Accessibility links

logo-print

جربوا الحب.. مرة واحدة وأخبروني


سيارة مدمرة بعد اشتباكات اندلعت في بنغازي

سيارة مدمرة بعد اشتباكات اندلعت في بنغازي

هي امرأة ككل نساء العالم أحبت زوجها واختارته من بين كل رجال الدنيا ..عاشا في بلدهما الولايات المتحدة، واختارا أخيرا الحياة هناك في ليبيا محبة في شعب ليبيا الطيب والكريم ..

أنيتا سميت ..تعيش في ليبيا بمعية زوجها وطفلهما الوليد حديثا، ويقتل زوجها برصاص غادر وعابر وتعيش صدمة الفقدان وتختار عن وعي وقناعة أن تسامح القتلة، وتقول إن محبة الليبيين أكبر من القتل وإن القاتل لا يعكس حقيقة الليبيين الذين عاشت بينهم وعرفت منهم ومعهم أجمل صور المحبة في الحياة.

قبل قولها هذا كان زوجها وقبل مقتله الغادر يكتب في خانة التعريف بشخصه على موقع فيسبوك إنه "أكبر صديق لليبيين" .

للوهلة الأولى يعترض كثير من الأصدقاء والمعارف على تصريحات الزوجة المغلفة الروح بأحزانها ويقولون إنها لا تحب زوجها بالقدر الكافي. وتعيد المرأة الظهور من ركام أحزانها وتقول إنها تحب زوجها ولكنها تختار الغفران سلوكا لأنها تعرف أن هذا سيسعد روح فقيدها وأن هذا هو أسلوبه في الحياة مع الناس وبين الناس .

إنه الحب يا سادة ..هل جربتموه مرة واحدة؟

في جزئنا العربي لم نجرب هذه الخلطة السحرية في الحياة لمعالجة أزماتنا. يظهر الأمر صادما للوهلة الأولى لأننا هناك أكثر شعوب العالم حديثا عن الحب، لكننا الجزء الأفقر إليه في حقيقة الأمر.

فقراء نحن للحب لأن ثقافة الكراهية في المكان هي سيدة المشهد وفي ظل سطوتها لم نحاول يوما أن نسمع صوت الحب وهو يتحدث عاليا في نفوسنا أو في نفوس الذين هم حولنا.

في الحب محاسن عدة أولها أنه عدو الكراهية وعدو الإقصاء وأنه عدو العنف الأول بامتياز، فيما تحاصرنا مشاهد ومشاهد من العنف اللفظي إلى العنف السلوكي ثم حالة إقصاء كاملة لكل من نختلف معهم في الرؤية، وحتى الذين يتفقون معنا لا نأخذهم مأخذ الجد في حياتنا لأننا نغيب الحب عن خياراتنا ومع سبق الإصرار والترصد .

وأنا أتأمل الزوجة المفجوعة في رحيل زوجها وأب وليدها وصديق عمرها وحبيب قلبها، تقاطع في قلبي تلك اللحظة التاريخية من حياة الراحل الكبير "نيلسون مانديلا" والتاريخ يخيره بين الانتقام لربع قرن وأكثر من سجنه الانفرادي وتحقيق طغيان الأغلبية السوداء في جنوب إفريقيا وبالتالي الغرق في دوامة من العنف سوف تأتي على كل مستقبل جنوب إفريقيا، أو الخيار الآخر الذي يراه كل إنسان من خارج الإطار على أنه حالة خارجة عن المألوف وعن الطبيعة البشرية وهو الغفران ..على صعوبة تصور المشهد أولا والقبول به ثانيا ..أما إنجازه في واقع التاريخ فتلك قصة أخرى.

اختار ما نديلا الطريق الأصعب على قلب كل إنسان لكن روحه التي كانت من طينة مختلفة كان ذلك الخيار على صعوبته هو الخيار الأقرب إلى طبيعتها وسماحتها إنه خيار الغفران ..كان السجين يدافع عن حقه وحق سجانه في الحرية ..

وعندما يسأل مانديلا ..لماذا الغفران؟ يقول الرجل في تواضع كبير: كان يعنيني المستقبل في وطني أكثر مما يعنيني الماضي ..هناك أجيال ولدت وأخرى ستأتي ومن حقها أن تعيش في سلام ومن حقها أن تجرب الحياة في إيخاء من غير طغيان الأبيض على الأسود ولا الأسود على الأبيض.

خسر العالم جميعا في حساب توقعاته وكسب مانديلا الرهان وهو يجرب الحب. انتصرت جنوب إفريقيا للحب وحققت واحدة من أكبر تصالحات العرق في التاريخ الإنساني.

إنها وصفة الحب التي لم نجربها بعد.

لذلك ليس غريبا أن يكون الراحل ماديبا على صلة بانتفاضة الشباب العربي في مختلف أنحاء هذا الجزء من العالم وهو يرقد على فراش مرضه الأخير ويكتب رسالة إلى شباب ميدان التحرير في القاهرة ويطالبهم فيها بالغفران كما فعل آخر الانبياء وهو يدخل مكة منتصرا. يقول مانديلا افعلوا ما فعله نبيكم وستحدثون التاريخ.

في مكان مختلف أيضا يختار مانديلا أن يقف وهو يتعامل مع جزئياتنا التاريخية... إنه الحب عقيدة الرجل الأزلية.

الحب وهو يحققه في رحلته الهادئة في أيامه الأخيرة بعيدا عن كل الأضواء يرسم الطريق ويعود إلى قريته الأولى ليعيش هادئا مسالما بين أبناء قرية طفولته لأن في ذلك أيضا حالة حب متصلة للمكان والإنسان وتجاوز كبير لزهوة المنتصر في التاريخ.

صورة أخرى تقفز إلى ذاكرتي في هذه اللحظة..

كان الخريف يومذاك هو سيد المشهد في واشنطن حينها عندما فتحت هاتفي وبحثت عن أحد كبار المعارضين الليبيين لنظام القذافي سابقا في الولايات المتحدة الدكتور علي أبو زعوك، ووجدت الرجل متأملا صورة بداية معالم التجمد في مياه بحيرة "بورك" المجاورة لبيته بمدينة بورك بشمال فرجينيا.

يأتيني صوته سريعا ومرحبا بكلماته الدافئة كعادته وأعاجله بالسؤال السريع إن كان في إمكانه مشاركتي في قصة تلفزيونية أعدها عن ثقافة الكراهية في الوطن العربي بعد مقتل السفير الأميركي في بنغازي.

على عجل يرحب أبو زعكوك بالفكرة ويستقبلني في حديقة بيته على كأس شاي حضرته زوجته الكريمة سريعا، ولم تخلو طيبة الناشط الليبي من مقاسمته لي لحبات تين قال لي إنه زرعها في حديقة بيته الخلفية قبل ربع قرن، وإنه يسعد دوما بدعوة أصدقائه الأميركيين إلى مشاركته ثمراتها عند موسم كل خريف.

يقول لي علي إن ليبيا تعرف وتكرم أصدقائها وإن القاتل لا يمكن أن يمثل حقيقة الإنسان الليبي وإن المحبة هي الأصل في الإنسان وإن الكراهية لا تقيم حاضرا ولا تنجز مستقبلا.

عاودت السؤال وأنا أندهش كيف يمكن لرجل يصفه كثير من الأصدقاء الليبيين في واشنطن في سنوات المحنة في حياتهم إنه الصديق الأفضل لهم..

كيف يمكن أن يقتل بين الليبيين وفي ديار اختار أن يحبها وأن يخدمها بإرادته الطوعية.

مرة أخرى تعود بشاعة الكراهية إلى مقدمة الصورة..

أودع علي وأغادر حديقة بيته الخلفية وأنا على يقين مرة أخرى أن المحبة هي وحدها التي يمكن أن تغير واقع الناس وإلى الصورة الأفضل.

في طريقي إلى واشنطن تساءلت إن كان الحب الذي نتحدث عنه أمرا مكلفا وهل هو مرهق لأرواحنا إلى تلك الدرجة التي تدفع بنا إلى تجربة غيره من الحلول والهروب من خيار تجربته حتى وهو أنجح الحلول.

وعلى العكس تماما وجدت أنه أقل الحلول تكلفة ووجدت أيضا أن أعظم إنجازات الإنسان في الحياة لا يمكن أن تحدث من غير محبة..

تحدث الحياة فقط والإنسان في حالة حب، في ذلك الحب الأسطوري الذي نحمله لأطفالنا وفي ذلك الحب الأسطوري الذي تحمله لنا أمهاتنا وفي ذلك الحب الخرافي الذي يحدث بين الإنسان وأفكاره.. حينها تحدث أعظم التضحيات وفي تلك العلاقة الملحمية بين الإنسان والأوطان تحدث تلك التضحيات الخرافية الألوان.

الحب هو سحر وسر كل الحياة ..الحب للإنسان على إطلاق صفة الإنسان بصرف النظر عن لونه و عرقه أو موقعه ..في ذلك الحب وحده صدق الحب وخلاص الإنسان..كل الإنسان.

جربوا الحب مرة واحدة وأخبروني رجاء

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG