Accessibility links

logo-print

جنوب السودان: نجاح الحرب وفشل السلام


الزميل رابح فيلالي يحاور قائد التمرد في جنوب السودان ريك مشار في جوبا

الزميل رابح فيلالي يحاور قائد التمرد في جنوب السودان ريك مشار في جوبا

كثيرا ما ألجأ إلى صديقي الدكتور هاشم الثني الذي أكرمتني الحياة بصداقته هنا في واشنطن وهو الناشط السياسي الحافل النشاط في الحزب الديموقراطي، لكنه ورغم ذلك فهو رجل دائم النشاط من خلال مؤسسته الخاصة التي حملها هموم وطنه الأم وأحلامه الكبيرة في السلام هناك لذلك اختار لها تسمية المعهد العالمي للسلام.

كثيرا ما ألجأ إلى هذا الصديق العزيز لأساله عن بعض الاستفهامات التي ترافق اهتمامي المتصل بالشأن السوداني وعلاقتي المباشرة بأهله الطيبين وأزماته السياسية وحروبه التي لا تنقطع.

سألت العزيز هاشم في بداية الحرب الجديدة في جنوب السودان عن سر هذا التحول الدراماتيكي في أوضاع الجنوب بفشل تجربة الدولة هناك في وقت قصير جدا لم يتسع حتى للفراغ من ترتيب شؤون الدولة الفتية في جوبا.

وكعادة هاشم الذي يجد طريقه إلى النكتة سريعا قال لي إنها "القبيلة يا صديقي".

القبيلة هذا هو مربط الفرس في هذه الحرب التي تهز جوانب من بلد ما كادت لترى النور حتى غرق أهلها في حرب أسوأ من تلك الحرب التي خاضوها ضد الأشقاء الغرماء في الشمال لمدة فاقت نصف قرن كامل.

واليوم، وعند محاولة قراءة الأزمة هناك سوف يتضح أن الأزمة الحقيقية تكمن في خضوع قائدي النزاع في الجنوب لسلطة القبيلتين المتنازعتين فالرئيس سيلفا كير الذي ينتمي إلى قبيلة الدينكا التي تعد الأكبر والأكثر وزنا في الجنوب تاريخيا واجتماعيا وهي صاحبة الحضور الطاغي في القرار السياسي في البلاد، بل إن تسريبات من محيط الرئيس تقول إن هذه القبيلة عادة ما تتجاوز سلطة القصر في جوبا وتفضل التعامل مع أبنائها في مختلف مراكز الدولة على أنهم أتباع للقبيلة قبل أن يكونوا موظفين لدى حكومة الجنوب لديهم التزاماتهم المهنية والأخلاقية أولا مع هذه الحكومة قبل انتهائهم القبلي، لكن الواقع يختلف تماما عن هذه الصورة التي كان يجب أن يكون عليها الولاء لأبناء الجنوب.

هذا الوضع في سلطة القبيلة ينسحب أيضا على القيادات العسكرية والأمنية للقوات الحكومية في جوبا حيث أن هؤلاء يتلقون الأوامر في إدارة المعركة مع الغرماء الجنوبيين من شيوخهم وليس من القيادة المركزية في جوبا.

الأمر لا يختلف تماما في الجهة المقابلة عند الزعيم المعارض ريك مشار ابن قبيلة النوير التي ترى في نفسها الأولى بالحكم في دولة الجنوب وحتى لو أعطيت لها نيابة الرئاسة وأبرز المناصب، إلا أن ذلك لا يكفي لأن الرواية التي يقول بها العرافون في القبيلة إن قائدا جديدا للجنوب سيولد من أبناء القبيلة وستكون واحدة من علاماته الخاصة وجود مفرقفي أسنانه الأمامية وهو ما يتصف به ريك مشار، ولزمن طويل حتى وهو يقف في الصف الثاني اعتقد الرجل ورجال قبيلته معه دائما أنه الأولى بالوجود في الصف الثاني حتى لو كان الاتفاق في الجنوب أن يكون هو نائبا للرئيس سيلفا كير، لكن ذلك لا يرضي إيمان هؤلاء الناس بصدق نبوءة العرافين.

تكثر الروايات من حول أسباب الحرب في الجنوب إلا أن الحقيقة هي هذه التي تصنع الموت في كل جانب من جوانب الدولة الفتية التي يبدو أنها سقطت سريعا في دوامة قتل وقتل مضاد تحاول إفريقيا جاهدة أن تتخلص من صوره النمطية لأنه وصمة عار بينة في تاريخها الدموي الطويل.

فالمشهد القادم من الجنوب لا يحمل سوى صور الموت في كل اتجاه، فالقتل على أساس قبلي وأحيانا على أساس عبثي يفتقد لأي معنى مما حول حياة الملايين من الجنوبين إلى جحيم متصل أيقظ فيهم كل المخاوف التي عاشوا عليها في سنوات الحرب الطويلة ضد الشمال وأيقظ بداخلهم كل الأسئلة القلقة عن جدوى إعلان الدولة في الجنوب والسعي لأجل الاستقلال الكامل حيث لا أحد وسط هذه الوديان من الدماء بمعزل عن الموت بصرف النظر عن القبيلة التي ينتمي إليها أو الوظيفة التي يؤديها حتى لو كانت ضمن قوات حفظ السلام الدولية العاملة في الجنوب، وحتى الديبلوماسيون المقيمون في جوبا لم تسلم سياراتهم من وابل رصاص المسلحين من بينها سيارات السفارة الأميركية في جوبا، الأمر الذي دفع بالرئيس باراك أوباما هنا في واشنطن إلى إعلان إرسال عشرات الجنود لحماية مقر السفارة وموظفيها هناك.

بات واضحا جراء هذا العنف الذي يملا البلاد يأس جميع الأطراف الساعية إلى حلحلة الأزمة في جوبا من إمكانية التوصل إلى حل بين طرفي النزاع وبات الجميع على يقين أن أي اتفاق يعلنه الطرفان سيتحول إلى دماء جديدة في شوارع العاصمة جوبا قبل أن يجف حبر أقلام التوقيع بين الرجلين الغريمين سيلفا كير وريك مشار، لذلك هناك من يقول من الديبلوماسيين الأفارقة والغربيين إن لقاء الزعيمين لن يحقق أي تقدم سلمي على الأرض لأنه وخلال لقاءات القائدين من وراء الأبواب المغلقة يستمر القتال بين الحرس الخاص لكليهما فيما يخرج القائدان لمواجهة الكاميرات والميكروفونات وأشلاء رجالهم مرمية على طرفي القصر الرئاسي.

إنها القبيلة يا صديقي

هذه الصورة تتعزز مرة أخرى عندما نعرف أن القبائل البعيدة عن العاصمة جوبا تصفي خلافاتها التاريخية ونزاعاتها القديمة وسط هذا الاضطراب لأن المنطق الذي يسود في الجنوب في المرحلة الحالية هو منطق السلاح لوحده، وبالتالي فإن الذين يملكون السلاح هم وحدهم من يملكون سلطة فرض رغباتهم والقصاص لقتلاهم وحماية مواشيهم وحدود مزارعهم.

مؤلمة الصورة هذه بكل تأكيد لكنه الواقع القائم في الجنوب حاليا، وسط يأس يكاد يكون جماعيا من قبل كافة الأطراف المعنية بضمان استقرار الدولية الفتية في الجنوب حيث حاولت واشنطن أكبر المانحين والداعمين للاستقرار في جوبا بما تملكه من وسائل، التحفيز والتحذير لطرفي النزاع ولكن جميع المحاولات التي قامت بها هناك مع شركائها في الاتحادين الإفريقي والأوروبي انتهت إلى نتائج غير مرجوةمرة وأخرى، وبات الحديث إلى فرقاء الأزمة في جوبا ممزوجا باليأس من ممكن تغيير الأوضاع القائمة على الأرض هناك.

إنها القبيلة يا صديقي

مرة أخرى يتأكد أن سلطة القبيلة في إفريقيا أكثر حضورا من سيادة الدولة على الشأن العام في هذه القبيلة التي يبدو أن شعوبها لم تتعلم بعد من تاريخها الطويل في النزاعات وفي واحدة منها نزاع جنوب السودان، الذي يعد بحسابات التاريخ النزاع الأسوأ والأطول عمرا في تاريخ القارة السمراء، ومع ذلك انتهى هو أيضا إلى نزاع يوصف في الوقت الحاضر على الأقل بأنه النزاع الأسوأ في هذه القارة ومرة أخرى من نقصد هنا هو جنوب السودان لكن بخلاف واحد هذه المرة أنه نزاع رفاق الأمس من حول غنائم السلطة اليوم.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

Facebook Forum

XS
SM
MD
LG