Accessibility links

سميرة حسين.. أميركية عربية تعيش لأجل الآخرين


سميرة حسين أثناء تكريمها في البيت الأبيض، تصافح السيدة الأولى آنذاك هيلاري كلينتون

الحياة تبدو تجربة مغرية ومتسعة الآفاق، ونحن نعيشها خارج الذات ولأجل الآخرين، خاصة إذا كان هذا الآخر نلتقي به ومعه في معنى إنساني واسع جدا، يتجاوز كل التصنيفات التقليدية، من دين ولغة وعرق.

هذا المعنى ملأ تفكيري، وأنا أتابع مسيرة الناشطة الحقوقية الأميركية من أصل عربي سميرة حسين في أكثر من مناسبة في منطقة واشنطن الكبرى. فالأم لأربعة أطفال والزوجة والموظفة الحكومية تجد في حياتها متسعا كافيا ودائما من الوقت والاهتمام والمتابعة والمحبة لقضايا جميع الذين من حولها في ولاية ميريلاند حيث تقيم منذ فترة تقارب الـ30 عاما.

لذلك ليس غريبا أن تجد هذه الناشطة الحقوقية تستقبلك بابتسامتها الواسعة ووجه هادئ دوما وصوت عميق، في كل مناسبة تقيمها الأقليات على اختلاف أديانها وأعراقها في ولاية ميرلاند. وهي تفعل ذلك، لا تسأل عن العنوان إن كان لأميركيين بيض أو من أصول لاتينية أو هندية أو إفريقية أو عرب مسلمين، لأنها تؤمن، كما تقول، بأنها جزء أساسي من هذا المجتمع وواجبها أن تشاركه كل أفراحه وكل أحزانه.

هذا السلوك دأبت المرأة على فعله طيلة عمر كامل منذ تلك اللحظة الفارقة في حياتها الشخصية عندما وجدت أطفالها يطرحون أسئلة عن طبيعة علاقتهم بالمجتمع الجديد، وعن أفضل الأساليب التي يمكن اتباعها في التعاطي مع هذا التنوع الثقافي والاجتماعي واللغوي الذي يحيط بهم في المحيط الاجتماعي اليومي والمدرسي.

في تلك المرحلة، تقول السيدة حسين إنها جلست مع زوجها وأخبرته بفكرتها الجديدة، ومفادها أنها قررت أن تخرج إلى الناس وتتعرف إلى المحيط الذي سيكبر فيه أولادها وستعيش فيه عمرها، وأخبرته أن هذا الخيار يتطلب تضحيات مشتركة من طرف جميع أفراد العائلة المشكلة من الزوج والولدين قبل أن ترزق العائلة بطفلين آخرين وسط رحلة نضال هذه الناشطة الحقوقية المتشعبة التفاصيل.

فكرة الأم والزوجة سميرة، في لحظة الاختيار الحاسمة تلك تقوم على أن يتولى الزوج رعاية الأطفال في ساعات ما بعد العمل في نهاية المساء على أن تتولى هي المشاركة في أعمال التطوع خدمة للمجموعات المحلية، والمشاركة في كل النشاطات الثقافية والاجتماعية والسياسية التي من شأنها أن تساهم في إحداث التغيير في حياة الأقليات في المجتمع على اختلاف ألوانها وأعراقها، كما تحقق أفضل صور التعايش والتسامح والقبول بالآخرين بين جميع مكونات المجتمع الأميركي المتعدد الأعراق بطبيعته.

لم يكن الأمر سهلا تماما حين خطت هذه الناشطة خطوها الأول في طريق طويل وسط عدم المعرفة الكافية بالآخرين اجتماعيا وثقافيا، لكنها وجدت في ذلك مدخلا أكثر تشجيعا لها على مزيد من السعي لأجل تحقيق فكرتها في مشاهد الحياة من حولها.

بدأ سعي سميرة بمد يدها إلى اللاجئين الجدد إلى الولاية الساحلية، وخاصة أولئك الذين يتقاسمون معها الجذور الثقافية التي تتحدر منها في منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، وكانت السند الحقيقي لهم في رحلة بناء الحياة الجديدة وإدماجهم في الحياة العامة قبل استقرارهم بصورة كاملة وتحولهم إلى مواطنين أميركيين.

ولأن النجاح عادة ما يقود إلى نجاح آخر تماما، كما يفعل التحدي في حياتنا بصورة عامة بادرت سميرة مع معلمة أبنائها العربية الأصل، باقتراح إدراج تعليم اللغة العربية كلغة أجنبية يحق للأطفال تعلمها في المدارس الحكومية للمقاطعة، وكان لسميرة وشريكاتها في هذه الفكرة ما أرادوا في مرحلة لاحقة، وصار لأبناء المهاجرين العرب فرصة الاستفادة من هذا الخيار كجزء من منهاجهم الدراسي الاختياري عوضا عن تكبد تكاليف اللجوء إلى مدارس نهاية الأسبوع بكل ما ستضيفه إلى ميزانيات العائلات من أعباء مالية وبرمجية.

وفي سياق الحديث عن المدارس الحكومية وواقع أبناء المهاجرين فيها، ظل مطلب سميرة الدائم هو تمكين أبناء العائلات المسلمة من الاحتفال بمناسبتي عيدي الأضحى والفطر مع عائلاتهم عوض التعرض إلى الانشطار بين ذهاب الأطفال إلى المدارس وبقاء الآباء منفردين في بيوتهم في انتظارهم، في يومين لهما خصوصيتهما في حياة المسلمين الأميركيين.

تقول سميرة في هذا الشأن إنها نجحت في تحقيق نصف النجاح على هذا الطريق من خلال التوصل إلى اتفاق وسطي مع مصالح التعليم في المقاطعة بالاتفاق على جعل أيام العيدين أياما لعمل الأساتذة، وبالتالي سوف يتم إعفاء الأطفال المسلمين من الحضور إلى المدارس وبالتالي السماح للعائلات الأميركية المسلمة بممارسة حقها في الاحتفال بأعيادها مجتمعة، وفي ذلك أيضا تحقيق لمبدأ المصلحة المشتركة والتوافق الإيجابي بين الطرفين.

وسميرة تجيب عن أسئلتي حول منجزها العزيز على قلبها من بين منجزاتها الكثيرة والكبيرة في حياة الأقليات، تعود بي إلى حلمها في أن ترى ولايتها تحتفل بشهر التراث العربي في أميركا بصفة رسمية ودورية كما تمنت دوما، وكان لسميرة نجاح في تحقيق ذلك بجعل ولايتها ميريلاند أول ولاية أميركية تقر الاحتفالات بهذا الشهر في كل شهر نيسان/أبريل من كل عام ولمدة 30 يوما، وهو التقليد الذي ترسخ في ولايات ومدن أميركية عدة لاحقا، من بينها العاصمة واشنطن، ويحظى فيها عادة الناجحون من أبناء المهاجرين العرب بالتكريم في واشنطن وبتسليط الضوء على قصص نجاحهم في أميركا وخدمتهم للمجتمع الأميركي.

احتفالا بهذه المناسبة التي لا تتأخر سميرة في دعوة أبناء الجالية العربية في ولايات الساحل الشرقي للمشاركة فيها، وإظهار هوياتهم الثقافية وأنماط الحياة في بلدانهم الأصلية، كرم حاكم الولاية سميرة في حفل عام تقديرا لجهدها الواسع في خدمة المجتمع كواحدة من رائدات العمل التطوعي والخيري، إضافة إلى إسهامها في التقريب بين جميع الأعراق في ولايتها.

عند حديثنا عن مسلسل التكريمات الواسع الذي حظيت به الناشطة سميرة، تعود بها ذاكرتها إلى ذلك المساء الذي رن فيه هاتف بيتها وكان على الطرف الآخر من الهاتف مدير مكتب الرئيس بيل كلينتون وقتداك، ليخبرها عن دعوتها وعائلتها للبيت الأبيض لتكريمها من قبل الرئيس كلنتون والسيدة الأولى هيلاري كلينتون. لم تصدق سميرة الاتصال واعتبرته عبارة عن تهريج من قبل أحد الغرباء لكن إصرار المتصل أظهر لها أن الأمر حقيقي وجاد.

تتذكر سميرة هذه الحادثة وهي تبتسم وتقول عن تلك اللحظة إنها لم تكن تتصور أن قصتها وصلت إلى مكتب الرئيس في البيت الأبيض وإن هذا الأخير قرر تكريمها بمعية عائلتها.

كثير حدث مع سميرة، لكنها تختار محطات بارزة وهي تستعيدها معي على كأس الشاي الذي أعدته ترحيبا بي وبفريق التصوير المرافق لي في صالون بيتها بمدينة غيتسبورغ بأعالي ميريلاند. تقول إنها لا تزال تحتفظ في صناديقها الكثيرة المزدحمة بشهادات ودروع التكريم وبذلك الكتاب الذي خطه لها أطفال المدرسة الكاثوليكية في المدينة تكريما لجهدها وسعيها لأجل تعايش أفضل بين الأميركيين كافة.

في رحلة النجاحات الطويلة هذه، كبر أطفال سميرة الأربعة، واستقلوا عن العائلة في مسارات حياتهم، لكنها تجد سعادتها البالغة، كما تقول لي، عندما تستقبل اتصالا من أحدهم ليعرب لها عن افتخارهم الكبير برحلة دفاعها عن الآخرين وعملها لأجل فهم أفضل لثقافات الأميركيين كافة، ولأجل التعايش والقبول لجميع الناس وبين جميع الناس.

وفي هذه الرحلة الطويلة أيضا نجحت سميرة في التواصل مع شركاء لها في الفكرة وفي الطموح، لأجل ترسيخ قيم التعايش والتسامح في كل المحيط من حولها ومن بين هؤلاء الناشطة الحقوقية الشريكة لها في رحلة عمر كامل "سوزان كارين"، والتي تمتد العلاقة بينهما إلى عقود سابقة.

كارين الأميركية البيضاء تأتي من محيط اجتماعي مختلف تماما عن سميرة، لكن الاتفاق في القيمة وفي الفكرة هو ما جعل من هذه الصداقة والشراكة تتعزز بمرور الزمن، وتحقق الكثير من المنجزات الحقوقية والمدرسية والسياسية في حياة الأقليات من مختلف الأعراق في ولاية ميريلاند.

أسال كارين وهي تمسك بكأس الشاي العربي في صالون بيت السيدة سميرة حسين: ماذا يمكن أن تقول عن هذا المسار الطويل والمزدحم بالتضحيات والمنجزات في حياة شريكة خدمتها للمجتمع؟ فتقول لي إن سميرة حسين رائدة حقيقية لأجل تحقيق العدالة الاجتماعية في أجمل صورتها لجميع الأميركيين من مختلف الأعراق والأصول.

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG