Accessibility links

logo-print

أطباء إنسانيون بلا حدود


صورة عن العيادة المجانية بشمال فيرجينيا

صورة عن العيادة المجانية بشمال فيرجينيا

على طاولة إفطار رمضاني همس لي الصديق "رضوان جاكا" أحد أكبر الأميركيين المسلمين نشاطا في قضايا حوار الحضارات وتقارب الأديان هنا في واشنطن .. همسا يخبرني "رضوان" عن مشروع يسعى هو ومجموعة من الأطباء العرب والمسلمين في شمال فرجينيا يوميا أن يتحقق على أرض الواقع بنهاية 2013.

سريعا إلتفتت إلى الرجل ورجوته المزيد من التفاصيل عن المشروع الطموح. قال باسما وقد أدرك نشاط حدسي الصحفي في تناول القصة، إنهم يريدون إطلاق عيادة طبية مجانية لكافة الأميركيين أو الزائرين للولايات المتحدة الذين لايملكون تأمينا صحيا.

العيادة ستقدم خدماتها مجانا لكل الناس بصرف النظر عن كل الخلفيات العرقية أو الدينية والشرط الوحيد هو تقديم ما يثبت العجز عن دفع تكاليف العلاج من قبل المحتاجين لهذه المساعدة الطبية.

الفكرة لافتة لقصة صحفية مميزة جدا خاصة وأن المبادرة تعطي الفرصة لملايين الأميركيين المقيمين في ولايات الساحل الشرقي والعاجزين عن دفع تكاليف علاجهم وفواتير مرضهم وحتى أولئك الذين يملكون تأمينا صحيا ويعجزون عن سداد تكاليف العلاج في المصحات الأميركية المرتفعة الأسعار بطبيعتها تعطيهم الفرصة للحصول على خدمة طبية مجانية.

من صديقي "رضوان" عرفت أن المجموعة الطبية تعمل ليلا ونهارا ومنذ سنوات لتحقيق هذه الفكرة وتقديم هذه الخدمة المجانية لكل من يحتاجها وأن العائق الأخير في المرحلة الحالية هو تأمين التجهيزات الطبية اللازمة لتقديم العلاج في أبسط صوره، لكل من يقصد هذه العيادة في مدينة "رستن" شمال فرجينيا.

وضعت الفكرة على أجندتي الشخصية واخترت أن أنتظر الوقت المناسب لإطلاق مشروعي من جانبي في إنجاز القصة الصحفية.

تأخر الأمر لبعض الوقت خاصة وأن الفريق العامل على مشروع العيادة كله من المتطوعين وبالتالي كان لابد من انتظار فراغهم من التزاماتهم المهنية اليومية قبل التفرغ لعملهم التطوعي في تحضير العيادة.

يزداد المشروع بريقا عندما نعرف أن ملايين الناس في أميركا يعيشون من غير تأمين صحي وتأخد القصة أبعادها الأكبر عندما يكون مشروع إعادة النظر في نظام الرعاية الصحية هو أحد أكبر القضايا الخلافية إنتخابيا وتشريعيا بين الحزبين الديموقراطي والجمهوري في كل حملة انتخابات رئاسية، وفي كل إنتخابات برلمانية لغرفتي الكونغرس وفي كل نقاش سياسي بين رموز العمل السياسي في البلاد وفي العام الحالي، وقبل انقضائه قد يكون مشروع الرئيس أوباما لإصلاح نظام الرعاية الصحية هو المشروع الأكثر إثارة للجدل بين الأميركيين.

مضت الأيام تباعا، إلى أن جاءني ذلك الهاتف عند طرف مساء يوم شتوي منقضي إلى آخره، يقول رضوان على الطرف الآخر من المدينة إن مشروع العيادة بات جاهزا وأن غدا السبت سيكون أول أيام إفتتاحه.

عند ساعة الإفتتاح كنت بمعية فريق التصوير نقطع المسافة باتجاه أقصى شمال فرجينيا..
الريح عاصفة جدا خارج السيارة المقفلة بإحكام وحبات الثلج الأولى تملأ سماء المدينة، وعلى طرف الطريق مشهد المزارع يثير في القلب ذلك الحنين إلى تلك القرية الأولى التي لا تفارق ذاكرة أبنائها.

في هذا الفضاء المكاني الجميل، حقق أطباء متطوعون من أصول عربية وإسلامية مختلفة طموحهم في إقامة مشروع خيري يعزز قيم التواصل بين الناس ويكرس فعل الخير كأداة لإقامة جسور التواصل والمحبة بين الناس على اختلاف أعراقهم وأديانهم وألوانهم.

كانت الحركة في الداخل أكثر من مكثفة، وكانت الوجوه تملؤها علامات الفرحة، فالأطباء كانوا فرحين بنجاحهم في وضع اللمسة الإنسانية في يومياتهم، فجميعهم جاء إلى هنا متطوعا بأيام وساعات من جدول أعماله، والأمر كذلك بالنسبة لمساعديهم، أما المرضى فكثيرهم جاء إلى هنا وهو يأمل في أن يتجاوز تلك المحنة القائمة في حياته، خاصة منهم أولئك الذين يعانون من أمراض مزمنة ويحتاجون إلى رعاية طبية دائمة..

كان الجدل بداخلهم يدور حول التفضيل بين الوفاء بالتزاماتهم المالية في حياتهم، أو صرف المبالغ المتوفرة في حياتهم على قلتها في تأمين من هم بحاجة لرعاية طبية، وهو خيار مسيء بالتأكيد إلى مشاعرهم وإنسانيتهم، لكنهم وجدوا أخيرا في هذه العيادة المخرج الذي لا يطرح معه هذا الخيار مرة ثانية في حياتهم..
وهل ثمة أجمل من هكذا فرج لهكذا أزمة؟

هكذا يقول لي "زائز خان"، أول المرضى القادمين إلى المكان. زائر هو أميركي من أصل باكستاني فقد وظيفته في سنوات الكساد الإقتصادي والآن يعمل على تأمين دخله من خلال وظيفة بالساعة، وهذه الوظيفة لاتسمح له بالحصول على تأمين صحي، لكنه يحتاج في المقابل إلى متابعة طبية دائمة لحالته الصحية..

خان في ذلك الصباح، يمكن وصفه بأسعد الناس وهو يدخل العيادة ويجد الرعاية التي يتمناها وبالمواصفات التي تحقق له الإطمئنان الكامل على حالته الصحية والذهاب إلى عائلتة بوجه أكثر إشراقا.

غيره كثير في المكان، فيما كانت تلك الجماعة من الأطباء والمساعدين والإداريين تعمل بإيقاع خلية نحل في العيادة، والأجمل من ذلك هي تلك المصادفة التي اختارها الجميع هنا لإطلاق العيادة.

يومها كانت أميركا تحتفل بعيد الشكر الذي يصادف آخر خميس من آخر نوفمبر من آخر كل عام،
وعندما سألت الدكتور المهاجر من باكستان اإلى أميركا قبل ربع قرن من الزمن.. يحي وهو رئيس المشروع وقائد فريق العمل الهائل من المتطوعين من العرب الأميركيين والمسلمين وأميركيين من أعراق أخرى عن سر اختيار هذه المناسبة لإطلاق مشروعهم..

قال لي يحي إنهم إختاروا هذا الأسلوب للتعبير عن شكرهم لله الذي أعطاهم فرصة العلم والقدرة على مساعدة الآخرين، وثانيا لشكر هذا البلد الذي فتح أمامهم كافة الأبواب لينهلوا من منابع العلم المختلفة وها هم الآن يعيدون الفضل إلى أميركيين آخرين بمساعدتهم على تجاوز المشاكل الطبية في حياتهم بتقديم هذه الخدمة المجانية.

الصورة في المكان أجمل من كل تعليق، وهي تحقق واحدة من لاحدود إنسانية الإنسان وقدرته على تغيير حياة الآخرين إلى الأفضل، وهو يتمسك بقوة الإنسان ومد يد الخير للآخرين طالما هو يملك القدرة على ذلك.

الخير لأجل الإنسان ومن الإنسان لآخر لايسأل عن لونه وعرقه ودينه.. فالناس جميعا سواسية أمام حالة الخير وتلك واحدة من أعظم معاني الإنسانية في أجمل صورها.

وأنا أغادر العيادة، وقفت مطولا أمام المشهد الذي يحدث أمام عيني بكل تفاصيله ومعانيه وأكبرت عميقا بداخلي القيمة الإنسانية في أجمل تجلياتها.

قلت لزميلي إنهم ونحن نقطع العودة إلى العاصمة واشنطن.. إنهم أطباء وممرضون وإداريون إنسانيون وبلاحدود في إنسانيتهم المتحركة خير وجمالا في حياة عشرات بل مئات بل آلاف المرضى هنا في شمال فرجينيا. وما أجمل الإنسان وهو إنسان..

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG