Accessibility links

إيمانا بقضية.. شماليون وجنوبيون في خندق واحد بمواجهة 'الخرطوم'


رابح فيلالي في حوار مع أعضاء فريق مفاوضات السلام الجنوبي في كينيا العام 2005

رابح فيلالي في حوار مع أعضاء فريق مفاوضات السلام الجنوبي في كينيا العام 2005

في كل مرة كنت أصل فيها إلى مدخل مقر المفاوضات السري في منتجع نفاشا السياحي على الحدودية الكينية السودانية، كنت أجد الرفض القاسي في انتظاري من قبل وحدات الجيش الكيني التي كانت مكلفة بحراسة المكان. وفي كل مرة كنت أجد نفسي مضطرا للاستعانة بكرم صديقي المتحدث باسم الحركة الشعبية لتحرير السودان الشمالي "ياسر عرمان" ليقدمني للحرس الخاص على أني واحد من أصدقائه الذين من الضروري لقاؤهم والاستعانة بآرائهم في عمله، وكان من الطبيعي أن نحاول في كل مرة أن نجد مبررا لوجود ذلك المصور وتلك الكاميرا التي تصحبني دوما، ولم يكن ياسر يعجز عن إيجاد الكلمات المناسبة للموقف.


ذلك هو ياسر عرمان الذي جاء ذات خريف من جامعة القاهرة ـ فرع الخرطوم سابقا ـ والتي تسمى حاليا جامعة النيلين ليعلن انضمامه للحركة الشعبية لتحرير السودان في موقف أثار الكثير من الاستغراب والحديث في مجالس الخرطوم عن خلفيات وأسباب انضمام هذا الجامعي اليساري الخطيب المفوه بين طلبة الجامعة من أبناء جيله إلى الخصوم في الجنوب.

ولم يكن ياسر في هذه الخطوة الوحيد من أبناء الشمال الذين اختاروا الانضمام إلى الحركة الشعبية بعد ذلك البريق الذي أثاره الزعيم الجنوبي الراحل جون قرنق وهو يشدد على أن الهدف البعيد من حربه في الجنوب هو تحرير كامل السودان من سلطة النظام الحاكم في الشمال وليس تحرير الجنوب فحسب.

تلك الكاريزما الهائلة التي يتمتع بها قرنق جلبت إليه كثيرا من أبناء الشمال، ووجد الزعيم الجنوبي في هؤلاء أفضل معين له لتحقيق الانتشار لفكرته الوحدوية ومد جسور أفضل بين المقاتلين في الجنوب وبقية مكونات المجتمع السوداني في الشمال، كما وجد في هؤلاء أيضا طريقا لفهم أفضل لفكرته بين أبناء الشمال.

ياسر الذي جاء الجنوب وبدأ رحلته هناك مقاتلا في صفوف الحركة وارتقى في مختلف مناصب القيادة فيها إلى أن أصبح واحدا من أبرز معاوني جون قرنق في القيادة العامة كما هو في أحد أبرز وجوه التفاوض مع حكومة الشمال هنا في نفاشا.

يتحدث ياسر وبطلاقة واضحة للعيان لغته الأم مما جعله ناطقا للحركة مفضلا مع وسائل الإعلام العربية والغربية الناطقة باللغة العربية، وعلى طرف آخر إنه متحدث سلس وواضح الأفكار ومعاني نضاله باللغة الإنجليزية وهو الأمر الذي ساعده كثيرا على بناء جسور تواصل جيدة مع كثير من الإعلاميين الغربيين والعرب خاصة، وإنه هو شخصيا كان قد مارس مهاما إعلامية في الحركة الشعبية عندما طلب منه الراحل قرنق العمل في إذاعة الحركة بأرتيريا في بداية انضمامه اليها.

بداخلي قام دوما ذلك السؤال عن تلك الخلفية والأسباب التي تجعل واحدا من أبناء الشمال يقرر اختيار الانضمام إلى المقاتلين في الجنوب، وفي ذلك كثير من الخسارات على المستوى الشخصي، وفي صدر العزيز ياسر وجدت الإجابات الكافية لهذا السؤال لحالته وحالة آخرين كثيرين من أبناء الشمال الذي عشقوا فكرة السودان الجديد كما يقدمها الزعيم جون قرنق.

يقول لي ياسر والابتسامة لا تفارق وجهه على جلسة شاي في ذلك المنتجع الذي احتضن المفاوضات إن قرنق بأفكاره يقدم حلما لأجيال من السودانيين الذين يؤمنون بالمستقبل الأفضل لأكبر بلد في قارة أفضل حينذاك قبل انفصال الجنوب رسميا العام 2011.

لم يكتف ياسر بالانضمام والقتال في صفوف الجنوبيين بل أنه حتى وهو يقرر الزواج وبناء أسرة هناك في الجنوب، اختار الزواج من بنات الجنوب وترسيخ هويته الإنسانية ومستقبله الاجتماعي بالكامل في الجنوب ونقل هذا الارتباط من مرحلة الارتباط الفكري إلى الارتباط الاجتماعي والإنساني.

ذلك تماما ما حققه ياسر بزواجه من ابنة السلطان "دنق ماجوك "ناظر عموم قبيلة دينكا التي تنتشر في منطقة ابيي وهو بالمناسبة شخصية جنوبية داعية ومؤمنة بمشروع وحدوي بين الشمال والجنوب قبل أن تقرر الأحداث مسارا مختلفا للتاريخ ومخالفا لرؤية كثيرين ومن بينهم الزعيم الراحل جون قرنق شخصيا صاحب الرؤية القائلة بسودان جديد.

ياسر وخلال فترة التفاوض وجه حاضر عبر عدة لجان، وصوت شارح لمختلف مواقف الجنوبيين للإعلاميين ووسيلة اتصال بين مركز التفاوض ومختلف المحطات الإذاعية والتلفزيونية من جهات مختلفة من العالم، وأكثر من ذلك كان أحد الرجال الذين يترددون وباستمرار على مجالس الزعيم الجنوبي جون قرنق قصد التوصل إلى أفضل المكاسب التي يمكن أن تحققها الحركة الشعبية في جلسات التفاوض هذه، والتي سترسم التاريخ في علاقة الشمال بالجنوب في السودان.

إلى جانب ياسر هناك وجهان آخران من الشمال حاضران إلى جانب الجنوبيين في هذه المفاوضات، أبرزهما منصور خالد هذا المثقف الألمعي من الشمال الذي شغل عدة مناصب سياسية في تاريخ السودان ومنها وزيرا للشباب في حكومة النميري بعد الانقلاب وكذلك وزيرا للخارجية.

كثيرة هي الصفات التي يمكن أن تطلق على منصور خالد، فهو واحد من أكثر كتاب السودان غزارة في الإنتاج ورسم ملامح التحليل لأزمات السودان الفكرية والسياسية، وهو واحد من منظري الانقلاب في عهد النميري، وهو واحد أيضا من الديبلوماسيين الذي مثلوا السودان لسنوات طويلة في أكثر من عاصمة في إفريقيا، وهو واحد من المثقفين السودانيين الذين عملوا لسنوات طويلة في منظمة اليونسكو العالمية للثقافة والعلوم، وهو واحد من أوائل رموز السودان الشماليين الذين اختاروا الانضمام إلى الحركة الشعبية في الجنوب ليعين بعدها مباشرة مستشارا خاصا للزعيم جون قرنق، وما أكثر ما أثير في الخرطوم وعواصم العالم العربي من أحاديث وكلام عن انضمام الرجل الذي بلغ أعلى المناصب في الشمال إلى حركة الجنوب.

على طاولة واحدة جمعني الحديث مع منصور خالد وياسر عرمان وكان كلاهما لا يخفي إيمانه بقدرة قرنق على أخذ مفاوضات نفاشا في الاتجاه الصحيح الذي يخدم مستقبل السودان كاملا وليس الجنوب فقط.

منصور المتحفظ بطبيعته لم يكن ليقول الكثير في تصريحاته الإعلامية، لكنه كان واضح الحديث وهو يتحدث عن مستقبل السودان في مرحلة ما بعد السلام.
شخصية أخرى كانت تلفت الانتباه بحضورها في صفوف فريق التفاوض الجنوبي، إنه "مالك عقار" هذا الذي قاد حركة انضمام أبناء منطقة جنوب النيل الأزرق إلى الحركة الشعبية، والذين كانوا على تماس جغرافي مع الجنوب الأمر الذي جعل التقارب الثقافي والاثني والاجتماعي عوامل سهلت اندماج هؤلاء في الحركة الشعبية.

قدم لي ياسر هذا المقاتل الشرس في أكثر من مناسبة، وقال عنه إنه واحد من أفضل أصدقائه على المستوى الإنساني، كما إنه واحد من أفضل من يشاركونه الإيمان بالسودان الجديد كمشروع يقدمه قرنق لسودان ما بعد السلام وللقرن الواحد والعشرين.


لم يكن الحضور البارز إلى مفاوضات السلام بنفاشا هو المشترك الوحيد بين أبناء الشمال هؤلاء الثلاث، بل كان هناك أيضا تلك الثقة العميقة التي يحظى هؤلاء الرجال بها لدى فريق التفاوض الجنوبي ولدى الزعيم جون قرنق، وفي المقابل كانت هناك تلك الريبة التي يتعامل بها أعضاء فريق التفاوض الشمالي مع هؤلاء حيث تختلط المشاعر وتتعدد القراءات وتختلف نيات التعامل.

نجح هذا الثلاثي في ترك بصماته واضحة على مسار التفاوض كما نجحوا في تحقيق لحظة التاريخ والتي ناضلوا لأجلها فكرا وخطابة وسلاحا بإعطاء الجنوب استقلاله وصناعة مصيره بإرادة أبنائه كما نجحوا لاحقا في نقل فكرة الحركة إلى الشمال في المرحلة الانتقالية التي أعقبت اتفاق السلام من خلال التأسيس لمكاتب الحركة في مدن الشمال، والتي قاد عملياتها ياسر عرمان باقتدار كبير قبل أن ينصب لاحقا رئيسا على الكتلة البرلمانية للحركة في برلمان الخرطوم، وقبل أن تحاول الحركة ترشيح منظرها للمرحلة الجديدة منصور خالد وزيرا للخارجية لأن ذلك كان من حق الحركة بحسب نصوص اتفاق السلام، وهو الذي الأمر رفضه الرئيس عمر البشير جملة وتفصيلا ولحسابات التاريخ نصيب كبير في ذلك.

تماما مثلما كان هؤلاء وعشرات آخرون من أبناء الشمال رموزا في المرحلة الجديدة من تاريخ السودان بفضل إيمانهم العميق بفكر الزعيم الجنوبي الراحل جون قرنق، كانوا قبل ذلك أسماء حاضرة في تلك الرحلة الطويلة من الكفاح الطويل في جنوب السودان قبل الوصول إلى مرحلة التفاوض على السلام وتوقيع اتفاق السلام، كل ذلك قبل أن يموت قرنق بصورة دراماتيكية ويتغير مسار التاريخ في جنوب السودان، ومرة أخرى مخالفا لإرادة قرنق ولكل أبناء الشمال والجنوب الذي حلموا بسودان جديد كما حلم به جون قرنق قبل أن يغادر المشهد مكرها على ذلك، وقبل أن يرضى هؤلاء جميعا بسودان في الشمال وعاصمته الخرطوم وآخر في الجنوب وعاصمته جوبا.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG