Accessibility links

logo-print

في كابول.. الحياة امرأة


 مسعودة جلال مرشحة الرئاسة في انتخابات عام 2004 في أفغانستان خلال جولة انتخابية-أرشيف

مسعودة جلال مرشحة الرئاسة في انتخابات عام 2004 في أفغانستان خلال جولة انتخابية-أرشيف

عندما هدأت العاصفة في ذلك المساء من النواح في أطراف كابول، قالت لي على الطرف الآخر من الهاتف "نحن في انتظارك في بيتي بعد ساعة من الآن، أعرافنا تقضي بإكرام الضيف لذلك ستكون أنت وصحبك ضيوفا لنا على مائدة العشاء، أعتذر إن أخد مني الأمر كثيرا من الوقت لأجيب طلبك في اللقاء والحديث".

شكرت للمتحدثة كرم المحبة وأصالة الضيافة فيها، لكني أعدت التأكيد على أن هدفي الأساسي من اللقاء ليس هو العشاء بالقدر الذي هو الاستماع إليها لأطول وقت ممكن ومعرفة أفكارها وأحلامها في وطنها وأبناء بلدها.

مسعودة جلال، إمرأة أفغانية خرجت إلى سماء كابول من رماد بلد لا يعرف الطريق إلى راحته إلا في ما ندر من فترات التاريخ الطويلة.

طبيبة، عارفة بشؤون الأفغان من داخل أجسادهم ونفوسهم، بخمارها الأبيض خرجت إلى المدينة معلنة عن كسر قواعد التاريخ والعادة في البلاد. وقالت بصوت جهوري مملوء بالأمل والحياة إنها الآن جاهزة لخوض العراك السياسي في أفغانستان على شراسة المعركة هناك.

صوتها العالي والمتحدي للصمت وللتقليد القائم في المكان، كان صوتا لافتا وأكثر من ذلك فإن المرأة لا تهادن ولا تسامح في مساحة طموحها ورغبتها الدفينة والمعلنة في صناعة التغيير في بلاد غلب في كامل تاريخها حضور الرجال وفي غياب كامل للنساء.

لم تنتظر المرأة كثيرا لتقول لي وأنا أحدثها على انفراد في يقين، إنها تعرف حجم الصدمة في الذي يحدث معها الآن وفي الذي أراه أنا، ذلك الغريب القادم إلى كابول من وراء تلك المسافات البعيدة.

في الطريق إلى بيت المرأة التي تصنع أحاديث المجالس في كابول، كان الضوء يغيب تماما عن النظر وبعض البقاع من المدينة تتعامل مع الإسمنت في خجل وحيرة فيما ارتفعت الأنوار من حول القصر الرئاسي لتغطي مساحات واسعة من الأحياء المجاورة بصورة تعطيك الانطباع أن هذه المساحة الضيقة من المدينة هي الوحيدة التي تقيم صلة بالعالم الخارجي في ما وراء كابول.

كالعادة وكما هو الحال دوما في كابول، لا يخلو أي تنقل في أجزاء المدينة من التحذير والمخاوف والهواجس الأمنية المتراكمة في قلوب القادمين إليها والمقيمين فيها.

حرصت السيدة مسعودة على أن تحضر مائدة العشاء بنفسها وأن يأخد الاهتمام بضيافتي المركز في التزاماتها في ذلك المساء حتى لو كان انشغالها موزع في مناطق عدة بين واجباتها البيتية كزوجة وأم، ومهنتها في مكتبها وإدارتها لحملتها الانتخابية ومواجهة الواقع القائم حولها والمعادي باختياره لكل صبغة أنوثة في الحياة العامة فما بالك بالممارسة السياسية والأمر أشد وقعا في نفوس الأفغان أن تفكر وتعمل هذه المرأة لأجل الوصول إلى منصب قيادي في البلاد. هناك الصورة ستكون أكثر تعقيدا وأصعب للهضم في أفغانستان التي خلفتها من ورائها سنوات الحروب المتلاصفة و إمارات طالبان المبعثرة في تاريخ البلاد.

لم أنتظر طويلا لأقول لمضيفتي الكريمة، كيف يمكن لك الحياة والانتقال بين هذه التناقضات التي تحيط بك في كل لحظة من حياتك في كابول؟

في المرأة ذكاء فطري عميق ومعلن. ابتسمت في حياء وقالت لي: "توقعت سؤالك هذا لأني أسمعه من كل الإعلاميين الأجانب القادمين إلى كابول. وأنا أدرك انفتاح المرأة لمزيد من أسئلة القلق بداخلي".

فتحت نافدة أخرى لسؤال أكثر جرأة: "مالذي يغريك في تجربة سياسية مفتوحة على جميع المخاطر في حياتك وأنت إمراة فيما يبدو لا ينقصك النجاح المهني ولا المقام الاجتماعي ولا وسائل الحياة التي تحقق لك الراحة في حياتك وفي حياة أطفالك؟"

في أدب ظاهر، استأذنت المرأة في الجلوس واستوت في مقعدها ورمت إلي بقدائفها الهادئة وهي تقول "لابد من أن يرتفع صوت ما هنا في المدينة ليقول للرجال الذي قرروا اغتيال صوت النساء أن هذا لن يعمر بعد الحين. أعرف أن الثمن قد يكون غاليا جدا، ولكن الحياة خيارات وأنا اخترت أن أواجه هذا القدر".

