Accessibility links

#الرجاء المغربي.. وما هو أبعد من كرة القدم


الجمهور المغربي يحتفل بفوز الرجاء على أتليتيكو مينيرو

الجمهور المغربي يحتفل بفوز الرجاء على أتليتيكو مينيرو

هناك في تلك الديار الطيبة في أقصى شمال إفريقيا، حوّل الأطفال كل قطعة خضراء إلى مساحة للعب كرة القدم.

ينامون عليها ويستيقظون عليها، ولأن كرة القدم هي لعبة الفقراء المتاحة في كل الظروف وفي كل مكان لا يحتاج أبناء الفقراء، وما أكثرهم هناك، إلى أكثر من قارورة أو قطع بلاستيكية مرمية على طرف الشارع للانطلاق في رحلة إبداع ومداعبة لسحر الكرة لا يتوقف إلا بغروب الشمس وانطلاق صيحات الأمهات من وراء أبواب البيوت المحصنة والشرفات بالعودة إلى البيت سريعا وإنجاز الواجبات المدرسية والنوم باكرا استعداد ليوم دراسي جديد في حياتهم.

وحتى عندما ينامون في نهاية المساء، المحظوظون منهم هم من ينامون وهم يتوسدون كرة من بلاستيك، وعندما تغيب هذه يستعين الأطفال في هذا الجزء من العالم بأحلام لعب الكرة في يوم ما وإصابة قدرة من الشهرة والمال والمجد والرفعة في المقام بين الأهالي.

هذه الصورة من تلك الطفولة البعيدة أستعيدها وأنا أتابع انتصار الرجاء المغربي في منافسة كأس العالم للأندية، وأرى تلك الفرحة الأسطورية تملأ عيون الأشقاء المغاربة داخل المغرب وفي كل مكان من العالم. ومن يستطيع أن يفعل ذلك غير سحرة الكرة؟


هذه الفرحة لا تصنعها إلا الكرة في حياة سكان المغاربة "نسبة إلى المغرب العربي" ووحدها الكرة تملك هذا السحر الجامح في هذه البقعة من الوطن العربي.

قبل أيام من هذه الفرحة المغربية.. كانت هناك فرحة أخرى ملأت ديارا مجاورة في الجزائر وكان الجزائريون هم المنتخب العربي الوحيد المتأهل إلى كأس العالم. وخرج الناس إلى الشوارع وصرخوا بإعلان انتمائهم إلى الأرض والمكان والانتصار، ومات بعض من شبابهم جراء الاندفاع غير المحسوب أو في حوادث طرق لم تكن هناك حاجة إلى وقوع مأساتها لتنغص فرحة لشباب وجيل محروم من الانتماء إلى الفرح في حياته ووحدها الكرة تعطيه هذا الفرح.

أعرف أن الكثير يتحسر على انشغال الناس بالكرة ولا يرى فيها أكثر من لعبة تأخد من الناس الانتباه إلى قضاياهم الأساسية، هذا واقع وهناك من يرغب في توظيفه لصرف المزيد من النظر إلى حقيقة الذي يحدث في حياتنا. لكن هناك سياقات صنعها التاريخ هنا.

الكرة ليست لعبة، هي قطعة أساسية في ذاكرة كل طفل وطفلة والأطفال الذين يكبرون إن لم يلعبوا الكرة في حياتهم، هم بالضرورة منخرطون في جماعات مناصرة فرق مدنهم الكروي، وبالتالي فالكرة حاضرة في قلب وذاكرة كل إنسان ولد أو عاش في هذا الجزء من العالم العربي.

ثم إن من سنن الحياة أن يفرح الناس ويحزنون. والفرح الذي يعم شعوبا كاملة هو فرح جدير بالتقدير وبالاحترام، والفرحة الكروية هناك ظاهرة اجتماعية.

فرح المغاربة كثيرا سابقا وهم المنتخب العربي الأول الذي يتأهل إلى الدور الثاني في كأس العالم، وفرح التونسيون كثيرا وهم المنتخب العربي الأكثر مشاركة في كأس العالم، وفرح المصريون جدا وهم المنتخب العربي الإفريقي الأكثر تتويجا بكأس إفريقيا في تاريخ العرب.. وفرح الجزائريون مرات قليلة في تاريخهم الكروي، فرحوا عندما فازوا على فرنسا في ألعاب البحر الأبيض المتوسط عام 75 من القرن الماضي، وكانت مواجهة الكرة الأولى في تاريخ الدولة المستقلة مع المستعمر السابق، وكانت مساحة الملعب مساحة لمعركة تشبه معركة تقرير المصير في حياة أمة، حتى لو كانت الحقيقة في ذلك هي مباراة كرة قدم، وفرحوا لاحقا عندما فازوا على ألمانيا في مونديال إسبانيا عالم 82.

وبعيدا عن هذه الذاكرة البعيدة.. عود إلى اللحظة القائمة. الرجاء المغربي، عفوا العربي والإفريقي وحتى العالمي، يقطع الطريق على كبار أندية العالم ويعيد صناعة المشهد العربي في لحظات من الإبداع والإمتاع الكروي.

ننهزم عادة في كل المنافسات فقط لأننا مسكونون بعقدة الخوف التي تلازمنا.. نعتقد في أنفسنا أننا أقل موهبة من غيرنا وأننا أقل قدرة على صناعة التفوق من غيرنا ونسلم بأقدارنا الأكيدة حتى قبل المحاولة، وكأننا فقط لنفشل وننهزم في كل مناسبة.

ما قاله لنا الرجاء بلاعبيه وأنصاره إننا قادرون على صناعة المستحيل عندما نؤمن بقدرتنا العميقة والدفينة.. إننا لا نقل شأنا عن كل الآخرين وتلك إرادة الله في خلقه، فالناس جميعا سواسية في نعمتي العقل والعافية والاختلاف الوحيد هو كيف يصرف الناس هذه النعم في حياتهم.

ما فعله الرجاء هو أنه أعطانا زخما من الأوكسجين يسمح لنا بإعادة التصالح مع ذواتنا للانطلاق إلى حياة أفضل.

هناك الملايين من الشباب المغاربة والعرب كانوا يقفزون فرحا وإيمانا بقدرتهم على تجاوز العقبات المستحيلة لأن إنتصارنا كان ممكنا، وأصبح حقيقة وبات أمرا واقعا أن يلعب مجموعة من الشباب المغاربة العرب في أكبر حدث كروي عالمي وهي سابقة في تاريخ العرب وفي تاريخهم الرياضي.

سابقة تحدث بأقدام شباب مغاربة على قلة ما يملكون وما يتمنون في حياتهم المهنية، لكنهم فعلوها، وهذا دليل آخر على أن قوة الإنسان في يقينه وليس في وسائله، وهذا اليقين هو الذي نحتاج للإيمان به في حياتنا كأبناء لهذا الجزء من العالم.

ذلك اليقين الذي يحررنا من الخوف ويطلقنا في الحياة كأناس جديرين بالحياة الأفضل وقادرين على صناعتها.

أقول هذا لأني أعرف أي سحر تعنيه الكرة لأبناء شمال إفريقيا.. هناك في ذلك الجزء من العالم ولدت أساطير كروية في الجزائر والمغرب وتونس ملأت أسماع الأوطان والعالم من حولها.

هناك ولدت موهبة زين الدين زيدان الأسطورة الفرنسية رياضيا، والجزائرية قلبا.. الموهبة التي هزت مشاعر العالم بلمساتها وإبهارها الكروي النادر الحدوث، وقبل زيدان مر التيمومي والزاكي في المغرب وقبل هؤلاء جميعهم طارق دياب والتيمومي في تونس وأجيال كاملة من تاريخ اللعبة هناك.

في هذا الجزء من العالم أيضا تنجح الكرة فيما تعجز عنه كل السياسات. تنجح وهي تحيي الإحساس بقوة الانتماء إلى الأرض والمكان بين الأجيال الجديدة، لأن ذلك الانتماء هو الذي يمنعها من قطع البحر المتوسط في اتجاه الضفة الأخرى حلما بالمستقبل الأفضل والموت غرقا بين أمواج البحر ليلا في رحلة لا تكتمل في غالب الأحيان.

تنجح الكرة في أن تقول لهذه الأجيال من أبناء المغاربة إنكم قادرون على صناعة أنفسكم والنجاح بأدواتكم البسيطة في مدنكم الدافئة بمشاعر الأهالي وليس في عرض أمواج بحر ومشاريع هجرة غير شرعية آكلة للحوم البشر.

لهذه الأسباب وغيرها كثير جدا.. يكبر صنيع الرجاء المغربي ويتجاوز حدود كرة قدم والعادة في انتصارات وهزائم لعبة كرة قدم.
  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG