Accessibility links

logo-print

أزمات جنوب السودان.. محاولة للفهم


مقابلة صحافية لفيلالي في جوبا

مقابلة صحافية لفيلالي في جوبا

رن الهاتف كثيرا ولمرات عديدة قبل أن يتكرم نائب رئيس جنوب السودان حينها ريك مشار على طلبي بإجراء مقابلة سريعة في جوبا.

لم يكن الرجل متاحا بالوقت الكافي خاصة وأنه كان في تلك الأيام يدير حملة انتخابية ساخنة للترويج لفكرة الانفصال عن الشمال في استفتاء تقرير المصير الذي كان ينظم في جنوب السودان في ذلك الشتاء من عام 2011.

مشار الذي اعتذر لأكثر من مرة واحدة عن طلبي بالمقابلة بسبب ضيق الوقت لم يجد مخرجا هذه المرة سوى الموافقة على إجراء لقاء سريع في مطار جوبا لأنه سيصل العاصمة الجنوبية لوقت قصير قبل أن يستأنف برنامج رحلاته الماراثونية في بقية ولايات الجنوب.

الوقت في تلك الساعات دقيق جدا، والجنوبيون اختاروا قدرهم وهم الذين قضوا العمر كاملا انتظارا لهذه اللحظة التاريخية التي هرموا لأجلها أجيالا وأجيالا، ولم يعد يفصلهم عن هذا التاريخ سوى اعتراف الأمم المتحدة وطرفي النزاع في الشمال والجنوب بخيار الجنوبيين بالانفصال عن الشمال، وإعلان دولتهم المستقلة في الجنوب بعد نصف قرن كامل من الصراع والحروب المتجددة مع الشماليين.

عندما قابلت مشار هذه المرة، كانت هناك أشياء كثيرة جدا قد تغيرت في جنوب السودان، ومن أبرز علاماتها ذلك الجيل من الصف الثاني في قيادة الحركة الشعبية لتحرير السودان الذي لم يكن ليظهر في مقدمة المشهد في حياة الزعيم التاريخي للحركة جون قرنق ورفاقه الذين صنعوا تاريخ الحرب والسلم في الجنوب.

مشار وجد نفسه في مقدمة المشهد كقائد جديد فرضته خبرته العسكرية الميدانية القتالية وتوازنات القبائل في الجنوب، وحرص الأطراف المعنية على تنوع المشهد السياسي في البلاد بناء على التوزيع القلبي ومراكز النفوذ والقوة بين القبائل النافذة في الجنوب.

كير الذي خلف الراحل جون قرنق، كان رجل المرحلة بكل متطلباتها والآن الرجل هو من يقود جنوب السودان إلى الاستقلال بكل الاختلافات التي تزخر بها المرحلة الجديدة من تاريخ الجنوب.

غاب ظل قرنق عن المشهد الجنوبي والسوداني والافريقي عامة، لكن الرجل الذي بغيابه تغير التاريخ بالكامل في قصة جنوب السودان لايزال بروحه يشكل المرجعية المشتركة بين كافة أهل الجنوب وهم يبحثون عن أرضية اتفاق بينهم لبناء دولة في حجم أحلامهم تلك التي حملوها على أكتافهم طيلة السنوات التي قضوها في الحرب أو في اللجوء إلى دول الجوار بحثا عن مناطق أمان لتربية وتعليم أطفالهم.

كان يبدو لي للوهلة الأولى وأنا أرتشف كأس الشاي مع مشار أن الرجل يملك طموحا أكبر بكثير من موقعه الحالي كنائب الرئيس، وأن الرجل في كلمته عن الدولة المستقبلية كان يرمي إلى طموح بعيد جدا، وهو لا يقف كثيرا عند موقع الصف الثاني.

من الصعب وجنوب السودان في تلك المرحلة من تاريخه مشغول بفكرة الانفصال عن الشمال وإعلان أحدث دولة في العالم في هذه المساحة الجغرافية الواسعة أن نتحدث عن أزمة خفية في الطموح بين كير ومشار. فالأول يصر دوما على الظهور بقبعته السوداء، فيما يصر الثاني في المقابل على تقديم نفسه بأنه رجل الطاقة المتحركة القادر على الوصول إلى كافة أطراف الجنوب و أكثر من ذلك القادر على التواصل مع الأجيال الجديدة من الجنوبين الحالمة بالواقع الأفضل في ربوع دولة الجنوب .

أعرف جيدا ذلك المنطق الذي تحتكم اليه الثورات في كل تاريخها حيث هناك إصرار أزلي ممن صنعوا النجاحات على أن يظلوا في صدارة المشهد، ولذلك سوف يتكرر التاريخ مرة أخرى هنا في الجنوب. العجلة لم تكن لحوار عميق بين كافة أركان المشروع الجديد في الجنوب بالقدر الذي كانت العجلة لأجل انتزاع المواقع الجديدة في الدولة الجديدة.

لم يكن الجنوبيون أسعد حظا من غيرهم في جهات أخرى من العالم عندما ظهرت تلك الممارسات الإفريقية التقليدية والسياسيون يحتكمون إلى منطق القبيلة والولاء لها عوضا عن الانتماء إلى منطق الدولة الفتية والولاء للمستقبل الأفضل لأطفالهم وأحفادهم ولكافة الجنوبين من وراء ذلك.

تراجع كثيرا ذلك البريق الذي ملأ عيون الجنوبيين وهم يقفون الساعات الطويلة ليتموا عملية التصويت لانفصالهم، والدولة المستقبلة تعثر في خطواتها الأولى وهي تحاول أن ترسم ملامح الدولة التي تحمي كافة الجنوبين وتحمي أحلامهم في التعليم وزراعة أراضيهم وترسيخ الأمان في كامل ربوع الدولة الفتية.

لم يختلف الأمر هنا في جوبا عما يحدث في كل العواصم الإفريقية المجاورة والبعيدة، حيث بدأت تقارير الأمم المتحدة تتحدث عن الفساد في أجهزة الدولة الفتية، والأخطر من كل ذلك عن أزمة سلطة بين الرئيس ونائبه وفي إشارة إلى أن الآتي سيكون أسوأ من كل توقعات الجنوبين.

في دولة فتية وحديثة كجنوب السودان حيث تشكل المساعدات الدولية المورد الرئيس للاقتصاد الذي يصنع لنفسه الخطوات الأولى بدا وضحا أن الفرص لا تتساوى بين أبناء الجنوب الواحد وأن الفرص باتت توزع على أسس قبلية.

إنها القبيلة مرة أخرى تصنع التاريخ والمصير في حياة الأفارقة، وبات الاستناد على قوة القبيلة هو وحده الوسيلة التي يمكن لها أن تصنع المصير إلا فصلا لأبناء مختلف القبائل في الجنوب.

تعثرت البدايات وتضاءلت الآمال في الجنوب إلى حد الضيق في العيش، وعاد مرة أخرى الجنوبيون إلى التفكير في مشاريع هجرة جديدة إلى أماكن اخرى من العالم التي تفتح أبوابها لهم أو إلى دول الجوار حيث تتوفر لأطفالهم على الأقل فرص التعليم والتدرج فيه حتى وان كانت الدفوعات المالية التي يرسلونها من الجنوب ترهق جيوبهم وتشوش على راحتهم. ومع ذلك فإنهم يصرون على أن يتعلم أطفالهم حتى وهم يكتفون بالقليل من الخبز الجاف والحساء على موائد عشائهم نهاية كل يوم .

ظهرت القبيلة بأقبح صورها في هذا الجنوب المملوء في تاريخه بالمآسي وأخبار الموت والنزاعات والحروب المتجددة، واختارت أطراف النزاع الحديث في الدولة الجديدة أن تنتصر للانتماء القبلي وتضاءل وهج فكرة الدولة في نفوس القيادات الحاكمة وفي نفوس العامة من الناس إلى الدرجة التي بات الوضع معها يبدو وكأننا بصدد مجموعة قبائل اختارت أن تجتمع تحت راية واحدة عوضا أن تشكل مجتمعة كيانا لدولة حديثة تشق طريقها لإثبات وجودها في محيطها الإفريقي المتحرك والدولي من حولها.

هكذا كان يبدو لي المشهد وأنا أتردد على جوبا من حين لآخر، وألتقي بعدد من أبنائها الموزعين عبر عدة مؤسسات حكومية وخاصة هنا في واشنطن، وأنا أسألهم عن رؤيتهم للأزمة السياسية في جنوب السودان.

يحاول هؤلاء وهم هنا في واشنطن أن يترفعوا ويرتفعوا عن مستوى الحديث عن القبيلة في آرائهم السياسية، ويفضلون أن يتحدثوا أكثر عن المخارج لهذه الأزمة.

ظلت قرون القبيلة ترتفع باستمرار في هذا الجنوب إلى أن تحولت في لحظة حاسمة إلى الحقيقة المعلنة ونائب الرئيس يختار التمرد عن الرئيس، ويتحصن بين أبناء قبيلته ويغرق الجنوب في موجة من الدم الداخلي هذه المرة. تحدث مشاهد أخرى كان العالم وهو يهب لمساعدة الجنوبيين يؤمن أنها لن تتكر في حياة الجنوبين وهي تلك المشاهد للموت الجماعي والقتل على أساس القبيلة والتشرد والجوع خاصة في ظل تلك الفوضى الهائلة التي تعم البلاد نتيجة انتشار السلاح ووصوله إلى كافة الأيادي وبسهولة تامة، ومعرفة الكثير من الناس بفنون القتال نتيجة الخبرات المتراكمة في سنوات الحروب ضد الشمال.

تكبر الأزمة في جوبا، ويتحول نائب الرئيس إلى قائد تمرد ويتمسك الرئيس بالشرعية الانتخابية والسياسية وتغرق البلاد في مسلسل للقتل والقتل المضاد لم يكن متوقعا، حتى في أسوأ السيناريوهات التي وضعت لمستقبل الدولة الفتية في جوبا.

فجأة ومرة أخرى يتحول الجنوب إلى مصدر قلق عالمي وتلك الصور للجثث المرمية على أطراف الشوارع والطرقات تأتي من الجنوب والعالم يتابعها على شاشات التلفزيون وتعود إلى الأذهان صورة إفريقيا تلك القارة التي تبدو شعوبها دائما عاجزة على حل خلافاتها الإثنية والسياسية من غير اللجوء إلى أسوأ الحلول والتي هي عادة التصفية العرقية والحديث بالرصاص بدلا من أي حوار يمكن له أن يؤسس لثقافة الاختلاف وليس الخلاف.

وأنا أجتهد في محاولة فهم الأزمة هناك في جوبا بين الشركاء الفرقاء، لم أجد أفضل من صديقتي المناضلة الجنوبية الشهيرة هنا في واشنطن " مارغريت دنغ " لأطلبها على الهاتف وهي المرأة التي تشكل مخزون أسرار لكثير من قيادات الجنوب في فترات الحرب الطويلة، لأسالها عن سر هذه الحرب المسعورة في الجنوب وأين كان الجنوبيون يخفون كل هذه الأحقاد وهم يحتفلون في شوارع العاصمة جوبا بإعلان دولتهم المستقلة.

هادئة مارغريت كما كانت دوما في فترات الحرب الطويلة وهي تستقبل في بيتها ندوات ومؤتمرات الحركة وتطبخ بيديها للعشرات من ضيوفها.

هادئة دائما حتى وهي تقول لي إنها القبيلة يا صديقي.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG