Accessibility links

logo-print

الحضارة تبدأ من الرصيف


صورة عامة من منطقة "المول" بواشنطن العاصمة

صورة عامة من منطقة "المول" بواشنطن العاصمة

كانت واشنطن في ذلك الصباح تختال جميلة في نعومة نسمات الخريف الأولى بعد صيف قائظ.
في مفكرتي الصباحية موعد تصوير مع أحمد أكبر محمد أحد الخبراء المتخصصين في شؤون العالم الإسلامي، وهو كاتب وباحث وأكاديمي يرأس مجالس أميركية عدة متخصصة في قضايا العالم الاسلامي والدراسات حول إرث إبن خلدون.
أما المناسبة فكانت إصدار الرجل لكتاب The Thistle and The Drone احتاج منه إلى أن يعمل على الأرض لفترة غير بسيطة من الزمن والتنقل بين قبائل باكستان وأفغانستان ومعاينة ردود أفعال وإنعكاسات استخدام بلده: الولايات المتحدة للطائرات من غير طيار في هذا الجزء من العالم المعني أكثر من غيره بالحرب العالمية على الإرهاب.
موعدنا الصباحي تم على الصورة الأجمل.. إلتقيت الرجل واستمعت إلى وجهة نظره وتحدثت إلى البعض من مساعديه في عمله الميداني والتوثيقي وكان الكثير من الحضور من العارفين بالمنطقة وبالأزمات الإنسانية القائمة هناك وحاجة سكان هذه القبائل إلى الكثير من المساعدات حتى يتمكن أطفالهم من الذهاب إلى المدارس بشكل دوري وحتى يكون في ذلك خلاصهم من الإستغلال والتجنيد من قبل العناصر المتطرفة والزج بهم في جماعاتهم المهددة للإنسان و الحياة في هذه المناطق وفي كل العالم.
كان من كرم الرجل علي خلال الجلسة وبعد الفراغ من نقاشنا الثنائي الذي تبع النقاش العام المفتوح في معهد "بروكيننغز" حول كتابه في لقاء كان مزدحما بالحضور إليه من قبل وجوه النخبة المهتمة بالشأن السياسي في واشنطن.
تكرم الرجل علي بإهدائي نسخة من الكتاب بتوقيعه الشخصي عليها وملأ ت قلبي لحظات من السعادة الدافئة أولا بسبب اللقاء الغني والثري والاستماع إلى وجهة نظر عميقة وميدانية وحية من رجل تعود جذوره إلى هذه المنطقة ويعرف جيدا مناخاتها الإجتماعية والقبلية وبالتالي فهو الأقرب إلى فهم المزاج الإجتماعي والذهني بين أولئك السكان الذي اختار لنفسه أن يكون متحدثا بالنيابة عنهم في كتابه هذا.
حملت الكتاب وغادرت الرجل والمكان مودعا ومعبرا عن صادق إمتناني للوقت الثمين الذي تكرم به علي ولنوعية الإجابات المقدمة لأسئلتي الصحفية وأكثر من ذلك سأحمل معي إلى بيتي نسخة موقعة من كتابه ولا شيء يسعد قلبي مثل كتاب يهدى إلي من قبل صاحبه.
إستكمالا لمراحل التصوير كان لا بد أن أعمل بمعية المصور على تصوير الأجزاء الخارجية لبقية القصة الإخبارية عن الوجه الآخر لإستعمال الطائرات من غير طيار في الحرب على الإرهاب.
في أثناء ذلك وفي زحمة العمل ونحن نغادر المكان نسيت نسخة الكتاب الموقعة والمهداة من الصديق أحمد وانطلقت بنا السيارة عائدة إلى مقر المحطة في مسافة نحتاج معها إلى بعض الوقت الذي لا يقل عن الساعة أحيانا وفالأمر متروك لرحمة الإزدحام في الطريق وحجم الأشغال الدائمة على طريق العودة من "واشنطن " إلى "سبرينغفيلد".
عدنا والعود دائما أحمد. لكن المفاجأة حدثت وأنا أفتش حقيبتي على مكتبي حيث اكتشف أن الكتاب الهدية غير موجود فأدركت للتو اننا نسينا كلانا المصور وأنا الكتاب على قارعة الرصيف.
مع شعوري باليأس العميق، حاولت الإتصال بالمصور وهو في الطريق لسؤاله تجربة الحظ والعودة سريعا إلى المكان والبحث فيه. وكان لي ما سألت وهذا كرم آخر من المصور علي لكن عند الإتصال الأخير بيننا في ذلك اليوم أبلغني أن الكتاب غير موجود وأنه لا أثر له في المكان.
نام قلبي في تلك الليلة على وجع من حزن وأنا أفقد وأفتقد هدية ثمينة موقعة من كاتب أكن له كل التقدير
وسعيت إلى أن أعرف تفاصيل رحلته بين قبائل أفغانستان وباكستان وعبرت في ذهني فكرة سريعة أن أحاول الإتصال به في اليوم التالي وأن أخبره بالقصة الكاملة، لكن الحياء منعني مع أن السؤال بداخلي ظل قائما كيف سيكون ردي على سؤاله وهو يتطلع الى معرفة رأيي في ما قرأت عند فرصة اللقاء القريبة بيننا.
رضيت بالخجل وقضيت الليلة على لمسة حزن تقيم في قلبي.
نسيت القصة لبرهة من الزمن واستحيت من أن أعود للحديث عنها حتى مع أفراد عائلتي.
في صباح آخر كان مسؤول البريد في المحطة يطلبني على الهاتف ويقول لي "أرجوك أن تمر على مكتبي في لحظة فراغك لأن هناك مظروفا بإسمك وصلنا الليلة الماضية".
ذهبت الى الرجل وآخر ما يمكن أن يعبر تفكيري هو الكتاب الذي فقدته يوما على الرصيف .
استلمت المظروف فإذا به هو الكتاب عينه يصلني مرسلا عبر البريد ومن دون حتى الإشارة إلى المرسل. عاينت كتابي سريعا فإذا به هو بتوقيع الرجل عليه وفي كامل سلامته وحتى البطاقة التي كانت بداخله لا تزال على الصفحة عينها. حينها أدركت أن شخصا ما وجد الكتاب على الرصيف وبداخلة بطاقتي المهنية فقام بإرساله إلى الإسم والعنوان الموجودين على البطاقة ومن غير حتى السؤال عن الجزاء أو الشكور.. وهل ثمة أجمل من هكذا خلق وأمانة بين الناس وفي حياة الناس؟
تأملت المشهد عميقا وأطلقت زفير فرح صامت وقلت إن الحضارة تبدأ من الرصيف.

هذا شريط فيديو عن حفل توقيع وتقديم كتاب أحمد أكبر محمد The Thistle and The Drone
في العاصمة واشنطن:


  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG