Accessibility links

هكذا تقول أحدث دراسة، أصدرها مركز دراسات الهجرة بواشنطن بإشارته إلى أنه وَجد خلال الـ10 سنوات الأخيرة أن اللغة العربية هي اللغة الأسرع نموا في الولايات المتحدة.

وراء ذلك، كما تقول رئيسة قسم الاتصال الخارجي بالمعهد، أسباب عدة: أولها، استقدام الولايات المتحدة لمزيد من اللاجئين من الدول العربية والإسلامية بعدد يصل إلى 200 ألف لاجئ سنويا. وهؤلاء يحملون معهم أفراد عائلاتهم، من أجيال مختلفة، مما يجعل التمسك بالحديث باللغة العربية مسألة شائعة في بيوت هؤلاء المهاجرين إلى أميركا حديثا.

سبب آخر، تقول المسؤولة الأميركية، يتمثل في حرص العائلات العربية والمسلمة على تدريس أبنائها اللغة العربية في مدارس نهاية الأسبوع، من خلال تلك الخدمة التي تقدمها المراكز الإسلامية والمساجد ومراكز تعليم اللغات. وهذا عامل تجد فيه العائلات فرصة لترسيم العلاقة بين الجيل الجديد من أبنائها الذي ولد ويعيش في المهجر والجذور الثقافية للعائلات. بل، إنها ترى فيه إضافة نوعية لشخصية أبنائها، بإتاحة الفرصة لهم للتزود من أكثر من مصدر حضاري وثقافي واحد.

ليست هذه هي كل الأسباب التي يجدها المركز المهتم بدراسة واقع الهجرة إلى الولايات المتحدة. هناك سبب آخر يتعلق باهتمام كثير من الأميركيين، من أصول أخرى، بتعلم اللغة العربية، خاصة منهم أولئك الشغوفون بنمط الحياة الاجتماعية والثقافية في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وأولئك الباحثون عن فرصة عمل أو تجارب ديبلوماسية في هذا الجزء من العالم.

جعلت هذه الأسباب، علاوة على كون المسلمين في العقدين الأخيرين هم الأكثر قدوما للولايات المتحدة، اللغة العربية تسجل أعلى نمو للغة أجنبية في أميركا، بنسبة 29 في المئة، متقدمة على لغات أخرى تسجل نوما ملحوظا بدورها، مثل "الأردو" بنسبة 23 في المئة، إضافة إلى الاستخدام المتزايد للفارسية بنسبة تسعة في المئة.

إشارة أخرى، وردت عن المسؤولة الأميركية وهي تتحدث عن أسباب ارتفاع معدلات استخدام اللغة العربية في الولايات المتحدة، تتمثل في لجوء العائلات العربية، بعد استقرار أحد أفرادها في أميركا، إلى اعتماد أسلوب لم الشمل العائلي، إذ تستقدم المزيد من أفرادها للعيش في البلد، أو من خلال برنامج استضافة أعضاء آخرين من الأسرة الكبيرة، وهي حقوق مسموح بها للعائلات المهاجرة إلى الولايات المتحدة .

هذه الدراسة جسدت حقيقة كانت الحياة اليومية تؤكدها باستمرار في شوارع وأحياء العاصمة واشنطن وما جاورها من مدن الساحل الشرقي، وذلك من خلال العلامات التجارية للمحلات العربية في أكثر من مركز تجاري واحد والانتشار الواسع للمراكز الإسلامية في أنحاء المدينة. وهو أمر سجلته دراسة سابقة بالقول إن مساجد المسلمين في أميركا عرفت نموا ملحوظا خلال الـ10 سنوات الأخيرة، أي خلال الفترة التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر/ أيلول 2001.

شكرتُ السيدة كاثرين ماسيس، وأنا أغادر المركز في قلب واشنطن لأقطع المسافة باتجاه الجزء الشمالي من فرجينيا على الطرف الآخر من نهر بوتوماك، لأدرك موعدا مسبقا مع الدكتور أبو بكر أبي سرور، الأكاديمي المغربي والخبير المتقاعد من صندوق النقد الدولي، بعد قضائه 35 سنة في خدمة هذه المؤسسة المالية الدولية. وتولى أبو سرور الآن تعليم أبناء المهاجرين اللغة العربية من خلال مؤسسته أكاديمية ابن خلدون.

أبوبكر اختار، بعد تقاعده المبكر، أن يخوض تجربة إنشاء أكاديمية ابن خلدون في منطقة واشنطن الكبرى لتدريس اللغة العربية لأبناء المهاجرين من مواطنيه المغاربة وبقية العرب والمسلمين، ومن الأميركيين الراغبين في تعلم اللغة العربية، وفتح نوافد تواصل مع ثقافات العرب ونماط حياتهم اليومي، وهم كثيرون جدا في الولايات المتحدة.

يقول أبوبكر عن هذه التجربة، التي تكبر وتحقق نجاحات متزايدة في الخمس سنوات الأخيرة، إنه خاض هذه المبادرة بعد تجربة شخصية، مع زوجته، في تربية أبنائهما بواشنطن وتدريسهم اللغة العربية في البيت بمجهود شخصي. ووجد في ذلك نجاحا أسعد قلبه، ومن ثمة فكر في أن يخرج تجربته العائلية، ليشارك الآخرين فرصة تجميع أبناء الجالية في مكان واحد وتمكينهم من فرصة اللقاء والتعارف، ومدهم بفرصة تعلم اللغة العربية وأصول الثقافة التي ينحدرون منها، إضافة إلى فرصة أخرى لتعلم اللغة الفرنسية ذات الرواج الكبير بين سكان منطقة شمال أفريقيا.

أبوبكر هو حالة من آلاف العائلات من أصول شرقية وأفريقية وآسيوية تصحب أطفالها إلى مدارس نهاية الأسبوع في المساجد أو المراكز أو النوادي الاجتماعية لتعلم اللغة العربية وفنون أخرى في الحياة لها علاقة مباشرة بموطن الآباء والأجداد.

تقول هذه العائلات، وأنا أتحدث إليها في مناسبات مختلفة عن قوة هذا التمسك، إنها تشعر بحالة من الحريات الحقيقية في ممارساتها لعقيدتها وفي اجتهادها في الحفاظ على هويتها الثقافية والاجتماعية، من خلال مد أبنائها بهذا الرافد الثقافي الذي تجد فيه إغناء لحياتهم في أميركا وإضافة نوعية إلى المشهد الثقافي والاجتماعي الأميركي الذي يقوم على أساس التنوع. وأكثر من ذلك، يحترم اختلاف الآخرين وتمسكهم بهوياتهم الأصلية داخل منظومة القيم المشتركة بين جميع الأميركيين على اختلاف أعراقهم وجذورهم .

وما يعزز هذا التوجه هو أن كثيرا من المدارس الحكومية تسمح لأبناء المهاجرين بدراسة اللغة العربية في مناهجها المدرسية إضافة إلى لغات أخرى، لا سيما أن هذه اللغات ستسمح بموقع تنافسي دائم للولايات المتحدة في الأسواق التجارية العالمية، زيادة على كونها ستسمح بفتح أبواب الحصول على مزيد من الوظائف لخريجيها من الطلبة الأميركيين العرب والأميركيين المسلمين.

هذه الحقائق ازدادت بريقا في تفكيري، وأنا أتذكر أجمل ما كتب في الأدب العربي للمهاجرين الأوائل إلى الولايات المتحدة من الكتاب العرب، وإسهامهم العظيم في التاريخين العربي والأميركي. بل، إن بعضهم كان علامة فارقة في النص العربي، بما خطه من روح وما سجله من معان استوحى كثيرا منها من رصيد التنوع الإنساني والثقافي في التجربة الأميركية، تماما كما فعل الفيلسوف والشاعر الكبير جبران خليل جبران الذي تقيم له العاصمة واشنطن تمثالا في واحد من أطراف المدينة الساحرة بهاء وجمالا.

لذلك، عندما فكرت في عنوان لهذا المقال وجدت أن القول بأن "أميركا تتكلم عربي" يدعو إلى الدهشة، لقارئه، للوهلة الأولى، لكني وجدت أيضا أن سياق هذه التفاصيل يجعل من العنوان مشروعا جدا، بل ومناسبا جدا لهذه الحقائق القائمة في الحياة اليومية لملايين العرب والمسلمين الأميركيين الحريصين على تحقيق مبدأ المزاوجة بين جذورهم الثقافية ومواطنتهم الأميركية، في أجمل الصور الممكنة.

كثير من العائلات يحقق أطفالها تقدما جيدا في تعلم اللغة العربية وفنون عربية مستقدمة من تلك الأوطان البعيدة في جغرافيتها والمقيمة في قلوب أبنائها، حتى وإن امتد الزمن بعيدا، كما يبدو، بحساب سنوات الإقامة بعيدا عن تلك الأوطان، إلا أن ذلك الحرص يبدو واضحا في التمسك بممارسات الحياة اليومية من حياة العرب الأميركيين.

وجميع ذلك يظهر جليا من خلال التمسك بنوعية الأطباق المحضرة في البيوت والمقدمة في المناسبات، وأكثر من ذلك في جعل الجيل الجديد من العرب الأميركيين خير سفير للثقافة العربية في الولايات المتحدة، وكذلك خير سفير للثقافة والقيم الأميركية في موطن الأجداد والآباء. وتلك هي القيمة الحقيقية للتنوع الثقافي في حياة الإنسان، والتي تزيده حتما ثراء، تنوعا وغنى، وتحقق أجمل صور التواصل مع الآخر.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG