن الحروب أعمار الرجال بشبابهم وشيوخهم في أعالي الجبال الباردة والوديان السحيقة.

على هذه الخلفية، يدمن الكثير من أطفال أفغانستان هذه الحشيشة المدمرة لقواهم ويقضون أعمارا كاملة وهم لايستطيعون التعافي من مفعولها في أجسادهم، بل إن الحياة لا تستقيم بالنسبة لهم من غير تناول هذه الحشيشة.

حكايات المرأة كانت كثيرة، لكن هذا السر وهي ترميه في وجهي هز كياني بالكامل واحتاج مني إلى كثير من التفكير لاستيعابه، ووجدت أن قصة إنتاج الهيروين في أفغانستان مسألة تتحكم فيها كثير من خيوط الإنسان، وهو يمارس أسوأ صور البشاعة فيه، لكني أدركت في المقابل أن وراء تلك الحشيشة قصص ومآس كثيرة في واحدة منها أن أجيالا كاملة من الأفغان كانت ضحية للإدمان وكيف لايدمنون وهم يتناولون الهيروين مصحوبا بحليب الأمهات في سن مبكرة.

وهذه واحدة من أكبر المآسي التي خلفتها تلك الحروب التي لا تهدأ حتى تندلع مجددا في بلاد الأفغان.

تقريري التالي يلقي مزيدا من الضوء على مساعي الأفغان لإعادة بناء بلدهم:

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG