Accessibility links

logo-print

لا حب مستحيل في جنوب السودان


تيسير وزوجها يتوجان قصة حبهما بالزواج

تيسير وزوجها يتوجان قصة حبهما بالزواج

في تلك الحقبة من تاريخ السودان كان الجنوبيون والشماليون يقيمون في مكان سري بضواحي العاصمة الكينية نيروبي التي توسطت بين طرفي النزاع في جوبا والخرطوم أملا في التوصل إلى اتفاق سلام بين الجانبين، بعد صراع أخد من إعمار السودانيين ومن تاريخ القارة السمراء فترة تجاوزت نصف القرن من الزمن.

على عجل أخدت طائرتي من واشنطن عبر رحلة طويلة جدا باتجاه العاصمة نيروبي لمدة قاربت 20 ساعة في السماء لإدراك ما كان يبدو في لحظته أنه مستحيل الإدراك بحثا عن مكان سري تعقد فيه مفاوضات السلام بين فريق الزعيم الجنوبي جون قرنق من جانب الجنوب، ونائب الرئيس السوداني علي عثمان طه عن الجانب الشمالي.

وأنا أبحث عن أي خبر يمكن أن يقودني إلى العثور على خيط أمل للوصول إلى مكان انعقاد المفاوضات كان واجبا على أن أستعين بكل المنافذ في نيروبي. واحد منها تلك الأخبار التي انتهت إلى مسامعي وتقول إن الأمم المتحدة أسست محطة إذاعية في العاصمة الكينية بغية مساعدة السودانيين على معرفة أخبار السلام، بعد إعلان المفاوضات الرسمية في مرحلة لاحقة. كان هذا أول الخيط في طريق طويلة جدا لكني سأقف هنا أمام تلك القصة التي كانت في تلك اللحظة تحمل كافة معاني المستحيل.

على أمواج تلك المحطة الإذاعية في نيروبي، وفي ساعات الصباح الأولى كان هناك صوتان يأتيان للمستمع في تلك الساعات الباكرة من كل صباح، وكنت أحد هؤلاء في مقر إقامتي في قلب نيروبي صوت نسائي ناعم يتحدث لأهل السودان في الشمال بلغة عربية واضحة، وآخر رجالي جنوبي يتحدث إلى أبناء جلدته في الجنوب بلغة انجليزية سليمة ومنتقاة المعاني والحروف.

على عجلة من أمري، كما هو الحال دوما، أخدت قهوتي الأولى صباحا وقوفا وأنا ألح على صديقي المصور الكيني الطيب الذكر دوما "ايمانويل" أن يبحث معي في أرجاء نيروبي عن مقر هذه الإذاعة التي يعرفها أغلب السودانيين اللاجئين إلى نيروبي ويجهلها أغلب سكان العاصمة الكينية، فالحاجة دوما هي سيدة الطريق إلى المعرفة.

تيسير بابتسامتها الدائمة كانت أولى من رحب بي في قاعة اجتماعات الفريق الإذاعيوبروحها السودانية المرحة، قالت لي لو لا المفاوضات لما أتيتم أيها الصحافيون الأجانب إلى هذا الجزء المجهول من العالم بالنسبة إليكم.

تجاوزت عتابها الناعم وبدأت أسئلتي الكثيرة عن مفاوضات السلام ومكانها ومجراها، لكن تيسير فاجأتني وهي تقول لي إن كنت تبحث عن القصص الصحافية المميزة في تاريخ السودان، فلدي قصة جديرة بالاهتمام والمتابعة لتضيف أنها قصتها الشخصية.

عثرت على خيط آخر سيجعل من هذا المساء جميلا في عيني، وهي العادة دوما في حياة المراسلين الصحافيين، وقلت ما هي القصة؟

قالت هل يسمح وقتك بشرب كأس شاي في الغرفة المجاورة.

كان السودانيون قد علموني بما فيه الكفاية فنون إدمان وجبات الفول صباحا المصحوبة بكأس الشاي الأحمر الملكي.

قالت تيسير عن نفسها أنا امرأة شمالية مسلمة آمنت دوما بأن السلام هو الخيار الأمثل لإنهاء هذه الحرب الطويلة التي أكلت أعمار أهلنا في الشمال والجنوب. ولأني آمنت دوما أن السودان البلد العظيم الذي أراه هبة من الله وجمع بين أطرافه الموزعة في أنحاء افريقيامياه النيل، لا يمكن أن نسمح للسياسة وأصحابها أن يفرقوا بين أجزائه وبين أبنائه. لذلك غادرت الخرطوم وطلبت اللجوء هنا في نيروبي منذ سنوات عدة وبإرادتي الكاملة اخترت أن التحق بهذه المحطة الإذاعية التي أطلقتها الأمم المتحدة دعما لمشروع السلام بين الجنوب والشمال. وعندما التحقت بالعمل هنا، تعرفت على زميلي "دنغ دينكا" الذي يشاركني تنشيط البرنامج الصباحي والعمل في غرفة الأخبار مساء تعارفنا واقتربنا من بعض أكثر فأكثر. ومع مرور الأيام، وجدنا أنفسنا نتقاسم الكثير من الأفكار عن السلام والتعايش والشراكة في الماضي والحاضر والمستقبل.

هذه الشراكة العظيمة في الرؤية للسودان الوطن وللسوداني الإنسان وحدت بين قلبينا ووجدنا أنفسنا نتشارك ونتقاسم مشاعر عظيمة انتهت بنا أخيرا إلى الوقوع في الحب الذي هو بكل أعراف القبيلة والحرب القائمة مستحيل حدوثه لكنه وقع.

لم يكن الأمر مجرد قصة صحافية بالنسبة إلي. إنها حالة إنسانية عظيمة المعاني لشعب بحث كثيرا عن سلام مستحيل بين طرفيه الشمالي والجنوبي وأكثر من ذلك فإن الحربهذه تمكنت من بناء جبال من الأحقاد من الصعب على رجل وامرأة لا يملكان سوى مشاعر نبيلة ونوايا طيبة مواجهتها.

كعادة السودانيين في كرمهم الجاهز وبيوتهم المفتوحة على مدار الساعة، دعتني تيسير لزيارة بيتها ولقاء زوجها هناك، والاستماع إلى بقية قصتهما عن قرب.

اطل دنغ من وراء باب البيت الواقع في عمارة حديثة في الشطر الجنوبي من نيروبي مرحبا بنا، ومقبلا زوجته تيسير التي تعود أخيرا إلى البيت لتجد دنغ قد جهز الغداء وهو ينتظر عودتها.

في صالون تلك الشقة الصغيرة التي تسع أحلام تيسير ودنغ، جلست أستمع إلى تفاصيل قصة حب مستحيلة بالنظر إلى كل الظروف المحيطة بها.

يقول دنغ: "بسبب الحرب في الجنوب، عشت طفولة قاسية موزعا في المخيمات وفي بعض الحالات في العراء. درست في مداس كانت تقام تحت ظلال الأشجار في العراء وشاهدت الكثير من مشاهد الحرب في تلك الطفولة، إلى أن لجأت عائلتي إلى نيروبي حيث أكملت تعليمي في مراكز اللجوء، وقررت بعد تخرجي أن أتفرغ للدعوة إلى حياة أفضل لكافة أبناء الجنوب".

إيماني بالسلام كحل وحيد وضروري وعاجل للحرب في الجنوب هو ما شجعني على الالتحاق بهذه المحطة الإذاعية هنا في نيروبي، وأنا أفعل ذلك لم أكن أعرف أن هذا القدر سيقودني إلى أجمل قصة حب يمكن أن أعيشها في رحلة لعمر.

انتهى الحب لزواج ترفضه القبيلة في الشمال بالمطلق، ولا تقبل به حالة الحرب الأبدية في الجنوب والذاكرة الموشومة عند الجنوبين بكل ما هو سيء عند ما تأتي سيرة شمال السودان في مجالسهم.

لا أحد في الخرطوم من عائلة تيسير سعد بهذا الخبر، بل إن الكثير اعتقدوا أن الأمر كله مزحة عابرة ستنساها الفتاة بعد أن تصحو من سكرة الحب التي عادة ما تزلزل كيانات أصحابها. وفي المقابل لا أحد في الجنوب كان يؤمن أن دنغ يمكن أن يأخذ مصيره في هذا الاتجاه الذي سيضع مستقبله في الدولة المرتقبة وبين أفراد قبيلته على كف عفريت.

اتفق تيسير ودنغ على وضع كل الفوارق بينهما جانبا من دين وقبيلة وأعراف وتقاليد وعوائق المال والإمكانيات المحدودة، وجمعا ما في جيبهما وذهبا إلى مصالح الحكومة في نيروبي لتسجيل زواجهما. قالا في كلمة مشتركة لكل الحضور لحفل زفافهما من أصدقاء كينيين وجنوبيين وشماليين أن هذا الحب هو وحده الحل لحرب الشمال والجنوب وان السلام لا يمكن ان يتحقق بين شطري السودان من غير الانتصار لقيمة المحبة بين ابنائه ووضع كل الفوارق العرقية بين الناس والايمان بان جميع السودانيين واحد في ماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم.

ما أكثر الذي حدث من بعد ذلك في حياة الشريكين، لكن الاختيار كان أكبر من أن يتوقف، والمسار الذي اختاراه لنفسيهما حسمته تطورات السياسة من حولهما في تلك الضاحية السياحية من نيروبي والمفاوضون الشماليون والجنوبيون يعلنون بصفة رسمية للسودانيين في الشمال والجنوب ومن ورائهم لكافة الأفارقة والعالم مجتمعا أن السودان بصدد معايشة لحظة تاريخية من مساره، وهو يبحث جديا هذه المرة عن السلام لإنهاء أطول حرب في تاريخ قارة افريقيا.

في ذلك البيت الصغير من تلك الضاحية من نيروبي، كان الحب هو عنوانه على الرغم من بساطة تلك الأشياء التي تزينه وتصنع ديكوره، لكن الفكرة كانت أجمل من أن يخفيها ذلك التواضع المحيط بها من أأأسباب الحياة لأن الحياة تكبر بأصحابها عندما ينطلقون في اتجاه الأفكار العظيمة والمعاني السامية التي تحقق أفضل المعاني التي أرادها الله لخلقه.

دنغ وتيسر تمسكا بمشروعهما المشترك بتقديم أجمل قصة سلام يمكن أن تحدث في تاريخ السودان الجديد، وتماما كما توقعا ذهبا معا إلى حفل توقيع اتفاق السلام في ذلك الشتاء البارد من عام 2005 متشابكي الأيدي هي بثوبها السوداني الأزرق الأنيق وهو بثوبه الجنوبي الافريقي الزاهي والمزركش الألوان ليقولا لأبناء الشمال والجنوب أن الحب وحده يمكن أن ينتصر على أحقاد الحروب وفوارق القبيلة ويؤسس لمستقبل إنساني خال من الأحقاد ويتيح للأبناء والأحفاد أن يولدوا ويعيشوا في سلام.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG