Accessibility links

logo-print

الطبيب الذي يغسل أقدام المشردين


الصحفي رابح فيلالي رفقة الطبيب ويدرس

الصحفي رابح فيلالي رفقة الطبيب ويدرس

على طول الطريق الرابط بين واشنطن العاصمة وبيتسبورغ بولاية بنسلفانيا الممتد على مسافة أربع ساعات لم يتوقف الثلج عشن التساقط.

خلف زجاح السيارة وهي تقطع بنا هذه المسافة الطويلة سلسلة جبال طويلة جدا وجبال تفتح على أخرى فيما يملأ البياض المكان في لوحة يقول عنها زميلي المصور إنها مستقطعة من إبداع الله في سمائه.

القصة التي نسافر لأجلها شغلت تفكيري طول الرحلة.. إنها قصة ذلك الطبيب الذي اختار أن يكون في خدمة المشردين في مدينته، في رحلة امتدت لأكثر من 22 عاما.

كان مسارنا يزداد تعقيدا بسب الكثافة الهائلة للثلوج.

.أرجوك أن ترتدي لباسا متواضعا ليلة التصوير.
استذكرت رسالة لطيفة من الدكتور "جيم ويدرس" وهو يقول لي في منتهى الأدب "أرجوك أن ترتدي لباسا متواضعا ليلة التصوير" لأنه تعود أن يتواضع إلى أقصى الحدود في لباسه وهو يزور المشردين في ملاجئهم الخفية في زوايا المدينة المختلفة.

ذكرت نفسي وزميلي المصور برجاء الطبيب "ويدرس" واستلهمنا في اللحظة الكثير من المعاني التي أعانتنا على قطع بقية الطريق في سكينة و هدوء.

كان المساء قد بدأ يخيم على بيتسبورغ، ومياه نهر مونونغاهيلا الذي يتوسط المدينة قد تجمدت بالكامل جراء درجة الحرارة المنخفضة، كما هو الحال دوما في موسم المدينة الشتوي.

وأنا أدخل على الدكتور "ويدرس" مكتب جمعيته في قلب المدينة، يتواضع المكان في تفاصيله الصغيرة وفي أثاثه لكنه يكبر جدا في قلبك وفي عينيك وأنت تعرف قصة المكان الذي بني بإرادات أصحابه من أصدقاء و تلامذة الطبيب خلال فترة من الزمن امتدت لمدة تقارب الربع قرن.

سريعا يحتوينا الرجل بمحبة ظاهرة للعيان ويأخذنا إلى مكتبه في الطابق العلوي ويبادر إلى تحضير كؤوس الشاي. وبروح مرحة يقول إنه تعود على أن يستعين بالشاي على برد المدينة، خاصة في هذا الموسم الثلجي الذي يقول عنه كبار المدينة إنه واحد من المواسم الأكثر برودة في تاريخ "بيتسبورغ" منذ 50 سنة كاملة.

على وقع وعبق الشاي الذي كان يرتفع في سماء غرفة المكتب كانت الأصوات تصل مسامعي من الطابق السفلي لمشردين يراجعون الطبيب للسؤال عن خدمة أو لتحديد موعد فحص أو للاستفسار عن خدمة أخرى كالحصول على أثواب تقيهم البرد أو لمعرفة مواعيد التزويد بوجبات غدائية دافئة يستيعين بها هؤلاء الناس الذين دفعت بهم أقدارهم للحياة بعيدا عن بيوتهم وأهاليهم والحياة بدلا عن ذلك على أرصفة الطرقات وتحت الجسور وبالقرب من الجدران الدافئة.

في حركة مستمرة ودائبة بين طوابق المبنى الثلاث يتحرك الرجل متوقفا عند كثير من أسئلة المراجعين ومجيبا على رنين هاتف لايتوقف هو الآخر.

هذه هي المحطة الثانية في يوميات الدكتور ويدرس بعد المحطة الأولى التي يقضيها في الجامعة الطبية للمدينة العلمية حيث يقدم محاضراته لطلبة معهد الطب وهو الأستاذ المتخصص في الأمراض الداخلية.

نختار معا زاوية التصوير و مكانه، وقبل أن أباشر أسئلتي يسارع الرجل إلى التأكيد أنه ممتن جدا لوالدته التي ستبلغ في نيسان/إبريل المقبل 88 عاما.

"إنها مصدر كل المحبة التي تقيم بداخلي للإنسان"
يقول. ويشير إلى أن والدته الممرضة ووالده الطبيب قضيا فترات واسعة من حياتهم متنقلين كأطباء متطوعين في دول أميركا اللاتينية لمساعدة شعوبها على الشفاء من مخلفات الحروب في سبعينيات القرن الماضي.

هذه النافذة السريعة التي فتحها الطبيب "ويدرس" فتحت الطريق أمامي سريعا لأسأله إن كانت والدته تسمح بمقابلتها والحديث إلينا لأنني أرغب في تسجيل شهادتها على مشوار ابنها الطويل في استحداث نوع جديد من أنواع مهنة الطب. إنه طب الطرقات والأرصفة.

على عجل، جاءت الموافقة من الوالدة الكريمة في الطرف الآخر من المدينة ليتغير البرنامج فورا ونؤجل كأس شاينا وننخرط في الحوار الجدي مباشرة على أن نتناول كأس الشاي في حضرة الوالدة الكريمة لاحقا فدفء قلبها سيكون خير معين لنا على برد المدينة في جولتنا الليلية القادمة بعد حين من الآن.

"حدثني عن أول يوم فكرت فيه في مغادرة الحياة والانتقال إلى الأرصفة والطرقات لمساعدة المشردين ومحاولة ربطهم بالعالم الحقيقي من حولهم". كان هذا طلبي من الدكتور ويدرس.

يذهب الرجل بعيدا في ذاكرته وسؤالي يحاصره عن لحظة القرار الأولى وهي اللحظة الفارقة في المسار بكامله بكل تأكيد.

يصمت قليلا قبل أن يعتدل في جلسته ويقول لي إنه الإنشغال بفكرة المركز والهامش.

المركز من حوله في عيادته الطبية والمستشفى الذي يعمل فيه والجامعة التي يدرس فيها لكن نظره لم يكن يوما يقدر على تجاوز منظر أولئك النائمين على الرصيف في صمت.

يعود إلى بيته، إلى دفء زوجته وأطفاله الأربعة والسؤال بداخله عما يمكن أن يقدمه لهؤلاء وماذا يمكن أن يفعل لتكون حياتهم أفضل؟


بدأ الرحلة وهو يحاول الإجابة عن هذا السؤال قبل أن يرمي بالسؤال إلى صديق طفولته "مايكل" وهو الذي يشاركه الرحلة كاملة حتى اللحظة، لكن لمايكل تجربة سابقة عبر من خلالها الحياة على الرصيف ليقرر بعدها أن يكون هو دليل الدكتور "ويدرس" في هذه المغامرة غير محسوبة العواقب حينذاك.

نزل الرجل إلى المساحات المظلمة والزوايا البعيدة عن الأنظار والمحاصرة بالإهمال والبرد الدائم في سرية كاملة.

مايكل أفهم صديقه وشريكه أن الذهاب إلى المشردين بلباس أنيق سيكون اعتداء على مشاعرهم ومن هنا بدأت فكرة أخرى هي أن يبدأ الطبيب صاحب البدلات الأنيقة نهارا في ارتداء لباس المشردين ليلا وتبدأ مع هذه اللحظة ازدواجية أخرى.. فقد اختار الطبيب والصديق للتجربة أن تكون سرية في بدايتها إلى أن انكشف أمرهما لاحقا من ممرضة زميلة تعمل بنفس المستشفى لتقول للطبيب إنها عرفت بجولاته الليلية اليومية وإنها فخورة بما يعمله وأكثر من ذلك تفجر مفاجأة مدوية وهي تخبره برغبتها في مشاركته هذا العمل الخيري.

كانت تلك أول ليلة ينزل فيها الطبيب إلى تحت الجسر الذي يتوسط المدينة بمعية دليله الصديق مايكل ومساعدته الممرضة التي شكل حضورها لحظة لافتة ومتدفقة المعاني بالنسبة للمشردين وهم يخبرونها أنهم الآن يجدون في حضورها إعادة اعتبار لإنسانيتهم لأن الناس تنظر إليهم من فوق الجسر على أنهم مصدر لجميع الأخطار و على أنهم أشرار لكن حضور امراة لمساعدتهم ومداواتهم أعاد الإعتبار لمشاعرهم الإنسانية الدفينة والعميقة وعزز من يقينهم بجدوى الاستجابة لعلاج الدكتور "ويدرس" وانتظار مواعيد قدومه في نهاية كل مساء.

سقطت أول الحواجز في مسيرة طبيب المشردين. هناك امرأة تختار أن تكون داعمة له في هذه المغامرة الجريئة وسقط غطاء السرية عن مشروعه
وبدأ الحديث في بيوت ومتاجر المدينة عن الطبيب الذي ينزل كل مساء عند الساعة السابعة وفي كل المواسم وفي كل حالات تقلبات الجو إلى ما تحت الجسر ليداوي المشردين.

كبر الاستحسان للفكرة في المدينة وبدأ السؤال الأكثر حيرة من زملاء وزميلات المهنة عن الجرأة التي يملكها زميل بالذهاب إلى هذا العالم الذي يبدو من بعيد أنه مثير للمخاوف ومزدحم بالمحاذير.

عندما كان زملاء المهنة يطرحون هذا النوع من الأسئلة كان الدكتور ويدرس قد أصبح بمثابة الابن للمشردين المسنين أو الأخ لآخرين وأكثر من ذلك رمزا للسلام لآخرين كثيرين في هذا العالم الذي يعيش على إيقاع آخر غير الإيقاع الذي تعرفه بقية المدينة.

.. هذا ما يقول لي الدكتور ويدرس وأنا أسأله عن أكثر اللحظات تحريكا لمشاعره التي عاشها في هذه الرحلة.

يستعيد معي الذاكرة البعيدة ويحدثني عن ذلك العجوز الثمانيني الذي كان يناديه تحببا بـ"جيمي" ويعامله على أنه الابن الأقرب إلى قلبه ويخبئ له هدية أعياد الميلاد والتي كانت عبارة عن ورقة نقدية بـ50 دولارا ويرجوه أن يشتري بها ما يحب قلبه.

يقول لي عن الأب "مارثن" إنه كان عسكريا سابقا في البحرية الأميركية و عازف موسيقي جيد وصاحب صوت غنائي جميل جدا يطرب له كل من يستمع له. عبر ظروفا قاسية جدا ماديا واجتماعيا انتهت به أخيرا إلى حياة الأرصفة والطرقات.

اختار الرجل بعد صدماته العديدة أن يعيش بين القمامة في محاولة منه للتعبير عن عدم جدواه في الحياة.

فشلت كل محاولات إخراجه من هناك من قبل الدكتور ويدرس ومساعديه إلى أن اقترح الطبيب على مساعديه تنظيف المكان الذي اختاره العجوز للحياة فيه.

شعر العجوز بجدواه وأن هناك من يحبه بحالته الطبيعية ففتح قلبه لأول مرة وأظهر صورا لأفراد عائلته كان يخفيها بين القمامة وهناك عاجله الطبيب بضرورة نقله إلى العيادة حتى يتمكن من مساعدته على التحسن صحيا.

استجاب العجوز بصعوبة كبيرة وهناك أعاد اكتشاف الحياة على طبيعتها. هناك دفء وسؤال واهتمام من الآخرين.

كانت تلك هي الخطوة الأولى في طريق استعادة الرجل من الهامش إلى قلب الحياة في المدينة قبل أن يستأجر له بيتا ويعود إلى أصدقائه في المدينة. ويسأل الطبيب لاحقا وهو يأخده لاستعادة صوره من مخبئها كيف يمكن لإنسان أن يعيش بين هذا الركام من الفضلات والمهملات.

إنها اللحظة الفارقة في تجربته وهو ينقل صديقه العجوز إلى مرحلة إدراك الحياة من حوله مجددا
يقول لي الدكتور "ويدرس" إنها اللحظة الفارقة في تجربته وهو ينقل صديقه العجوز إلى مرحلة إدراك الحياة من حوله مجددا لتكون مكافأته ورقة نقدية بخمسين دولار مرة أخرى في عيد الميلاد الموالي.
لكن غياب "ويدرس" عن المدينة في مهمة عمل لمدة فاقت الشهر عجلت بوفاة الشيخ العجوز الذي عاد إلى تشرده في صدمة أخيرة من الحياة قبل أن يتعرف مساعدو الطبيب على جثته ذات صباح وهي هامدة على رصيف النهر. لكن الدكتور اختار لحظتها أن يكرم روحه هو وكل المشردين الذين ماتوا على أرصفة الهامش والإهمال بطريقته الخاصة.
هذا ما سأرويه في مقالي القادم..
  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG