Accessibility links

اصنع جميلا وانصرف


صورة عائلية للرئيس باراك أوباما مع والدته وزوجها وابنتهما

صورة عائلية للرئيس باراك أوباما مع والدته وزوجها وابنتهما

في ذلك الصيف، كان الحر شديدا في واشنطن كالعادة. كنت حينها أبحث عن قصة صحافية مثيرة في شهر آب/أغسطس الذي تهدأ فيه في العادة الحياة السياسية، بعد أن يغادر الرئيس في إجازته السنوية ويعطل أعضاء الكونغرس وتفضل أغلب مراكز الأبحاث أن تحافظ على الحد الأدنى من نشاطها.

كان أوباما يقضي صيفه الأول في البيت الأبيض وينعم ببعض الهدوء في أولى إجازاته السنوية كرئيس بعد حملة انتخابية مرهقة جدا وعاصفة.

في قلب ذلك الصمت الصيفي تناهى إلى مسامعي أن متحف النسيج بصدد التحضير لمعرض خاص سيكون مثيرا للاهتمام. إنه معرض للأثواب التي اقتنتها والدة الرئيس باراك أوباما بعد زواجها الثاني في أندونيسا.

تقول تفاصيل القصة إن الراحلة، والدة أول رئيس من أصل إفريقي، أعجبت خلال فترة حياتها في أندونيسيا كثيرا بخياطة الأثواب من قبل النساء الأندونيسيات، ولأن أغلب هذه العائلات كانت تعاني من محدودية الدخل وقلة موارد الحياة فقد كانت السيدة الراحلة تسعى إلى مساعدتها من خلال جمع هذه الأثواب وإعادة بيعها لنساء أميركيات عند قدومها في إجازاتها السنوية لزيارة عائلتها.

هؤلاء النسوة ما زلن يحتفظن بتلك الأثواب بعد 30 سنة. وعند وصول الابن باراك إلى البيت الأبيض، قررت واحدة من المهتمات بجمع قطع النسيج النادرة أن تنظم هذا المعرض تكريما لجهد السيدة "آن" وترسيخا لتلك القيمة العظيمة التي عاشتها الراحلة وهي تحاول أن تجد طريقة لمساعدة عائلات أندونيسية كانت وربما لا تزال تعاني من صعوبة في تحقيق مداخيل إضافية لتحسين ظروف حياتها.

تؤكد "ماتيبال غينتجر" وهي صاحبة المبادرة ورئيسة المعرض العابر لعدة ولايات أميركية قبل أن ينقل إلى العاصمة الأندونيسية "جاكرتا" للاحتفاء به هناك من قبل عموم الأندونيسيين، خاصة أولئك النسوة اللواتي قمن بخياطة تلك الأثواب قبل عقود من الزمن، لكن هذه المرة بمشاعر مختلفة تماما لأن هذه الأثواب تعود مرة أخرى لتلامس أصابع خياطيها. وثانيا إن التعامل مع القصة سيكون بمشاعر مختلفة تماما هذه المرة، وذلك الطفل الذي كان يصحب أمه في تنقلاتها تلك في بيوت العائلات الأندونيسية الفقيرة هو "باراك أوباما" رئيس أميركا.

تقول "ماتيبال" إنها حرصت وبالتعاون مع نساء أخريات على جمع هذه القطع وعملت لأجل ذلك لأوقات طويلة. وتنقلت بين عدة ولايات أميركية لكنها بكثير من التصميم وبمعية شريكاتها الأخريات نجحت في جمع هذه القطع وإقامة هذا المعرض وهي في غاية السعادة. وسبب سعادتها أن المعرض وجد قبولا جميلا وإقبالا كبيرا بين الأميركيين في جميع الولايات التي احتضنته، مؤكدة أنها تتطلع بكثير من الشوق لرؤية رد فعل النساء الأندونيسيات العاملات على هذه القطع قبل فترة غير بسيطة من الزمن.

تقول "ماتيبال" هذه الكلمات وهي تجوب بين زوايا المعرض وتحرص على تقديم ما يكفي من المعلومات عن كل قطعة وحكاية كل واحدة منها من خلال تلك القصص التي جمعتها من النساء صاحبات الأثواب ومن خلال ما دونته الأخت غير الشقيقة للرئيس أوباما.

"ماتيبال" وهي تتحدث بإعجاب عميق عن نبل نية صاحبة المبادرة الأصلية بإطلاق هذه المساعدة للنساء الأندونيسيات وكيف عملت في هذا المسعى وهي قطعا لا تعرف كيف يمكن للتاريخ أن يحقق لها هذا التكريم الإنساني لجهدها من بعد رحيلها.

تضيف "ماتيبال" أنها مأخودة بروح تلك المرأة التي فكرت وخططت ونفدت هذه الفكرة وأنها وجدت في سيرتها تلك الروح المنفتحة على العالم وعلى رعاية ومساعدة الآخرين. ولذلك فلقد جعلت من فترة حياتها في أندونيسيا مع زوجها الثاني فرصة لتمد جسورا من التواصل بين شعبين ونمطي حياة مختلفين تماما وبين بلدين يقعان في قارتين متباعدتين. ونجحت في ذلك من خلال وسيلة فتحت فيها أعين النساء الأميركيات على فن مختلف للخياطة. وفتحت في المقابل مصدر دخل جديد لنساء يتطلعن إلى الأفضل في حياتهن.

تقول "ماتيبال" إن الراحلة عملت كثيرا لأجل مساعدة نساء أميركيات أخريات في مناطق مختلفة في ريف الولايات المتحدة من خلال دعمهن في مشاريع صغيرة لتحسين دخلهن ورعاية أطفالهن.

إنها الروح التي اختارت أن تعيش خارج حدود الذات وأصرت دوما على أن تمد جسورا من التواصل مع الآخرين ضمن منظومة قيم تهدف إلى تحسين ظروف حياة الناس إلى الأفضل.

تقوم بهذه المناسبة الأخت غير الشقيقة للرئيس أوباما وهي المولودة من الزوج الأندونيسي برعاية هذه المنسوجات والتنسيق مع سفارة أندونيسيا في واشنطن لأجل جعل المعرض يعبر أكثر من مدينة أندونيسية واحدة وهي في ذلك تكرم جهود والدتها في سبيل تحقيق التواصل بين وطنين، وطنها الأصلي الولايات المتحدة ووطن زوجها الثاني أندونيسيا.

في المعرض، يحضر الإعجاب في عيون الزائرين ويكبر التقدير في حديثهم عن المبادرة. ويقول أميركيون من أصل أندونيسي إنهم في غاية الفخر بهذه التجربة الإنسانية الراقية وكيف تحققت في فترة من الزمن ويجدون في المعرض فرصة للأميركيين من أعراق أخرى للاطلاع على إبداع النساء الأندونيسيات في خياطة أثوابهن وفي صناعة زينتهن. وفي ذلك نافدة أخرى تزيد من اعتزازهن بالانتماء المزدوج إلى البلدين وإلى المجتمعين وإلى الثقافتين. ويزداد فخرهن عظمة وهن يرين الابن باراك أوباما الذي قضى جزءا من طفو لته بينهن في أندونيسيا رئيسا للولايات المتحدة وهو ما يزيد في معاني هذه المعرض عمقا.

تنقلت عيناي كثيرا بين لوحات القماش المعلقة على جدران متحف النسيج وأخدت نفسا عميقا وأعدت ترتيب أفكاري في هدوء وفي سكينة المعنى الذي عاشت لأجله صاحبة المباردة. ووجدت في تفكيري أن المرأة وهي تنفد مسعاها ذلك لم تكن تدرك ولو للحظة عابرة أن ذلك الطفل الذي ير افقها في رحلة العبور من أميركا إلى أندونيسا سيكون رئيسا في يوم ما وأنها لم تكن أيضا وقطعا تعرف أن التاريخ سوف يحتفل بمسعاها ولو من بعد عقود من الزمن.

وجدتني أنساق مع حالة روحية عميقة ملأت تفكيري ومشاعري في اللحظة إياها وأنا أقف أمام صورة تتوسط فيها السيدة "آن" عائلتها المشكلة من مزيج حضاري وثقافي إنساني عميق.. ذلك الولد من أب افريقي وذلك الزوج الأندونيسي ومولودته الأخت غير الشقيقة لباراك.

رحلت السيدة " آن" إلى جوار ربها بعد أن حققت غاياتها الإنسانية النبيلة وبات ابنها رئيسا لأميركا. ربما قالت لنا هذه التجربة الانسانية المزدحمة المعاني "اصنع جميلا وانصرف".

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG