Accessibility links

حكاياي لأطفالي


رابح فيلالي خلال مهمة صحافية في أفغانستان

رابح فيلالي خلال مهمة صحافية في أفغانستان

على مائدة زميلي المصور الأميركي من أصل هندي بابو كايالي في بيته الجميل في ولاية ميريلاند، سألتني إحدى الزميلات وقد التحقت حديثا بالقناة عن أهم المحطات التي لا تزال عالقة بذاكرتي في رحلاتي الطويلة لتغطية الأحداث في جهات مختلفة من العالم.

جعلني سؤالها الجميل أتوقف لأستعيد أشياء من الذاكرة التي لا تزال تحتفظ بكثير من المشاهد. فاستذكرت ذلك المشهد في مساء بارد في واشنطن وأنا أضع حقيبة سفري في نهاية رحلة عودة طويلة جدا بدأت من قندهار وصولا إلى كابل العاصمة في أفغانستان عبورا بإسلام آباد ودبي ونيويورك.

عدت في ذلك المساء إلى بيتي في "بورك" بولاية فرجينيا، أحمل في قلبي كثيرا من الشوق لطفلي البكر وأخيه الصغير. حينها لم أكن قد رزقت بابنتي بعد .

حقيبتي خالية من أية هدية للصغيرين. الرضيع لا يزال لا يعرف من الحياة سوى ذلك الركض الذي يحسن صناعته في جوانب البيت المختلفة. أما الإبن البكر وبعد فراغه من واجبات السلام والقبلة والحمد لله على السلامة والفرح بعودتي الى البيت لم يكن ليقدر على إخفاء قلق السؤال الملح في عينيه عن الهدية التي من المفترض ألا تخلو منها حقائب سفري في كل رحلة ذهاب وعودة إلى "بورك".

تحامل على نفسه لبعض الوقت لكنه لم يجد حيلة للصبر أكثر فأطلق صاروخه في وجهي: وأين هديتي يا أبت؟

لم يفاجئني السؤال فقد قضيت بعض الوقت في طريق العودة في محاولة لإيجاد مخرج لهذا الحرج الذي سيطالني قطعا بعد الفراغ من التعبير عن الشوق إلى صغيري والاطمئنان عن أخباره.

في داخلي أكثر من خيار واحد متاح كأن أقول مثلا إني انشغلت حتى اللحظات الأخيرة وموعد الطائرة لم يكن ليسمح لي بالبحث في أسواق كابل عن هدية لطفليي، قد تساهم في المغفرة لي عن غيابي المتكرر عن مناسبات عديدة وفي أماكن بعيدة لم يكن إدراك طفليي قادرا على استيعابها في تلك المرحلة من عمرهما الطري جدا.

هذا خيار لم أجد في قلبي له حماسة تذكر، لذلك استعنت بالحقيقة عارية واخترت أن أنحى بصغيري جانبا وأخذته ووضعته على ركبتي كما أفعل دوما عندما نكون بحاجة إلى تصفية أزمة دبلوماسية من هذا النوع المعقد جدا خاصة فيما يتعلق بمسائل التقصير في إحضار الهدايا الواجبة في نهاية الأسفار الطويلة.

قلت له: يا صغيري وأنا أعبر أفغانستان التقيت أطفالا صغارا مثلك كثيرين لم يكن لديهم ما يكفيهم من المال لسد حاجتهم إلى الخبز ولا إلى الملبس الكافي لتغطية أطرافهم من نقرات البرد الموغلة في الوجع. ولم يكن متاحا لهم في الحياة سوى الإنتظار طويلا في مسارات الحياة والصبر على قانون الطبيعة حتى يكبروا من لا شيء ويشتد عودهم وحينها سيكونون مطالبين بالنزول إلى أسواق كابل المفتوحة على العراء الواسع وصناعة أقدارهم بأنفسهم.

كنت بين خيارين، فإما أن أستقدم لك ولشقيقك بعض الهدايا أو أن أتقاسم مع أولئك الاطفال ما توفر في جيبي ومالت نفسي في حالة صفاء إلى الخيار الأول وهو أن أتقاسم معهم ما ملكت يدي في تلك اللحظات في تلك البراري البعيدة، لأن العودة إليها لن تكون آمنة ولا سهلة، أما أنا وأنت هنا فلدينا أكثر من حذاء وأكثر من معطف في خزائننا وكثير من الطعام على مائدة عشائنا.

إننا مكتفون فيما أولئك الأطفال لا يجدون الطريق إلى الحذاء ولا إلى الوجبة الواحدة في نهاية كل مساء كما أنهم لا يأكلون إلى حد الشبع إلا فيما ندر من المناسبات في أعمار طفولتهم .

نظر طفلي عميقا في الأرض التي ارتسمت عالما مختلفا في عينيه في تلك اللحظة وعانقني طويلا ولم يغادر صدري في ذلك المساء إلا وأنا أحمله إلى فراشه ليغوص في نوم عميق.

مضى زمن على ذلك المساء ولم يعد صغيري للحديث عن الهدية مجددا. وتقتضي ظروف المهنة أن أعود مجددا إلى كابل مرة أخرى .

في ذلك المساء وأنا أجهز أوراقي للسفر الجديد وقبل أن ينام صغيري فاجأني وهو يدخل علي غرفة مكتبي حاملا بعضا من قمصانه الصوفية ويقول لي يا أبت أرجوك أن تأخذ هذه القمصان معك إلى أولئك الأطفال الذين حدثتني عنهم في سفرك الأخير وأنت تعود من أفغانستان .

لم أكن أحلم بأجمل من هكذا استجابة من طفلي. للحظة اخترت أن أكون فيه كامل الصدق معه وأنا اعتذر عن تقصير مني في حقه بالتخلي عن حقه في إحضار الهدية من كابل، لكنه ذلك الصدق قادني إلى اكتشاف جمال روحه.

على مائدة الطعام التي أقامها زميلي الأميركي من أصل هندي احتفالا بموسم الأعياد غمرت عيني زميلتي الجديدة مسحة من الدمع وتطوعت بكلمات مني لأخفف من شاعرية المشهد وأقول تلك كانت واحدة من أجمل اللحظات التي تعلمت فيها من العالم أن الانسانية مفهوم شامل لا تعنيه الفواصل في الأمكنة والأزمنة ولا في المسافات ولا في فوارق الناس.

قلت لصغاري (الذين صاروا ثلاثة بعدما التحقت صغيرتي بالعائلة) وهم يأكلون، تذكروا دائما أن هناك أطفالا في كابل ومقديشو وبغداد وغروزني ونيروبي وجوبا والخرطوم ودارفور لا يجدون طعاما كافيا لسد رمقهم أناء الليل والنهار، فقليل من الطعام يكفينا للحياة وللفرح أيضا وقليل آخر من اللباس يغنينا عن لباس كثير نشتريه وننساه أحيانا في خزائننا، وبعض الأحذية يكفي لحماية أقدامنا من البرد ولا حاجة لنا بعشرات الأحذية التي نقتنيها.

تلك بعض من حكاياي لأطفالي على مائدة الطعام وعند ساعات الغروب والتهيؤ لمواعيد النوم في ليالي الشتاء الطويلة وفي تلك الصيفية الواسعة الاقمار.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG