Accessibility links

logo-print

في أميركا.. الحياة عربية


رابح فيلالي محاطا بأبناء جاليات عربية في ديترويت

رابح فيلالي محاطا بأبناء جاليات عربية في ديترويت

لسماء هنا كعادتها ملبدة بالغيوم في هذا الفصل الشديدة البرودة في ديترويت بولاية ميشيغن. في لحظة صمت عميقة كان فيها الصديق المخرج التلفزيوني اليمني الموهوب جمال حمادة يقاسمني اياها في سيارته تناهى إلى أسماعي عزف عود عربي ينطلق من محل تجاري تبدو أضواؤه الخارجية خافتة وناعمة. صوت العود صنع بصمة حضوره في اللحظة وشد مشاعري. قطعت صمت اللحظة وبادرت رفيقي اليمني بالسؤال: من أين يأتي هذا الصوت؟

جمال العارف بتفاصيل حياة أبناء جاليته من اليمنيين في مدينة ديترويت ابتسم في هدوء وقال لي في يقين واضح: إنها واحدة من سهراتنا نحن أبناء اليمن المهاجرين إلى أميركا نقيمها هنا في "ديربورن". نرقص ونتبادل الأغنيات ونستعيد ذكريات الوطن البعيد ونتحدث عما يجمعنا من مشتركات في الذاكرة وفي شؤون الحياة اليومية هنا في وطن المهجر الولايات المتحدة.

تأخر الوقت حينها بتوقيت شتاء ديربورن. منتصف الليل لا يبعد إلا قليلا. دلفنا إلى داخل المحل لألتقي باليمن كاملا في وجهي.

الموسيقى المنبعثة في سماء المكان تتكرر أوجاعها على مسامع الحاضرين والتصفيق والرقصات في حلقات يشكلها أبناء اليمن المهاجرين والمواليد في الولايات المتحدة. انه اليمن بسحره الدائم لكل من يعرفه هنا في ديترويت.

ومن الزاوية القصية من المحل ترامت إلى أنوف الحاضرين روائح الطبخ الزكية بروائح البهارات اليمنية وإبريق الشاي يواصل تنقله بين الحضور في كافة أطراف المكان، ولحظة يبرد الشاي يستقدم إبريق جديد.

للحظة تساءلت، هل هي خاصية عربية أن يحرص المهاجر العربي أن ينقل كل شيء من أوطانه الاصلية معه في حقائبه قبل أن يقرر الإقامة لبقية العمر في مهاجره البعيدة أم أن الهجرة في ثقافة الإنسان العربي خيار إضطراري دوما؟

لم انتظر طويلا لأكتشف أن الجميع يفخر بحياته الجديدة هنا في بلد المهجر، لكنه يحرص في المقابل على صلة دائمة وعميقة ببلد الأباء والأجداد هناك في اليمن حيث لا تنقطع الزيارت بين الضفتين من العالم. ويحرص اليمنيون على الإقامة في تجمعات سكانية متقاربة بينهم في ديربورن إلى حد باتوا وبقية جيرانهم العرب من لبنانيين وعراقيين يشكلون أحياء كاملة وهناك قرية كاملة يسميها أهل المدينة بالقرية العربية.

في هذه القرية تجد الحياة العربية كاملة من محلات أطعمة وخضروات وخبز الأفران العربية وكافة أنواع الخدمات التي يحتاجها الإنسان العربي في حياته اليومية في أميركا.

يجد المهاجرون العرب في هذا النواع من التجمعات نوعا من الترسيخ لذواتهم ولأبنائهم اليافعين في ثقافات الوطن الام وتقاليد امتدادهم الاجتماعي هناك.

وتأكيدا لهذا المعنى في حياتهم يلتقي هؤلاء في نواد خاصة بأبناء الجالية يحيون من خلالها كافة المناسبا ت الدينية والوطنية إضافة إلى مدارس نهاية الأسبوع والتي يتعلم فيها الأطفال اللغة العربية ويطلعون خلالها على فنون وتقاليد أوطانهم الام.

لعرب اميركا في هذه الولاية كل متطلبات الحياة التي تجعل من حياتهم كاملة التفاصيل فهم يشكلون في هذا الجزء من الولايات المتحدة أكبر تجمع سكاني للعرب الأميركيين وهم بذلك يشكلون أيضا قوة إنتخابية حاسمة في ولايتهم وحتى في مستويات أكبر من ذلك.

ولعرب أميركا ما يخصهم من مساجد ومراكز إسلامية وثقافية وكنائس ومدافن في مدينتهم.

يقول أحد نشطاء الجالية معلقا على هذا الوضع في رد عن سؤالي عن الحياة في المدينة إن الحياة مختومة بطابع عربي من المهد إلى اللحد. نحن لم نهاجر فقط كأفراد إلى أميركا بل حرصنا خلال رحلة الهجرة تلك على أن نأخذ معنا أوطاننا في طريق الهجرة هذه".

حرص أبناء اليمن المهاجرون على إستضافتي في منتدياتهم ومحلاتهم وعرفت الكثير من خلالهم من قصص التواصل بين الوطنين فيهم وعن كثير المساعي التي يبذلونها لأجل مساعدة الأهالي على تحسين ظروف حياتهم والأخد بأيديهم إلى الواقع الأفضل .

غادرت ديترويت وفيما كانت الطائرة ترتفع في سماء المدينة الغائم كالعادة في الموسم من كل عام كنت أفكر في معالم الحياة العربية التي تملأ المدينة في كل مكان وعند دخول واشنطن أعدت طرح السؤال داته عن طبيعة الحياة العربية هنا في العاصمة الأميركية .

لا تغيب ملامح الخط العربي وهي تزين واجهة المحلات التجارية في منطقة "كينغس تاون "في شمال فرجينيا على مسافة النهر الفاصل عن واشنطن العاصمة وهناك أيضا تجد مشاهد أخرى للحياة العربية لا يمكن أن تغيب عن النظر للزائرين أو العابرين للمكان .

يلتقي أبناء الجالية في أفراحهم وأحزانهم يتبادلون التهاني في مناسبات الفرح والتعازي في مناسبات الحزن وهناك من يقطع مسافات هائلة في سبيل قضاء بعض سهرات نهاية الأسبوع واللقاء بأصدقائه و معارفه في هذا الفضاء العربي بإمتياز.

يقول لي سامي سلمان وهو اللبناني لقادم من ديترويت الى واشنطن في حركة هجرة داخلية قبل قرابة خمسين عاما إنه عندما عرف أنه لا يوجد في منطقة واشنطن الكبرى التي تضم العاصمة الفيدرالية وولايتي" فرجينيا" و"ميرلاند" مخبزة عربية وعلم أن العرب هنا لا يجدون الخبز قرر حينذاك نقل نشاطة التجاري من "ديترويت" الى "واشنطن"

لايزال سلمان بسنواته السبعين يمارس نشاطه في كل صباح بنفس القوة والنشاط والإبتسامة التي لا تفارق ملامحه وهو يستقبل زبائنه من العرب وغير العرب القادمين إلى محله بمنطقة ألكسندريا سائلين أياه الحصول على المنتجات العربية والتي لها كثير من العشاق الأميركيين خاصة منهم أولئك الذين عاشوا لفترة من الزمن في واحد من بلدان الشرق الأوسط وشمال إفريقيا .

سلمان لايزال يحتفظ في ذاكرته بكثير من القصص لأولئك الشباب المهاجرين حديثا إلى أميركا والذين عادة ما يحرص على أن يمد لهم يد العون في بداية وجودهم قبل إتقانهم اللغة وحصولهم على التحصيل العلمي اللازم لمباشرة حياتهم الجديدة في أميركا.

حرص سلمان على أن يكرمني وفريق التصوير ببعض المشروب الساخن من محله قبل أن يدلنا إلى مكان أقدم متجر لبيع اللحم الحلال في واشنطن.

عندما طرقت باب المتجر رد ساعد محمد بلهجة عربية واضحة الحروف "يا هلا يا مرحبا" كررها أكثر من مرة وأصر على أن يسمعني أياها مرة أخرى وأنا أساله عن قصة بدايته لتجارة اللحم الحلال في المنطقة.

عادت به ذاكرته بعيدا وهو يستعيد تلك الأيام الأولى لمشروعه وسعيه لدى سلطات مقاطعة فيرفاكس في شمال فرجينيا لمباشرة هذا النوع من التجارة لكنه يستعيد نفسه عميقا ويعرب عن سعادته العميقة لأن محله هذا ساهم في أفراح الكثيرين من عرب أميركا بما قدم من خدمات وسلع لكل من يحتاج للبقاء على صلة بأوطانه الأصلية.

ساعد لا يفوته أن يشير بفخر إلى ذلك الإقبال الواسع الذي يحدث في محله التجاري خلال شهر رمضان حينما يحضر إليه عرب ومسلمو أميركا طلبا للحمه الحلال وكثير من المواد التي تبقي ذاكرتهم وأبناءهم على صلة دائمة بأوطان الأباء والأجداد.

على جادة الرصيف نفسها ترتفع لافتة مكتوبة بخط عربي واضح وتدعوك لزيارة مطعم مغربي مصحوبة بتأكيد وبخط أصغر بوجود حلويات وشاي مغربي وفي الجانب الأيمن من المحل هناك لافتة أخرى كتبت بلغة أمهرية يعلن صاحبها من خلالها عن وصول منتجات اثيوبية وإفريقية جديدة إلى محله.

هنا في أميركا لا تغيب حياة العرب عن العرب المهاجرين إليها بل إن هناك كثيرا من علامات الحياة العربية باتت جزءا من ديكور الحياة اليومية في عدة مدن أميركية وأولها تدخين الشيشة والطلب على الفلافل كأكلات يومية.

من العادي أن أتلقى دعوات من أصدقاء أميركيين من أصول غير عربية يسألونني فيها عن رأيي في جلسة على شيشة عربية في المحلات العربية بشمال فرجينيا. لا أملك أمام سخاء الدعوة سوى أن أقبلها وأنعم ببعض من روح ذلك الشرق العظيم في تاريخه وتراثه الذي لا يغيب حضوره هنا في هذا الغرب الكبير في حضارته ومنجزه الإنساني اللافت.

شاهد تقرير رابح فيلالي من ديترويت:

  • 16x9 Image

    رابح فيلالي

    رابح فيلالي إعلامي وروائي خريج جامعات قسنطينة وعنابة بالجزائر، ومعهد سيرينيا للاعلام بفرنسا. تنقل فيلالي بين الصحافة المكتوبة والتلفزيون في مشوار مهني توزع بين تقديم الأخبار و البرامج الثقافية والحوارية السياسية. عمل فيلالي لصالح عدة محطات إخبارية عربية قبل أن يستقر بقناة "الحرة" حيث يعمل مراسلا متجولا لها في واشنطن. إلى جانب العمل الإعلامي، يكتب فيلالي الرواية والقصة القصيرة إضافة إلى المقال السياسي.

XS
SM
MD
LG