Accessibility links

logo-print

يقول الفلاسفة إن العادة تقتل الانتباه وإن العين لا ترى من الأشياء سوى ذلك الذي يخرج عن عادة النظر إليه، لأن الألفة في العادة تسرق من العين القدرة على ملاحظة الاختلاف، وربما كان ذلك سببا كافيا لفقدان المتعة بأشياء كثيرة جدا في حياتنا بسبب عامل التعود على التعامل معها بحواسنا.

"ليالي" امرأة من واشنطن أدركت هذا المعنى في الحياة وخرجت إلى سكان وزوار العاصمة الفيدرالية بفكرة لم تكن العيون معتادة على رؤيتها، وبالنسبة للبعض يصعب حتى تصديقها والتعامل معها.

كانت الفتاة اليافعة في ذلك الزمن من تعليمها الجامعي تؤمن أكثر بأن مستقبلها ليس في وظيفة حكومية حتى لو كانت في مؤسسة فيدرالية في قلب العاصمة واشنطن، فالمستقبل تراه الإفريقية الأميركية في مشروع تجاري تطلقه بأموالها الخاصة حتى وهي لا تملك المال الكافي لذلك.

بحثت من حولها فوجدت في نفسها الموهبة والاهتمام الكافي والدراية بشؤون أزياء النساء، فكان حلمها يقيم في مكان يعرفه الجميع من خلال محل لتجارة ألبسة النساء في واشنطن.

الفكرة كما هي لا إغراء ولا سحر فيها وهي تتطلب أموالا لا تملكها الفتاة التي تنهي سنتها الخامسة لتوها كموظفة لدى مصالح الحكومة في واشنطن.

عندها قال لها مستشار أعمال في لقاء على طرف أحد مقاهي العاصمة إنه من الصعب أن تطلق مشروعا تجاريا بحصيلة مالية لا تتعدى في أحسن الأحوال 20 ألف دولار. ما تريد تحقيقه يتطلب رقما ماليا يبدو كما هو مرسوم على الورق بالنسبة للموظفة الحكومية السابقة رقما فلكيا قياسا بإمكانياتها المحدودة.

نصيحة أخرى قالها المستشار وهو يودعها منصرفا إلى شؤونه "بهذا المبلغ تحتاجين إلى أن تكوني خلاقة لتحقيق حلمك في الحياة لأن الناس عادة ما تدهشهم الأفكار الخلاقة من حولهم وهو ما يثير اهتمامهم أكثر ويزيد من حجم الفضول بينهم وهو الأمر الذي سيساعدك على شق الطريق حتى لو كان مالك قليلا".

نامت "ليا" ذلك المساء وهي تبحث عن خيط أمل، ووجدت في تفكيرها طريقا سهلة إلى إطلاق متجرها الإلكتروني على شبكة الإنترنت وممارسة التجارة الإلكترونية لكن تجربة الشهور المتتالية لم تحقق للمرأة الحالمة بمشروع كبير سوى مداخيل قليلة جدا هي أبعد من أن تغطي مصاريف حياتها.

وهنا عادت إلى مخزون أفكارها مجددا أملا في الوصول إلى فكرة براقة تحقق لها التميز في المشروع الذي سيعوض الأزمة المالية التي تعانيها في سبيل تحقيق حلمها.

في ذلك الصباح وككل صباح تقضي الفتاة اليافعة مع قهوة الصباح بعض الوقت في تصفح مواقع التجارة والأعمال في واشنطن فوجدت مصالح البريد تضع واحدة من شاحناتها لحمل الرسائل والطرود للبيع في مزاد علني بسعر بدى لها أنه مغر جدا وهو الأمر الذي دفع ببريق فكرة لماعة إلى ذهنها في تلك اللحظة.

بدأت إجراءات الاتصال بالجهة المنظمة لتعرف موعد بيع الشاحنة وكان الحصول عليها و بأي سعر يستقر عليه المزاد أسمى غاياتها في تلك اللحظة وكان لها ما أرادت.

اختارت المرأة أن تخوض تجربة مختلفة في المدينة وهي أن تحول شاحنة البريد السابقة إلى محل متنقل لبيع أزياء النساء في واشنطن.

الفكرة براقة وغير مسبوقة وربما مجنونة في شوارع العاصمة الفيدرالية حيث تعود زوار وسكان واشنطن على رؤية شاحنات بيع المأكولات والمشروبات وحتى التذكارات من المدينة لكن أن يجد الناس في طريقهم وفي شوارعهم شاحنة متنقلة لبيع أزياء النساء ففي ذلك ما يثير الغرابة بالنسبة للسكان وللزوار على حد سواء .

هذا هو الإبداع الذي كانت تنشده المرأة وهي تريد أن تدخل عالم التجارة والأعمال. إنها تقدم للناس فكرة جديدة، وكثير من الناس يستهويه الإبداع في الأفكار أكثر مما يستهويه العمل المقدم.

كانت هذه هي القناعة التي سكنت تفكير ليا وهي تدخل مغامرتها المحسوبة الخطوات بعناية فائقة هذه المرة.اختارت اللون البني الفاتح وهو لون محبب إلى قلوب النساء كما تقول، واختارت الخط المميز لكتابة اسم محلها التجاري بالخط العريض وباللون الأسود.

هناك تفاصيل أخرى عليها أن تبحثها مع مسؤولي الأمن في المدينة من حيث المساحات المسموح لها بممارسة النشاط فيها خاصة أن الفكرة جديدة والمتعود عليه في المدينة هو أن مصالح الأمن تنظم المساحات المخصصة للشاحنات المتخصصة في بيع الطعام أما أن تتخصص شاحنة في بيع أزياء النساء فهذا أمر غير مسبوق.

وكان لها ما أرادت ووجدت المساعدة والتفهم لنشاطها. كل ذلك وهي تدرك أنها بصدد وضع قواعد جديدة لأسلوب جديد من التجارة في شوارع واشنطن.

كان الصباح في ذلك اليوم الخريفي في منتهى النعومة.. والخريف يزين واشنطن بأوراقه الغارقة في الاصفرار.

شقت طريقها إلى شاحنتها المركونة في حظيرة بيتها الخلفية وأطلقت محركها متجهة إلى المكان المخصص لها سلفا من قبل مصالح الأمن بعد أن أطلقت حملة واسعة على شبكة الإنترنت للترويج لفكرتها الجديدة.

وهي تفتح أبواب شاحنتها الخلفية تقول ليا إنها اختارت في الوقت ذاته أن تفتح ذراعيها لكل القادمات إليها وأن تجعل من مساحة الشاحنة مساحة محبة عميقة بينها وبين كل زبوناتها.

مضى الخريف والفكرة تجد الكثير من الرواج، والفضول يدفع كثيرا من الزبونات إلى اعتلاء شاحنة ليا والإطلاع على ما بداخلها وإبداء الإعجاب بالجرأة في الفكرة والخروج عن المألوف في تجسيد مشروعها.

السنة الأولى تقول عنها ليا إنها حققت لها أكثر مما توقعت من الأرباح. وهي تخوض سنتها الثانية استطاعت المرأة اليافعة بقليل من المال أن تلهم ثمانية نساء أخريات في مدن منطقة واشنطن الكبرى في أن يحذين حذوها ويصنعن طريق الحلم بأيديهن وبوسائل محدودة في طريق حلم كبير بدأ صغيرا لكنها لا تفقد إيمانها أنه سيكبر يوما وسيحقق أحلامها في النجاح في عالم الأعمال.

سنتان من عمر المشروع، وليا وشاحنتها أصبحتا وجهان مألوفان في العاصمة واشنطن، وهناك كثير من زوار المدينة من داخل أميركا ومن خارجها يجدون في شاحنة ليا مكانا لائقا بأخد صورة تذكارية كواحد من معالم المدينة.

وأنا أتحدث إلى ليا لم تتوقف عن التأكيد أن حلمها يتحقق في صورته الأولى وأنها تريد لهذا الاختلاف في عملها أن يكون قاعدة لنجاح كبير تتمناه لاحقا.

إنها تؤمن بالتجديد في الحياة، لذلك فهي تعرض على زبائنها كل أسبوع سلعا جديدة وفي كل مكان تعبره تعرض عليهم أدوات زينة جديدة، وهي في ذلك كله تقول إنها تؤمن بقوة الجمال في صناعة الحياة وفي قدرة ذلك الجمال الذي تريده على أن يجعل كل شيء من حولنا يظهر لنا بصورة مختلفة.

في تلك الساعات التي قضيتها مع ليا لم تتوقف النساء الزائرات للشاحنة عن إبداء الدهشة من الجرأة في تفكير ليا ولم يتوقفن عن النطق بكلمات الثناء والاعتراف بأنهن بصدد التعامل مع فكرة جديدة وغير مألوفة في حياتهن ومدينتهن.

إليزابيث لوباز، وهي أميركية من أصل لاتيني تعمل موظفة حكومية، كانت بالقرب من نافدة مكتبها عندما لمحت في طرف الطريق الشاحنة بلونها المميز وبعلامتها التجارية غير المألوفة أيضا فقررت أن تخصص بعضا من وقتها في استراحة الغذاء لزياة ليا والحديث إليها عن مشروعها .

"إنها فكرة رائعة بل مدهشة.. إننا هنا نجد متنفسا من زحمة العمل في ساعة الغداء.. إنها توفر علينا عناء التنقل إلى المحلات ونجد لديها الكثير من الأغراض التي تناسب ذوقنا في الزينة وتناسب مداخيلنا كموظفات حكوميات".

ماريا زبونة أصبحت دائمة على ليا تنتظر عبورها بالقرب من مقر عملها وعلى مر فصول السنة.. تأخذ منها ما تشتهيه من أغراض لباسها وزينتها.

تقول ماريا إن طموح ليا في العمل التجاري تجربة يمكن التعلم منها. إنها لم تتوقف عند الموانع المالية التي كان يمكن أن تحرمها من تحقيق النجاح الذي تحلم به لكنها لجأت إلى الابتكار في الفكرة والوسيلة والأداة لتحقيق ذاتها كما كانت تتمنى.. وفي ذلك كل السر الذي تحققه حتى الآن وكل الذي سوف يتحقق في حياتها لاحقا.

ودعت ليا وأنا أسمعها أمنياتي بالتوفيق والنجاح في مشروعها لكني في طريقي قلت لزميلي المصور: وحده الإنسان يقرر قدرته على صناعة مساره باعتماده الابتكار، وحينها فقط تعجز الوسائل المحدودة على الحد من قدرة الحالمين بالنجاح على صناعة نجاحهم حتى لوكانت المساحة هي الرصيف.

تذكرت في اللحظة قول واحدة من زبونات ليا: إنها امرأة آمنت بالحياة. قلت في إضافة عاجلة: حتى في حروف اللغة اختارت الحياة أن تكون أنثى.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG