Accessibility links

كان الأمر في بدايته مثيرا للدهشة والغرابة والمخاوف جميعها والمجتمع الدولي يبادر إلى تنظيم أول انتخابات رئاسية تعددية في افغانستان.

تلك البلاد الذي تصنع تاريخها من سلسلة حروب متلاحقة ومن غير انقطاع ولا تكاد تحدث فترات من السلام في حياة أبنائها حتى تعود الحرب مجددا لتملأ حياتهم وتصنع صورتهم في جهات العالم المختلفة.

في ذلك الخريف المنتهي الذي كان يشرع الطريق واسعا أمام شتاء الأفغان الطويل والشديد البرودة كالعادة دوما كنت أقف على شرفة فندق المدينة الوحيد في أعلى تلال كابل المطلة على أرجاء المدينة الواسعة.

بدت لي ليلتها كابل امرأة راسخة القدمين وهي تتعامل مع واقعها الجديد وكأنها صامدة في وجه كل مراحل التاريخ حيث يتنافس الزعماء المتحاربون السابقون في الخنادق سواء ضد الغزاة القادمين إلى البلاد من وراء الحدود أو فيما بينهم لحسابات الزعامة أو السيطرة القبلية أو لتصادم مصالح النفوذ ومطامع السياسة.

هؤلاء المتحاربون السابقون وفي مشهد يكسر القاعدة في حياتهم هم الآن يملكون الشجاعة الكافية للجلوس على طاولة مقهى الفندق والحديث إلى بعضهم البعض من غير أصوات رشاشات ولا تهديد باستعمال السلاح.

سلاح الكلاشينكوف أداة الحوار الأفغاني التي من كثرة استخدامها في حياتهم اليومية باتت ملازمة للباسهم التقليدي، خاصة وأن هذا السلاح بالتحديد يثير في نفوسهم كثيرا من الفخر عندما يتذكرون طردهم للقوات الروسية ونجاحهم في تحرير بلادهممن سيطرة أمة صنعت الكلاشينكوف وكانت تملك حينذاك واحدا من أقوى وأكبر الجيوش في العالم.

عبرت هذه الخواطر تفكيري وأنا ألتقي بزعماء الحرب السابقين تباعا في نقاط مختلفة من البلاد تمتد من قندهار إلى العاصمة كابل وهم في تلك الرحلة الطويلة يتحدثون إلى مواطنيهم من الرجال والنساء وإلى الشباب واليافعين عن صورة جديدة لأفغانستانتقبل بالتعدد السياسي وتقيم حسابا للآخر من غير نية الإقصاء أو الإلغاء من المشهد السياسي.

كانت هذه الصورة في حد ذاتها نجاحا هائلا للعمل الدولي في أفغانستان خاصة وأن الكثيرين كانوا يعتقدون أن حدوث أمر كهذا مستحيل بكل المقاييس وسيكون أحد معجزات التاريخ في حال حدوثه خاصة وأن هناك مخاطر أخرى تحيط بالبلاد نتيجة تهديدات تنظيم القاعدة وحركة طالبان التي لا تنقطع أخبار تحركات عناصرها عن أسماع السكان المحليين وحتى عن أسماع سكان العاصمة كابل.

ومع ذلك كان يبدو المشهد ذاهبا إلى الأمام والأفغان مصرون على خوض هذه اللحظة التاريخية في حياتهم، وأكثر من ذلك يقولون لي في كل مناسبة أنهم متمسكون بحقهم في نقل بلادهم إلى مرحلة جديدة من التاريخ تقوم على قيم جديدة وتملك من خلالها أدوات الانخراط في منظومة القيم العالمية الحديثة القائمة على أسس الشراكة في الحكم والاعتراف بالآخر والقبول بالمنافسة السلمية الشريفة التي ترفض أشكال الرفض والإلغاء والإقصاء خاصة وأن البلاد تقوم على تنوع عرفي وطائفي وديني.

في ذلك الصباح كان سؤال الأمن في قلوب الجميع لكن سؤالا آخر لم يغب عن تفكير الجميع. إنه ذلك المتعلق بمدى استعداد الزعماء الأفغان لقبول خيار الناس سلميا ومن غير الالتفات لأصوات القبيلة والجهة وقوة السلاح المخزن في البيوت والموزع على الموالين والمؤيدين صمتا وعلنا في كل أنحاء البلاد.

انتهى اليوم الطويل على خير وبسلام ونجحت القوات الدولية العاملة هناك في تأمين خروج الناس إلى مراكز التصويت وعودتهم إلى بيوتهم سالمين. مثل هذا تحديا في قلب تفكير الجميع وقضى آلاف من قوات الأمم المتحدة وعناصر الأمن الأفغان يومهم قابضين على الزناد في انتظار حصول أي تطور قد يغير من الحسابات القائمة في مراكز القرار في أطراف كابل.

هذه العقبة نجحت جميع الأطراف المعنية في تجاوزها وبقيت هناك جبهة أخرى.

العارفون وحدهم بطبيعة الرجال وتشابك علاقات القبيلة في البلاد يعرفونها.

إنها تلك العقدة المتعلقة بنزاع اسمين فاصلين وحاسمين في المشهد السياسي في كابل.

كلاهما يستند إلى امتداد قبلي كبير وكلاهما يستند إلى موروث زعاماتي ممتد، وكلاهما يؤمن أنه رجل المستقبل في البلاد بل إن كلاهما يؤمن قطعا أنه هو القائد الذي بإمكانه أن يقود الأفغان إلى تحقيق تلك النقلة التاريخية في مسيرتهم بالخروج بهم من حالة الحرب إلى حالة السلام.

الرجلان هما الرئيس الانتقالي حينذاك "حامد كرزاي" وزعيم المعارضة والحرب السابق "يونس قانوني".

الأول يقيم في قصره الرئاسي والثاني في فيلاته الشخصية عند الطرف الشرقي من العاصمة كابل والتي يقوم بحراستها مؤيدون ورجال يؤمنون بجدارة الرجل بقيادتهم وقيادة بلادهم، ويرون فيه الأجدر بين كل قيادات الأفغان في هذه المهمة.

حبست البلاد أنفاسها في نهاية ذ لك المساء خاصة وكل طرف يعلن انتصاره في الانتخابات والرجال في الحملتين الانتخابيتين يوزعون على الوجوه ابتسامات الانتصار والفرح بحسم المعركة لصالح القائد الذي يلهمهم الرؤية الصالحة لصناعة المستقبل.

لا أحد كان يعرف كيف ستنتهي الأمور في الساعات القادمة، ولا في تلك الليلة التي ستكون واحدة من أطول ليالي كابل في التاريخ الحديث.

ذلك القلق ملأ الليلة بكاملها واستمر نابضا حتى الصباح والمساء الموالي.

في ذلك المساء هاتفت يونس قانوني بعد لقاء سريع بالرئيس المؤقت في قصره وذلك لأن القصة الصحفية تحتم علي اللقاء بالطرفين حرصا على التوازن كما تقضي بذلك أصول الأمانة الصحافية.

عند الطرف الآخر من القصة حدثت تفاصيل كثيرة وتلك هي حكايتي القادمة من حكاية صورة من بلاد الأفغان.

ألقاكم على خير.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG