Accessibility links

إصلاح نظام الهجرة الأميركي.. خطة تاريخية أم إبعاد مؤقت لشبح الترحيل؟


مهاجر غير شرعي في الولايات المتحدة

مهاجر غير شرعي في الولايات المتحدة

هاجر إلى الولايات المتحدة في تسعينيات القرن الماضي وشغف الشباب يدفعه نحو المجهول المحفوف بالمفاجآت. ارتمى في أحضان الحلم الأميركي. تهيأ له أن بإمكانه صنع المستحيل لمجرد أن قدميه وطأتا أرض الولايات المتحدة. أتى إلى هذه البلاد زائرا ليصبح بعد ما يناهز العقدين مهاجرا غير شرعي.

لم يعد حاتم ذلك الشاب التونسي الحالم الطموح. فما تكبده من صعوبات العيش في وضعية غير قانونية في بلاد العم سام ألحق به ضررا جسديا ومعنويا، لكنه مستمر في تحمل المشاق لإعالة طفلته الصغيرة التي رأت النور في أميركا.

من أجل مساعدة أشخاص مثل حاتم على الحصول على وضعية قانونية، أعلن الرئيس باراك أوباما نهاية تشرين الثاني/نوفمبر إصلاحا لنظام الهجرة يستهدف حوالي خمسة ملايين مهاجر غير قانوني في الولايات المتحدة.

إصلاح يبدو كطوق نجاة للخلاص مما تعانيه شرائح واسعة من المهاجرين غير الشرعيين من استغلال وخوف من شبح الترحيل.

مهاجر غير شرعي.. استغلال ورعب

رغم كل الترسانة القانونية والحقوق والحريات التي توفرها الولايات المتحدة، فذلك لا يغير شيئا بالنسبة للمهاجرين غير الشرعيين في البلاد الذين لا يستفيدون من هذه الحقوق.

يقول حاتم إن أول ما يواجهه المهاجر في وضعية غير قانونية هو إستغلال أرباب المقنع للموظفين المهاجرين من هذه الفئة مقابل أجر أقل بكثير مما هو معمول به في سوق العمل.

أتعرض للاستغلال من قبل المشغل لكنني مضطر للرضوخ مخافة الترحيل من الولايات المتحدة

"يستغل المشغل وضعك القانوني لإرغامك على القيام بأعمال لا تدخل في إطار وظيفتك والعمل لساعات طوال"، يقول حاتم.

الاستغلال واضح، لكن ليس أمام حاتم وأمثاله سوى الرضوخ إلى الأمر الواقع وقبول أي شيء مقابل تكتم المشغل الذي يمكنه في أي لحظة إشعار مصلحة الهجرة التي لن تتوانى عن ترحيل أي مهاجر غير قانوني إلى خارج الولايات المتحدة. وهكذا، يصبح الخوف من الترحيل هاجسا يوميا يلازم هؤلاء المهاجرين.

بالنسبة لحاتم، تحول الخوف إلى رعب من الابتعاد عن ابنته التي لم تتجاوز بعد التسع سنوات والتي تكفل برعايتها بعد انفصاله عن أمها.

"أحرص على عدم ارتكاب أي خطأ مهما كان صغيرا لأنه قد يكلفني غاليا، فقد يتم ترحيلي من البلاد. وحينها ماذا سيحل بابنتي؟"، يقول حاتم.

"وضعية هشة"

وفي هذا السياق، يوضح المحامي المختص في شؤون الهجرة كمال الصاحب أن الوضعية الهشة للمهاجرين غير القانونيين تجعلهم عرضة لصعوبات جمة في كل مناحي الحياة.

ويقول الصاحب: "يتعرض المهاجرون للاستغلال من قبل مشغليهم، البعض منهم يتعرض للاعتداء في ولايات مثلا أريزونا لكن لا يمكنهم تقديم شكوى للشرطة مخافة الترحيل".

ويتوقف الصاحب عند أهم مشكل يمكن أن يواجهه أطفال هؤلاء المهاجرين المولودين خارج الولايات المتحدة ألا وهو الدراسة. لا يمكن لهذه الفئة متابعة الدراسة الجامعية نظرا لارتفاع التكاليف ولا يمكنهم الاستفادة من أي دعم حكومي أو قرض أو منحة.

تجدر الإشارة إلى أن المشكل لا يطرح بالنسبة للتعليمين الابتدائي والثانوي إذ أن لكل طفل الحق في التعليم المدرسي بغض النظر عن وضعه القانوني في البلاد.

ويضيف الصاحب أنه ليس من حق المهاجرين غير القانونيين حتى الحصول على رخصة قيادة، وهو ما يشكل عبئا كبيرا خاصة في المناطق القروية حيث لا وجود لوسائل النقل العمومية.

ماذا يحمل الإصلاح الجديد؟

تخول الخطة التي أعلن عنها الرئيس أوباما للملايين من المهاجرين غير القانونيين الحصول على تصاريح عمل لثلاث سنوات قابلة للتجديد ولكنها لا تعطيهم الحق في الحصول على الإقامة الدائمة أو الجنسية الأميركية أو إمكانية الحصول على مساعدات حكومية.

ومن المرتقب أن يستفيد من هذا الإصلاح الآباء غير المسجلين الذين يحمل أبناؤهم الجنسية الأميركية أو الإقامة الدائمة والذين حضروا إلى الولايات المتحدة منذ ما لا يقل عن خمس سنوات.

خطة أوباما ستخول للمهاجرين غير القانونيين فرصة التمتع بحياة عادية دون الخوف من الترحيل

ومن بين المستفيدين كذلك المهاجرون الذين كانوا أطفالا عند وصولهم إلى الولايات المتحدة وذلك قبل 2010.

وبرأي المحامي كمال الصاحب، الذي كان إلى عهد قريب من فئة المهاجرين غير القانونيين، تعتبر خطة أوباما تاريخية ومن شأنها أن تغير واقع المهاجرين غير القانونيين.

"فعلا، لا تخول هذه الخطة الجنسية أو الإقامة الدائمة لهؤلاء المهاجرين، لكنها ستمنحهم فرصة التمتع بحياة عادية دون الخوف من الترحيل"، يذكر الصاحب، مشيرا إلى أن الإصلاح سيمكن المهاجرين كذلك من الولوج إلى الجامعة والمساهمة بشكل فعال في المجتمع ومن دفع ضرائبهم، ما سيعود بالنفع على المجتمع ككل.

من الممكن لحاتم الاستفادة من خطة أوباما ولكن أكثر من 5.8 مليون مهاجر لا يشملهم هذا الإصلاح لعدم استيفائهم للشروط المطلوبة.

وحسبما أفاد به مركز الأبحاث بيو، فإن 96 بالمئة ممن لا يمكنهم الاستفادة من الإصلاح ليس لديهم أطفال ولدوا في الولايات المتحدة و60 بالمئة منهم غير متزوجين.

ويستثنى من الخطة كذلك قرابة 350 ألف قاصر وصلوا حديثا إلى الولايات المتحدة.

وكان الرئيس باراك أوباما قد لفت الانتباه إلى أن عمليات الترحيل ستركز حاليا على "المجرمين وليس العائلات ولا الأطفال، وأفراد العصابات وليس الأمهات اللاتي يحاولن مساعدة أبنائهن".

وللإشارة، تم ترحيل 370.000 ألف مهاجر غير شرعي من الولايات المتحدة خلال سنة 2013.

خطة مثيرة للجدل

لم يشهد نظام الهجرة في أميركا إصلاحا بهذا الحجم منذ أن أصدر الرئيس الراحل رونالد ريغن سنة 1986 قرارا يمنع فيه تشتت الأسر المهاجرة، ليسمح للذين دخلوا بطريقة غير مشروعة البلاد قبل عام 1982 من البقاء مع أسرهم. وتم وقتها تسوية وضعية ثلاثة ملايين شخص.

370 ألف مهاجر غير شرعي رحلوا من الولايات المتحدة سنة 2013

لكن ليس كل الأميركيين ينظرون بعين الرضى إلى هذا التغيير لا سيما النواب الجمهوريون الذي يعتبرون أن مثل هذه الإجراءات من شأنها أن تشجع المزيد من الأشخاص على القدوم إلى الولايات المتحدة بصورة غير قانونية.

وفي سياق الرفض لخطة الرئيس أوباما، أقر مجلس النواب الذي يسيطر عليه الجمهوريون الخميس الماضي مشروع قانون يحجم الترخيص الذي يمنحه الإصلاح الجديد لبعض المهاجرين غير القانونيين لحمايتهم من الترحيل.

وكان مجلس النواب قد أعاق في السابق مشروع قانون كان يوفر سبيلا للحصول على الجنسية لملايين المهاجرين غير المسجلين.

وبعد أن تعهد الرئيس أوباما بالمضي قدما في إصلاح قانون الهجرة رغم معارضة الكونغرس، دان رئيس مجلس النواب السيناتور الجمهوري جون بونر استخدام الرئيس لسلطاته التنفيذية لإجراء هذا الإصلاح.

وقال زعيم المحافظين إن اجراء أوباما يخرب أي فرصة لأي اصلاحات تتم باتفاق الحزبين الديمقراطي والجمهوري وتضر بالرئاسة ذاتها. وأضاف بونر أن أوباما تصرف بصورة منفردة "كما لو كان ملكا أو إمبراطورا" وليس عبر عملية ديمقراطية.

الانتقادات الموجهة لإصلاح نظام الهجرة لا تصدر عن الجمهوريين فقط بل حتى من قبل بعض المهاجرين الذين كانوا يرتقبون أكثر من مجرد ترخيص عمل.

حاتم واحد من بين هؤلاء.. الإصلاح الذي طرحه الرئيس أوباما بالنسبة له مجرد فرج مؤقت قبل أن يعود الوضع إلى سابق عهده ويتسلل الخوف من جديد إلى حياته اليومية.

  • 16x9 Image

    حنان براي

    حنان براي صحافية بالقسم الرقمي لشبكة الشرق الأوسط للإرسال والذي يشرف على موقعي قناة "الحرة" و "راديو سوا". حصلت حنان على شهادة الماجستير في الترجمة من مدرسة الملك فهد العليا للترجمة بمدينة طنجة المغربية، وعلى شهادة البكالوريوس في اللسانيات.
    عملت حنان صحافية منذ سنة 2001 بوكالة المغرب العربي للأنباء بالرباط، قبل أن تلتحق بمكتب الوكالة في لندن حيث غطت عددا من الأحداث والتظاهرات الدولية والمحلية.

XS
SM
MD
LG