Accessibility links

logo-print

في منتصف العشرينيات من العمر. يملك حلما ساكنا في عمقه. كان يتابع دراسته الجامعية ويحب الأكلات الشرقية ويبحث عنها في شوارع واشنطن، وعادة ما يجد طريقه إلى المطاعم المتنقلة في الشاحنات على أرصفة المدينة. وهناك ازداد تعلقه بالطبخ القادم من ذلك الجزء من العالم العميق الجذور في الحضارة والتاريخ، الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

اسمه سعد مليك. بعد أن أنهى دراسته انخرط في نشاط اجتماعي واسع في مدينته بالتيمور بولاية ميريلاند، حيث قضى طفولته بمعية والديه القادمين من بيشاور في باكستان للعيش في أميركا، وحيث ما زال يعيش.

هناك وبين أبناء جيله وزملاء دراسته وأصدقائه على شبكات التواصل الاجتماعي أطلق سعد فكرة إقامة مهرجان سنوي للطعام في العاصمة واشنطن لتقديم مأكولات منطقة الشرق الأوسط وشمال افريقيا للأميركيين من أعراق أخرى، وجعل من الأكل فرصة للتقريب بين الشعوب ومد جسور أخرى بين الثقافات والمكونات المشكلة للمجتمع الأميركي المتعدد الأعراق والأجناس بطبيعته.

الفكرة جريئة جدا وطارئة على المشهد وحتى على السمع ولأن الفكرة بهذه الروح المتميزة احتاج تحقيقها إلى كثير من الجهد والتواصل بين أطراف عديدة ومنها الاتصال المباشر مع أصحاب الشاحنات المتنقلة بين أرجاء منطقة واشنطن الكبرى والتي تجمع بالإضافة إلى واشنطن ولايتي فرجينيا وميريلاند.

وجد سعد أن هناك ما يزيد على الـ50 شاحنة تمتهن هذه الوظيفة وتعمل على الترويج للطعام العربي والآخر القادم من دول العالم الإسلامي في شوارع العاصمة الفيدرالية الأميركية وما جاورها من مدن.

ووجد أصحاب الشاحنات من جانبهم في الفكرة إغراء فكريا بالإضافة إلى الإغراء التجاري والوصول إلى المزيد من الزبائن من أصول أخرى غير عربية وإسلامية خاصة أن المدينة تزدحم بالمقيمين فيها المتنوعين في أصولهم وأولئك القادمين إليها بغرض الزيارة والسياحة.

في دورة المهرجان الثانية، كتبت لسعد أسأله عن حجم نجاح الدورة الأولى فوجد الشاب العشريني صعوبة في انتقاء الكلمات التي تعبر عن مدى إعجابه بالإقبال الذي تحقق، وبتصميم شركائه في الفكرة على جعل المهرجان عادة سنوية في ولاية ميريلاند، بل أن عدد المطالبين بتوسيع المهرجان واستمراره مطلع كل صيف تنوع في أصول أصحابه وفي الداعين إليه.

تكفلت الغيوم في كبد السماء في ذلك الأحد بتأمين مظلة كافية لحماية الجميع من حرارة الشمس وبعض القطرات من المطر كانت ملطفة للجو أكثر مما هي مزعجة للحاضرين فيما انتشرت مئات العائلات في ساحة واسعة على مئات الطاولات التي أعدت خصيصا للقادمين للمهرجان. وروائح الأكل تنتشر في كل الزوايا بأذواق مختلفة ومن ثقافات مختلفة.

اجتمع العالم لحظتها في مكان واحد ومن حول مائدة طعام متنوعة ومتعددة وجعل التعارف بين الناس يقوم على أساس ما يأكلونه وما يفضلون إعداده لمناسباتهم المختلفة في الحياة.

ولأن الطعام لغة عالمية مشتركة بين الإنسان ولأن فضول الاكتشاف فطرة أخرى مشتركة بين الناس كان الكثير من الحاضرين في المكان ينتقل من شاحنة إلى أخرى ومن مطبخ إلى آخر بحثا عن ذوق مختلف عن الذي اعتادوه في الحياة وعن طعام لم يألفوه في سائر الأيام.

كن ثلاث نساء يافعات قادمات إلى المكان بفضول لافت وبعين متطلعة إلى معاودة التلاقي مع مشاعر مفتقدة فيهن. سارة وجودا وماغن، ناشطات سلام أميركيات عملن متطوعات في الأردن في مشاريع سلام هناك وعشن فترة من الزمن بين أبناء المملكة الهاشمية وهناك اكتشفن عن قرب الطعام العربي وتعاملن مع مختلف ألوانه طيلة فترة الإقامة في العاصمة الأردنية.

في ذاكرتهن، لا يزال هناك كثير من الشوق إلى تلك الأطعمة وإلى تلك الأجواء التي لا يترددن في إعلان شوقهن إليها.

حضرن إلى المهرجان وهن عازمات على تجديد تلك المشاعر التي ألفنها في الأردن مع إعلان رغبة أخرى باكتشاف المزيد من أطعمة دول أخرى.

تقول سارة إنها من أكبر الداعمين لفكرة استمرار هذا المهرجان والاهتمام به أكثر والترويج له بين الأميركيين لأنه يحقق تواصلا دون الحاجة إلى الأسفار البعيدة ومن غير حاجة إلى مصاريف هائلة. وتضيف أن المهرجان نافدة مفتوحة على جزء مهم من العالم وعلى يوميات الناس وعلى رؤيتهم للحياة ولطرق احتفالهم بأفراحهم، وهذا سلوك في عمقه تواصل حضاري وثقافي بين مكونات المجتمع الأميركي.

الفكرة ذاتها كررها سعد و هو يشير إلى أنه وجد في واشنطن عالما كاملا من الثقافات يتعايش في مساحة واحدة ومحدودة. وأشار إلى أهمية أن تفتح هذه النوافد حتى تستطيع مختلف الجاليات التعرف إلى ثقافات أكلها وخصوصيات إعداد الطعام في حياتها.

وجدنا أنفسنا في حديثنا ذلك نتحدث عن نو ع آخر من الدبلوماسية يمكنه أن يمد جسورا هائلة بين شعوب وحضارات من خلال مائدة الطعام.

كنت في اللحظة تلك اقترب من طاولة جلس إليها أمير، الطالب الجامعي المصري وزوجته أمل وصديقهما الأميركي كونيف.

كونيف في هذا المكان كان يعيش حالة اكتشاف جديدة لكل شيء. يقول إنه بصدد اكتشاف عالم جديد تماما من الأذواق ومن الثقافات من خلال تذوق الطعام من أجزاء مختلفة من العالم.

كونيف يشير إلى أنه لم يسبق له أن تعرف إلى طعام هذه الشعوب. ووجد في المهرجان فرصة للتعرف على طعام هذه الدول بل أكثر من ذلك وجد في طرق إعداده وتحضيره صورة مصغرة لتقاليد اجتماعية في حياة شعوب عديدة من العالم.

سألت كونيف إن كانت هذه الدهشة التي يتحدث عنها تعود إلى سحر مذاق المشويات التي أخدها للتو من شاحنة زروالي خان، ذلك الباكستاني الأميركي الذي عمل سنوات طويلة جدا في مطاعم واشنطن قبل أن يقرر مباشرة مشروعه التجاري الخاص في شاحنة طعام متنقلة.

ابتسم الأميركي الإفريقي وقال: ربما كان الأمر كذلك.

اقتربت من مصدر هذا الإعجاب الذي ملأ قلب وعيني كونيف وأنا أتحدث إلى الطاهي خان. لم يملك وقتا كافيا للحديث إلي عن تفاصيل رحلته الطويلة التي بدأت في زمن شبابه اليافع في جبال باكستان قبل أن يحط الرحال هنا في واشنطن.

في مطعمه المتنقل هذا يقدم خان كل أنواع المشويات الباكستانية بطرقها المختلفة ويفخر كثيرا عندما يسمع كلمات الثناء من موظفي المؤسسات الحكومية في واشنطن أو السائحين العابرين للمدينة عن مذاقات وجباته التي يمهرها عادة بأنواع مختلفة من الأرز وبعض السلطات.

يشعر خان بالافتخار الكبير فهو بالإضافة إلى كسبه الرزق في شوارع واشنطن يقدم فكرة عن بلاده التي تقيم في قلبه رغم المسافات البعيدة. وهو يملك الاستعداد الدائم للحديث عن أنواع الأطباق التي يتم تحضيرها في بلاده لمختلف المناسبات.

خان بمعية الـ50 الآخرين من أقرانه من بائعي الطعام المتنقلين يجدون في مهرجان "بالتيمور" السنوي فرصة أخرى للتقرب إلى وجوه جديدة وقضاء يوم رائع في أحضان الطبيعة والتبرع ببعض من مداخيلهم في هذا اليوم للمساهمة في المشاريع الخيرية لرعاية أبناء الجالية في مدارس تعليمها ونشاطاتها الثقافية والاجتماعية في نهاية كل أسبوع.

انشغل عني خان بكثير المقبلين على مشوياته لكنه أثناء ذلك وجد مساحة ليقول لي إنهم في لاهور مدينته الأصلية يملكون طرقا مختلفة لإعداد المشويات وإنه هنا مضطر إلى تقديم الحد الأدنى من خبراته فيها بحكم ضيق مساحة الشاحنة ومحدودية الحركة فيها.

وسط ذلك الانشغال الواضح جدا بين الطهاة و الطلبات المرتفعة من الزبائن كان الجميع سعيدا باكتشاف الآخر من خلال طعامه وحتى وإن تعطلت كل لغات العالم في لحظة واحدة فإن لغة الطعام ستظل قائمة دوما كأداة للتواصل بين الناس.

سألت سارة "هل حقق الطعام ذلك الهدف الذي كنت أنت وأصدقاؤك تبحثون عنه في رحلتكم التطوعية إلى الشرق الأوسط؟"

بيقين، أجابت "لقد استطاع الطعام أن يقربنا أكثر من المجتمع الأردني وجعلنا نشتاق لزيارة العاصمة عمان بين الفترة والأخرى، بل إننا اليوم هنا تعبيرا منا عن شوقنا الكبير لتلك الديار وطعام أهلها الطيب جدا" .

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG