Accessibility links

عن جنوب السودان.. أتحدث مرة أخرى


الزميل رابح فيلالي في جنوب السودان

الزميل رابح فيلالي في جنوب السودان

قراءة التاريخ مسألة في غاية الأهمية والروعة لكن الأروع منها بكل تأكيد هي الشهادة على هذا التاريخ.

هكذا كان أساتذتي في طفولتي الباكرة يحدثوننا ويشجعوننا على ضرورة الاستماع إلى شهادات الآباء والأجداد الذين خاضوا حرب التحرير الطويلة في بلادي الجزائر لأجل الحصول على استقلالهم.

وكان أولئك الرواة يشددون في كل مناسبة على أن ذلك الجيل من الشهداء والذي تجاوز عدده المليون ونصف المليون من الرجال والنساء والأطفال هم الذين عبدوا الطريق إلى الحرية.

هذا المعنى بالتحديد ملأ علي تفكيري في ذلك المساء في جوبا وأنا أخطو خطوي الخجول إلى داخل بيت من قش وطين قيل لي أن المقيم بداخله هو الفنان الموسيقي الجنوبي الذي قام بتلحين السلام الوطني لدولة جنوب السودان المنتظرة الإعلان حينها الفنان والموسيقي "جوزيف أبوك".

على بساطة البيت وأهله كان المكان كما هي العادة دوما في بيوت السودانيين عامرا بالمحبة والكلمات الطيبة، بل إن اللحظة كانت مدهشة في حجم الجهد الذي بذلته حرم الرجل المضيف لي ولفريق التصوير المرافق لي من أديس أبابا إلى جوبا لإجراء هذه المقابلة.

ذلك الجهد كان لافتا من حيث قلة ما في اليد وكثرة ما كان مقدما على طاولة الضيافة حيث لم تكتف السيدة بما توفر في بيتها من طعام وشراب، بل طلبت المساعدة من كافة أفراد عائلتها في المدينة للحضور ومساعدتها على القيام بواجب الضيافة للفريق التلفزيوني القادم من وراء قارات بعيدة.

كان الرجل في تلك اللحظات يفرغ لتوه من إطلاق السلام الوطني للدولة المرتقبة والتي يفصل بينها وبين فرحة مواطنيها إجراء الاستفتاء وإعلان الانفصال عن الأشقاء الغرماء في الشمال بصورة رسمية.

خارج ذلك البيت الطوبى كانت الأفراح قائمة في كل زاوية من المدينة وفي كل بيت وفي كل طرف شارع، لأن العادة هنا أن يجلس الجنوبيون على الأرصفة ويتناولون كؤوس الشاي كما يتناولون في خضم ذلك مسائل الشأن العام والخاص ذي الصلة بيوميات حياتهم، في مزج جميل لافت بين الجد والهزل في أحاديثهم، فحتى الحرب لم تسلم من السخرية من أهوالها في جلساتهم تلك.

الدمع يغمر عينيه وكلماته تتقطع وهو يقول لي إن تلك الرحلة كانت كالحلم تماما في حياته عندما أطلقت قيادات الحركة الشعبية لتحرير السودان وأعضاء حكومة الجنوب المؤقتة التي أنشأها اتفاق السلام مع الشمال لمرحلة انتقالية تمتد لخمس سنوات ليقرر الجنوبيون مصيرهم بعد ذلك.

عندما كان الجنوب ينشغل بحملات الدعاية لاستقلال الجنوب وتحقيق حلم الدولة كان جوزيف وآخرون يحتفلون بوقوع الاختيار على مجموعتهم الشعرية التي ستغني وتحول على يديه إلى المعزوف الوطني لدولة جنوب السودان والذي سيطلق في سماء جوبا وبقية المحافظات الجنوبية في أعقاب إعلان نتائج الاستفتاء مباشرة .

على الطاولة كانت هناك 10 نصوص مختارة بدقة متناهية وعلى الطاولة أيضا كانت هناك 10 ألحان مقترحة للفصل فيما بينها وحسم الاختيار لصالح واحدة منها، احتاج الأمر ليال طويلة من العمل والتدريب والاجتهاد في هذا البيت الطوبى وزوجة الرجل تطعم زوجها والضيوف الدائمين من مطلع خيوط شمس المغيب إلى إشراق خيوط الشمس الأولى إلى أن جاءت البشرة التي أطلقتها قيادة الحركة بإعلانها اختيار لحن الموسيقي الجنوبي لحنا لوطنه الحلم.

"يا إلهي... نحمدك ونمجدك ونشكر فضلك على جنوب السودان.. وطن الخير الوفير.. وحدنا في سلام ووئام.. يا وطن الجدود.. نرفع راية مزينة بالنجم الدليل.. نتغنى بأناشيد الحرية والسرور.. ابتهاجا بالعدالة والحرية والازدهار وإلى أبد الدهر.. بنى وطني فلنقف في صمت واحترام لشهدائنا الذين ضحوا بدمائهم من أجل هذا الشعب والوطن ونتعهد بحماية أمتنا.. يحيا جنوب السودان".

في تلك اللحظة تزاحمت الأسئلة في تفكيري عن سر ذلك البريق الذي يسكن عيون الرجل وزوجته التي تشاركه اللحظة هذه وشريكته في تلك المسافة الهائلة التي قطعاها معا وملايين الجنوبيين الآخرين وصولا إلى لحظة الحديث عن سلام وطني جديد للدولة الجديدة بدلا من أغنيات الحرب للحركة الشعبية.

كبيرة هي الأحلام في عيون الرجل ذلك وكبيرة هي تلك الدموع الذي هربت منه في تلك اللحظة وأنا أساله عن أطفاله وهو يقول لي إن واحدة من أثمان الحرب الباهظة في الجنوب أن يضطر الجنوبيون لإرسال أبنائهم إلى دولة أوغندا المجاورة لتعليم أبنائهم حتى لو كان ذلك يكلفهم دفع أغلى ما يملكون والوضع سيكون أسوا بكثير خاصة بالنسبة لأولئك الذين لا يملكون بعض الأقارب في الدولة الجارة أو الذين اختاروا البقاء في الجنوب وتحمل المرارة مرتين، الأولى باضطرارهم لإرسال أطفالهم في أعمار باكرة إلى وطن جار وبعيد والأخرى أن يدفعوا أفضل ما يجمعون من مال لأجل تعليم أطفالهم، وفي كلا الحالتين فإن الثمن الذي تدفعه العائلات الجنوبية لأجل مستقبل أفضل لأطفالها غال ومكلف جدا.

لكن هذه الآلام على أوجاعها المتعددة يراها الرجل عابرة في حياته وأهله كما يراها الجنوبيون الآخرون مؤقته طالما أن الفرح قادم وأن إعلان الدولة باتوا يرونه الآن أقرب إليهم من أي وقت مضى.

تكملة الحلم في كلمات الرجل تقول إن الأطفال سوف يتألمون لكنهم سيكبرون قطعا وعندما يعودون قريبا سيكون لديهم وطن حرره رجال محاربون وكتب شعراؤه أجمل اناشيده وغناه والدهم بمعية فنانين جنوبيين آخرين ليقدموا لأطفال الجنوب الهوية الجديدة في حياتهم وانتماء وسلاما ومن بعد ذلك ستكون لديهم مدارس سوف يتعلمون فيها وسوف تكون لديهم مصحات تحميهم من الألم وتقيهم شر الأمراض وسينعمون بالركض طويلا في الأراض الشاسعة في الجنوب بمعية آبائهم وأمهاتهم، ولن يحتاجوا من بعد إعلان دولتهم الفتية إلى الهجرة والذهاب إلى الأوطان البعيدة سؤالا لفرصة التعليم ولن يضطر حينها الآباء والأمهات إلى شطف العيش حتى يستطيعون توفير ما يستطيعون وما لا يستطيعون حتى يتمكنوا من دفع تكاليف تعليم أطفالهم لدى الجيران في أوغندا.

كل هذه الأحلام التي أنقلها على لسان هذه العائلة الفنية الجنوبية وأصدقائها الحاضرين إلى هذا العشاء المقام تكريما لفريقنا التلفزيوني كان يحدث من حول أضواء شموع وزعت في زوايا فناء البيت المتباعدة. ليست رومانسية من أصحابه لكنها الضرورة فإلى غاية اللحظة لايزال الجنوبيون في هذا الجزء من العالم لا يملكون قنوات للتزود بالمياه، فالمياه لاتزال تحمل إلى بيتوهم على ظهور الحمير ولمن يملكون بعض المال عليهم أن ينتظروا قدوم الشاحنات التي تبيع المياه الصالحة للشرب مقابل بعض المال، فيما تعيش أغلب أجزاء المدينة بلا كهرباء حتى هذه اللحظة من تاريخ الجنوب.

ما يراه الناس في الكثير من أجزاء العالم تحصيل حاصل في حياتهم فهو هنا في الجنوب لايزال في عداد الأحلام التي لايزال الجنوبيون ينتظرون قدوم الاستقلال ليأتي بها إلى حياتهم وتلك واحدة من صور الآلام التي تصيب قلبي في كل زيارة إلى جوبا و ما جاورها من مدن جنوب السودان.

استعدت لحظة التاريخ هذه في حياة أبناء جنوب السودان وفي حياتي المهنية كمراسل صحفي اختار مناطق الحروب مساحة لنشاطه المهني، وأنا أتابع أخبار الحرب الأهلية في جنوب السودان بين رجال كان شركاء في قطعة الخبز الواحدة وفي الاحلام الكبيرة وفي التضحيات الأسطورية لإقناع العالم بعدالة مطلبهم في الحرية والتحرر من العلاقة الأبدية مع الشركاء والغرماء في الشمال وفعلوا ذللك باقتدار أبهر أجزاء كثيرة من العالم ولكنهم فشلوا في إقامة علاقة من التعايش والحياة في سلام مباشرة بعد نجاحهم في إعلان دولتهم المستقلة التي أقاموا أفراحا اسطورية عمت القارة الأفريقية بكاملها لأنهم باحتفالهم ذلك كانوا يعلنون للعالم ميلاد الدولة الأحدث في القارة السمراء وكانوا يخطون حلما انتظرته أفريقيا طويلا على امل ان تكون الدولة الجديدة في قلب القارة نموذجا سعى الى تحقيقه على ارض الواقع الراحل الكبير القائد التاريخي لمرحلتي الحرب والاستقلال في جنوب السودان "جون قرنق "

كانت أفريقيا مجتمعة ترى في الرجل القيادي الحالم، الحامل لرؤية جديدة "السودان الجديد "، رؤية يجدون فيها المحرك الحقيقي للتاريخ في القارة السمراء، والدخول بها في مرحلة بناء الدولة التي تحترم التعدد، وترى في التنوع عنصر قوة لا عنصر تفرقة وهي العادة في أفريقيا دائما حيث التفرقة سببا لكل المآسي في تاريخ هذه القارة.

سقط جنوب السودان سريعا في اختبارات السلطة التي أعقبت الثورات الكبيرة الأحلام والاوطان الفتية الأعمار، ويبدو أن التاريخ دائما يعشق أن يكرر نفسه مع كل ثورة حيث يجد الطريق سهلا وسريعا دائما للتحول إلى مجموعة استقلالات سريعة .

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

Facebook Forum

XS
SM
MD
LG