Accessibility links

في موطني الأصلي المغرب، وعبر شاشة التلفزة، تابعت هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001.

اخترقني شعور حاد بالذعر والحزن وأنا أشاهد اصطدام الطائرتين ببرجي مركز التجارة العالمي.

وفوق موقع الحدث، بعد سنوات، في متحف 11 سبتمبر، تضاعف ذلك الألم.

من حولي، كانت ملامح التوجس والتعاطف جلية على وجوه الزوار وهم يغوصون في أحضان قاعات المتحف القاتمة وجدرانها الباردة، ويخوضون غمار رحلة عاطفية تعيد إلى الذاكرة ما حسبوا أنهم نسوه بعد مرور 13 سنة.

كلمات منحوتة على جدار المتحف لكي لا ينسى الأميركيون أحداث 11 سبتمبر

كلمات منحوتة على جدار المتحف لكي لا ينسى الأميركيون أحداث 11 سبتمبر

تبدأ الزيارة بالساعات الأولى في حي مانهاتن حيث تظهر صورة برجي مركز التجارة العالمي قبل الهجمات، ليجد الزائر نفسه تدريجيا في قلب دوامة الأحداث المؤلمة التي سيعاين أدق تفاصيلها وهو يجوب أطراف المكان.

جدار بني لحماية مركز التجارة العالمي من فيضانات نهر هدسون

جدار بني لحماية مركز التجارة العالمي من فيضانات نهر هدسون

وقع نظري في البداية على خارطة تفصل مسار الطائرات المخطوفة التي استعملت في المهمة الانتحارية وصور أناس يركضون بعيدا ليفلتوا من الموت في حين يتابع آخرون ما يحدث مصدومين ومرعوبين.

ثم، استدرجتني أصوات هؤلاء إلى الداخل حيث تظهر من أعلى طوابق المتحف السبعة المقامة تحت الأرض، قطع ضخمة من جدار بني لحماية مركز التجارة العالمي من فيضانات نهر هدسون. ومن الناحية الأخرى، ينتصب عمود حديدي ضخم كان آخر ما تم انتشاله من موقع الهجمات.

واقتادتني خطواتي عبر مسار الزيارة لأجد نفسي أسلك درجا محاذيا لذلك الذي استخدمه المئات من الناس في إحدى الشوارع المجاورة لمركز التجارة العالمي للفرار من موقع المأساة.

درج إحدى الشوارع المحاذية لمركز التجارة العالمي

درج إحدى الشوارع المحاذية لمركز التجارة العالمي

اعتقدت لوهلة أنني اجتزت المرحلة الصعبة في المتحف بما أنه جرت العادة أن يتم عرض أهم الاشياء أولا. لكن القاعدة في متحف 11 سبتمبر انعكست من أجل تهيئة الزائر تدريجيا لهذه التجربة الصعبة.

محرك أحد مصاعد مركز التجارة العالمي

محرك أحد مصاعد مركز التجارة العالمي

أصوات الموتى

لأيام طويلة، ظل صوت إحدى ضحايا الطائرة الرابعة المختطفة والتي تحطمت في بنسلفانيا في الـ11 من سبتمبر يتردد في آذاني. "حبيبي، استمع جيدا. لقد تم خطف الطائرة. أخبر أطفالي أنني أحبهم كثيرا"، كانت هذه آخر الكلمات التي لفظتها مضيفة الطيران سيسي روس في مكالمة لزوجها قبل أن ترحل إلى الأبد.

دمعت عيناي وأنا أتخيل شعور تلك الأم وهي ترى الموت يقترب منها ليحرمها من رؤية أعز ما تملك، فلذات كبدها.

كانت هذه واحدة من المكالمات الـ37 التي أجراها ركاب هذه الطائرة الذين حاولوا فعل شيء لإنقاذ بلدهم بعدما بلغ إلى مسامعهم ما جرى قبل وقت قصير في مركز التجارة العالمي والبنتاغون.

آثار الدمار على سيارة إطفاء معروضة في المتحف إحياءا لذكرى رجال الإطفاء الذين قضوا في هجمات 11 سبتمبر

آثار الدمار على سيارة إطفاء معروضة في المتحف إحياءا لذكرى رجال الإطفاء الذين قضوا في هجمات 11 سبتمبر

التصوير ممنوع

على باب المعرض الرئيسي في المتحف والذي اختير له "التاريخ" كاسم، وقفت سيدة، وتعليماتها "أن التصوير ممنوع". تبادرت إلى ذهني تساؤلات عديدة حول سبب المنع ولم أجد سوى جواب واحد: احترام أرواح من قضوا، وتقاسم مأساتهم إلى آخر لحظة.

يحتوي هذا الفضاء، الذي يدرج الأحداث بحسب ترتيبها الزمني، على الكثير من الصور والفيديوهات التي تظهر النيران المشتعلة بالبرجين قبل انهيارهما، في حين تعكس صور أخرى صدمة وذهول سكان نيويورك جراء ما يحصل.

تعرض كذلك داخل القاعة مخلفات أشياء ما زالت تحمل رائحة ذلك اليوم المشؤوم.. أحذية بعض الناجين، حزام أحد ركاب الطائرتين المخطوفتين، قمصان تحمل غبار ركام مركز التجارة العالمي... إلخ.

كلمات وزهور وأغراض المفقودين على آخر عمود تبقى من مركز التجارة العالمي

كلمات وزهور وأغراض المفقودين على آخر عمود تبقى من مركز التجارة العالمي

ويتسنى للزائر كذلك سماع تسجيلات لآخر الرسائل الهاتفية التي تركها ضحايا البرجين الذين علقوا في المبنيين إلى عائلاتهم.

أما المعرض الثاني "في ذكراهم" فقد خصص لتكريم الضحايا الـ2977 الذين فقدوا حياتهم في تلك الهجمات، إضافة إلى ست ضحايا سقطوا خلال تفجيرات سابقة لمركز التجارة العالمي عام 1993.

شعر وشهادات وعبارات إحياءا لذكرى ضحايا 11 سبتمير

شعر وشهادات وعبارات إحياءا لذكرى ضحايا 11 سبتمير

وتعرض صور كل الضحايا بالإضافة إلى نبذة عن حياتهم للتعرف إليهم عن قرب.

وتنتهي الزيارة في غرفة يروي فيها مذيع شبكة "إن بي سي" بريان ويليامز قصة "ظهور تنظيم القاعدة" في شريط مدته سبع دقائق. وقد أثار هذا الشريط انتقادات وسط مخاوف من أن يدفع زوار المتحف إلى الربط بين القاعدة والإسلام بشكل عام.

انتهت الزيارة ولكن لم تنته الحكاية، حكاية شعب جعل من الصمود والأمل في غد أفضل مبدأ عيش.. وخلق من الدمار الذي سحق المكان قبل سنوات موقعا تنبعث منه الحياة بكل جماليتها.

أسماء ضحايا هجمات 11 سبتمبر منقوشة على الرخام حول شلال من المياه

أسماء ضحايا هجمات 11 سبتمبر منقوشة على الرخام حول شلال من المياه

  • 16x9 Image

    حنان براي

    حنان براي صحافية بالقسم الرقمي لشبكة الشرق الأوسط للإرسال والذي يشرف على موقعي قناة "الحرة" و "راديو سوا". حصلت حنان على شهادة الماجستير في الترجمة من مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بمدينة طنجة المغربية، وعلى شهادة البكالوريوس في اللسانيات.
    عملت حنان صحافية منذ سنة 2001 بوكالة المغرب العربي للأنباء بالرباط، قبل أن تلتحق بمكتب الوكالة في لندن حيث غطت عددا من الأحداث والتظاهرات الدولية والمحلية.

XS
SM
MD
LG