"كانت النساء يأتين إلى عيادتي بأطفالهن وأزواجهن أحيانا وكثيرات منهن يحملن بصمات الموهبة الظاهرة في أصابعهن ويحلمن أحلاما لا يمكن لعقول الرجال إدراكها. لكنهن مقيدات في المكان ومحاصرات بتقاليد لا تمت بصلة لحقيقة أفغانستان في تاريخها الطويل ولا لحقيقة الدين الذي يؤمن به الأفغان في حياتهم".

لم أكن أريد أن أخيب تلك الدعوات التي تقول لي بها النساء وهن يخضن أملا جديدا في حياة أطفالهم وطفلاتهن، وكثيرات تقلن لي في صوت مملوء باليقين إننا لا نريد أن يتكرر هذا الواقع في حياة بناتنا الصغيرات مستقبلا.

الثورة ناعمة في كلمات المرأة التي لا يفارقها خمارها الأبيض المنسدل بعناية على كتفيها وينزل طويلا على ظهرها. تكرر على مسامعي أنها تعرف حجم ونوع المعركة التي اختارتها، إنها لعبة المستحيل في مساحة مغلقة وحجم الأمل فيها يكاد ينعدم بالكامل، لكنها تؤكد لي في هدوء ويقين أنه لابد من المحاولة و أنها اختارت أن تحاول.

من وراء جدار صالون بيتها، كان أطفالها يمرحون بأصوات مسموعة لتعطيني هي من جانبها إشارة سريعة بأن هؤلاء الأطفال هم روح الحاضر وربيع المستقبل في أفغانستان.
"نريد لهم أن يكونوا كما هم كافة أطفال العالم، يمرحون بلا خوف يطمحون من دون حساب الجنس أو النوع أو اللون".

"هذه هي أفغانستان التي أحلم بها والتي اخترت أن أخرج إلى الناس لأواجه قدري لأجلها".

استذكرت المرأة كثيرا من صور التغييب للنساء الأفغانيات من مشاهد الحياة عامة في صورة غابت معها المرأة عن المشهد العام في البلاد، حتى وهي صانعة الحياة بل إنها العلامة الوحيدة الباقية للحياة في كامل ربوع أفغانستان.

بين أطباق الأرز والحساء الأفغاني والمشويات التي لا تقبل المنافسة كما هي التقاليد في أعراف الأفغان، أصرّت المرأة أن تسمعني حكايات أولئك النساء وما تبحن به من قصص وآمال مكبوتة في صدورهن عن أفغانستان، فيما وراء الجدران المتهاوية في بيوت أخذت طوبها ورجالها سلسلة الحروب الطويلة التي قطعتها البلاد.

غادرت بيت السيدة مسعودة وبداخلي كم آخر من الأسئلة يتعلق بكم الجرأة الذي يسكن قلب هذه المرأة وأنا أدرك أن الموت هنا يحصد الرجال والنساء والأطفال في كل مكان وزمان وأن أعداء الحياة كثيرون ويقيمون في كل زاوية من المدينة.

عندما تسللتُ إلى مدخل الفندق، في الصالة الكبيرة من جناح الاستقبال كانت صورة "للا مسعودة" تقيم هناك في ابتسامة هادئة وخجولة وبسترة زرقاء وبخمارها المنتشر على كتفيها. هناك فقط زاد يقيني أن المرأة أحدثث الفارق الذي تطمح إليه.

هناك من الأفغان من يجد في خطوتها مؤشرا على تاريخ جديد يبدأ في حياة الأفغانيات وفي ذلك الزهو الذي رأيته في عيون عاملات المطبخ وهن ينظرن إلى صورتها ما يغنيني عن سؤال تفاصيل المعنى في المشهد.

في مساء آخر، كانت كابول تفرغ صناديقها. وفي المركز الانتخابي في قلب كابول تنتشر قوات "الناتو" لتأمين المكان، وفي القاعة المجاورة جمع من النساء يصر على الحضور بينهن وقفت صاحبة الخمار الأبيض الطويل تحدق في الحاضرين ترقبا لساعة الحقيقة. طالت عملية الحساب وعند ساعة مبكرة من صباح اليوم الموالي أدركت مسعودة ونصيراتها من الأفغانيات أن النجاح لم يكن معهن في هذه المعركة الحامية الوطيس في القناعات. كانت الدمعة تملأ عينيها وعيون كل النساء اللواتي كلفنها بمسؤولية تحقيق أحلامهن.

اقتربتُ من المرأة وسألتها "هل تشعرين بالتعب وحرقة الخذلان؟" ابتسمتْ في هدوء وقالت إن الخذلان الوحيد الذي كانت ستشعر به هو أنها لم تحاول، أما وأنها قد حاولت ووضعت صوت الأفغانيات على الطاولة وجعلت منه الصوت الثورة وليس الصوت العورة، فإنها ستعود الآن إلى بيتها و إلى أمومتها وغدا إلى عيادتها الطبية وسط كابول وكلها يقين أن لحظة من التاريخ قد حدثت في حياة المرأة الأفغانية وأن الآتي سيكون قطعا أجمل وأفضل.

وهذا شريط فيديو عن أول انتخابات رئاسية في أفغانستان:

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG