FILE PHOTO: Pump jacks operate at sunset in an oil field in Midland, Texas U.S. August 22, 2018. Picture taken August 22, 2018…
إجمالي إنتاج النفط في أميركا حوالي 21 مليون برميل في اليوم

قبل خمس سنوات، كانت تكاليف إنتاج النفط الصخري في الولايات المتحدة مرتفعة للغاية لدرجة أنه كلما انخفضت أسعار النفط كان المنتجون الأميركيون أول المتأثرين. ويفترض العديد من المعلقين والمصادر الإعلامية أن الأمر لا يزال كذلك، لكن الوضع تغير بشكل كبير.

ففي تقرير صدر مؤخرا عن "صندوق النقد الدولي" حمل عنوان: "مستقبل النفط والاستدامة المالية في منطقة دول «مجلس التعاون الخليجي»"، أدرجت المنظمة "سعر عتبة الربح" لمصادر متنوعة من النفط الخام. وبطبيعة الحال، كانت تكلفة نفط الخليج هي الأدنى عند 18 دولارا للبرميل، غير أن الصدمة تمثلت في حلول النفط الصخري الأميركي في المرتبة الثانية عند 22 دولارا ـ أي أدنى بنسبة 50 في المئة من متوسط مشروع المياه العميقة، و80 في المائة أقل من النفط الرملي الكندي، و90 في المئة أقل من المشاريع البرية الروسية.

ونظرا لتفاوت التكاليف بدرجة كبيرة، من المفترض أن تكون أسعار عتبة الربح لبعض المشاريع أقل بكثير وبعضها الآخر أعلى من ذلك بكثير، ولكن النتائج العامة مذهلة. وإذا كان تقرير "صندوق النقد الدولي" صحيحا، فيجب عدم استبعاد الإنتاج الأميركي، لأن العوامل الأساسية للتكاليف تميل لصالحه.

ويقينا، أن هيكلية السوق الحالية ليست في صالح النفط الصخري الأميركي. يتعين على صغار المنتجين في الولايات المتحدة جمع الأموال في الأسواق المالية ولا يمكنهم الاعتماد على الموارد الكثيرة التي توفرها الحكومات للمنتجين في روسيا ودول "أوبك". ونتيجة لذلك، يترقّب الكثير منهم وضعا صعبا للغاية.

الصدمة تمثلت في حلول النفط الصخري الأميركي في المرتبة الثانية عند 22 دولارا

لكن السلطات الأميركية تتخذ بالفعل خطوات ملفتة لمساعدة القطاع المحلي. وهناك حديث عن تشجيع المصارف على تقديم قروض جديدة أو السماح بإرجاء تسديد القروض القديمة. ودعت وزارة الطاقة الأميركية المنتجين الأميركيين إلى تزويد "الاحتياطي الاستراتيجي للنفط" بـ 30 مليون برميل من النفط، علما بأنه يحتوي على قدرة استيعابية إضافية تصل إلى 77.5 مليون برميل.

ويُذكر أن موعد طرح العروض ينتهي بحلول 26 مارس، وسيجري الإمداد بالنفط على مدى شهرين. ولا يوجد سبب مالي معقول لمعارضة هذه الخطوة: فشراء النفط عندما يكون رخيصا وبيعه عندما يكون باهظ الثمن يشكّل وسيلة لتغطية تكاليف إدارة "الاحتياطي الاستراتيجي للنفط" وجني الأرباح أيضا. ولإرضاء أي نقاد يعارضون أيديولوجيا فكرة التدخل في الأسواق، يمكن تسمية عملية الشراء هذه "رد على أزمة الإمدادات" (أي زيادة المعروض)، أشبه ببيع النفط عندما يكون باهظ الثمن والذي يمكن تصويره على أنه "استجابة لإمدادات غير كافية".

والأهم من ذلك، قد يعيد المسؤولون في تكساس إحياء سلطة الولاية الكامنة منذ فترة طويلة لطلب خفض الإنتاج، كما اقترح الرئيس التنفيذي لشركة "بايونير للموارد الطبيعية" (Pioneer Natural Resources) سكوت شيفيلد. وقبل أن تصبح منظمة "أوبك" الجهة العالمية التي تحدد الأسعار في أوائل السبعينيات، لطالما اضطلعت "هيئة سكك حديد تكساس" بهذا الدور، علما بأن لا علاقة لها بالسكك الحديدية بل لديها القدرة على طلب تخفيضات الإنتاج من قبل منتجي النفط الخاصين في الولاية.

وفي حين تنحصر سيطرة الهيئة على إنتاج تكساس، إلا أن معظم الإنتاج الصخري الأميركي يتمركز هناك حاليا، ولدى المنتجين في أماكن أخرى قدرة محدودة على التوسع بسرعة. ويدعو شيفيلد حاليا إلى خفض الإنتاج بنسبة 10 في المئة مع إعفاءات لصغار المنتجين، الأمر الذي سيؤدي إلى خفض الإنتاج بمقدار 500 ألف برميل يوميا. وحتى إذا لم تستجب روسيا و"أوبك" لمثل هذه الخطوات الأميركية، يمكن لمزيج من عمليات شراء "الاحتياطي الاستراتيجي للنفط" وخفض العمولات أن يقلّص الحسم الذي يحظى به نفط تكساس مقارنة بالدرجات المماثلة في الأسواق العالمية، نظرا لزيادة العرض في تكساس.

وفي غضون فترة زمنية أمدها خمسة أشهر، من شأن خفض الإنتاج بـ 1 مليون برميل يوميا ـ النصف من عمليات شراء "الاحتياطي الاستراتيجي للنفط" والنصف الآخر من عمليات تكساس ـ أن يمنح السلطات الأميركية بعض من صفقات المساومة الفعلية لحث السعوديين والروس على خفض إنتاجهم، وبالتالي استقرار الأسواق.

وفي وقت سابق من هذا الشهر، عندما طلبت الرياض من موسكو خفض الإنتاج بمقدار مليون برميل كرد على انخفاض الطلب الناجم عن الفيروس التاجي، أفادت بعض التقارير أن الرئيس فلاديمير بوتين اعترض على ذلك لأنه يعتقد أن المنتجين الأميركيين سيستفيدون من هذا التخفيض.

ومع بعض المساعدة من أوستن وواشنطن، يمكن التخفيف من حمام الدم بين المنتجين الأميركيين الأصغر ـ على الرغم من أنه سيتعين على الكثير منهم البيع لشركات نفط دولية، والتي ستتمكن من زيادة قدرتها بأسعار زهيدة. ومن بين الأسباب الأخرى، يُعد الحدّ من هذه الخسائر أمرا مهما لأن حصر القطاع تحت سيطرة جهات قليلة لن يكون مرغوبا فيه من الناحيتين السياسية والاقتصادية (على سبيل المثال، اضطلع صغار المنتجين بدور ريادي في التغييرات التكنولوجية التي تقلل تكاليف الإنتاج).

وأحد التأثيرات الجانبية الجيدة هو أنه من المرجح أن يتقلص الإنتاج الأميركي ببطء فقط حتى لو خفضت الشركات الصغيرة إنتاجها. وسوف تواصل الحقول المنتجة حاليا إنتاجها؛ وستكون انخفاضات الإنتاج على المدى القريب نتيجة توقف الاستثمارات. وفي فبراير، توقعت "إدارة معلومات الطاقة" الأميركية (الوكالة) أن ينمو إنتاج النفط الخام إلى 13.2 مليون برميل يوميا (بزيادة 1 مليون برميل) ثم إلى 13.55 مليون برميل في عام 2021. وخفضت هذه الوكالة تلك التوقعات في 11 مارس، لكنها لا تزال تتوقع نمو الناتج في كلا العامين، بوصوله إلى 12.7 مليون برميل في عام 2021.

وعلى الرغم من أنه من المفترض أن تنخفض هذه التوقعات مجددا في ضوء الأحداث العالمية الأخيرة، إلا أن الناتج الأميركي لن ينهار. والأرقام الواردة أعلاه هي للنفط الخام وحده؛ وتنتج الولايات المتحدة أيضا أكثر من 5 ملايين برميل في اليوم من سوائل الغاز الطبيعي وأكثر من مليون برميل يوميا من الإيثانول، ليبلغ إجمالي إنتاج النفط حوالي 21 مليون برميل في اليوم (من بينها ما يسمى بـ "مكاسب معالجة التصفية"، عندما يتوسع حجم النفط عند تكريره).

سيستمر الإنتاج الأميركي في تحديد مسار أسواق النفط العالمية بغض النظر عما تفعله الرياض وموسكو

وهذا أكثر من الاستهلاك الأميركي (حاليا حوالي 20.5 مليون برميل يوميا) وهو أعلى إنتاج في العالم (تنتج السعودية حوالي 12 مليون برميل في اليوم وتدعي أنها سترفع ذلك إلى 14 مليون برميل؛ ويبلغ إنتاج روسيا 10 ملايين برميل وقد تزيد إنتاجها إلى 11 مليون برميل).

وإذا تمسّكت موسكو والرياض بقراراتهما لأسباب سياسية وإذا استمر الركود الناجم عن الفيروس التاجي، فقد تستمر الأسعار المنخفضة لبعض الوقت. ومن شأن ذلك أن يوجه ضربة مؤلمة للنفط الرملي الكندي ويقضي على العديد من المشاريع البحرية الكبيرة (والتي تُعد اليوم من بين المشاريع الأكثر تكلفة في العالم).

وقد يكون المنتجون الأميركيون ـ الصغار منهم ومتوسطو الحجم ـ الأكثر تأثرا بشكل خاص، ليس بسبب التكاليف المرتفعة، بل بسبب تمويل الديون والدعم السياسي غير المتكافئ ـ ما لم تتدخل واشنطن وأوستن من خلال عمليات شراء "الاحتياطي الاستراتيجي للنفط"، وتخفيف الديون وتخفيضات الإنتاج التي تأمر بها الدولة.

وعندما تنتعش الأسعار في النهاية، سيكون منتجو النفط الصخري في الولايات المتحدة في وضع أفضل لزيادة الإنتاج بسرعة مقارنة بالمشاريع الضخمة في أي مكان في العالم. باختصار، سيستمر الإنتاج الأميركي في تحديد مسار أسواق النفط العالمية بغض النظر عما تفعله الرياض وموسكو.

پاتريك كلاوسون هو زميل أقدم في زمالة "مورنينغستار" ومدير الأبحاث في معهد واشنطن.

المصدر: منتدى فكرة

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية
معدلات التضخم والبطالة تنتشر بين دول عربية

السائد تقليدياً، التعامل مع الفقر كموضوع للإحسان من منظار ديني. لأن الدين يعتبر جزءا مهما من تكوين الهويات الجماعية، فهو يمنح قاعدة للتضامن الاجتماعي والحشد السياسي. لكن الفقر أصبح موضوعا سوسيولوجيا للدراسة في مطلع القرن الماضي. ويعتبر الفقر الآن أحد اشكال العنف التي يتعرض لها الانسان.

تاريخياً الفقراء هم البشر غير المرئيين، شخوص خرساء، إنهم الذين "لا صوت لهم" إلا كآثار عابرة تركوها عنهم من لا يعانون الفقر. التاريخ لم يعرف للفقراء حضورا أو صوتا. فالتاريخ لم يكن ينقل لنا سوى سِير وحكايات الملوك والأمراء والحكام وأبطال المعارك العسكرية، سواء في لهوهم او في عنفهم. لم يُذكر الفقراء إلا في معرض الشفقة وطلب الإحسان.

انتظر الفقراء بتواضع على عتبة التاريخ حتى مطالع القرن الماضي، قبل أن يتم التعرف عليهم، لكن بشروط.

لكن ما هو الفقر؟

في الفرنسية نسقط في الفقر كما في حفرة ونهوي في ظلمات العوز. في العربية أيضاً، فَقَرَ حفرة أي حفرها، فقُر الرجل: أي كسر فقار ظهره. فقر الخرز أي ثقبه. وفي الحالين نجد معنى السقوط والتدهور والانحلال وانكسار الظهر. وغالباً ما يكون الفقر مسؤولية صاحبه أو قدره. يصبح عندها كعاهة لا يمكن الاعتراض على وجودها!

وهذا ما يتوجب معالجته، إبطال فكرة الاستسلام أمام حالة الفقر. إنها مسؤولية الدولة وسياساتها والمجتمع والحروب والمجاعات والكوارث الطبيعية والأزمات الاقتصادية المنتجة الأساسية له.

حالة الفقر وضعية يخضع لها الفقير. تظل آنية أو تصبح دائمة. حالة ضعف وتبعية وتواضع، تتسم بالحرمان من الموارد وحرمان من المال والسلطة والنفوذ والعلم وشرف المحتد، أو من القوة الجسدية أو القدرات العقلية أوالحرية. وذلك بحسب الحقب والمجتمعات. الفقر مهين للكرامة الشخصية ويضم كل المستبعدين من المجتمع السوي.

تغيرت في القرن الحادي والعشرين معايير قياس الفقر عموماً، وبحسب تقرير التنمية البشرية لـ2019 حصل تقدم ملحوظ في الحد من أشكال الحرمان الشديد، فقد أفلت من براثن الجوع والمرض والفقر في أنحاء العالم عدد غير مسبوق من الناس الذين قفزوا فوق الحد الأدنى لمعيشة الكفاف.

لكن جائحة كوفيد، والحرب الدائرة في أوكرانيا، والعنف المستمر في العالم وفي العالم العربي، والزلزال في تركيا وسوريا مؤخراً، تسببت بإفقار الكثير من الدول العربية ومن دول العالم النامي.

منذ ما قبل هذه الأزمة كان عدم المساواة مستشرياً. فرغم التقارب النسبي في الإمكانات الأساسية لدى الكثير من الدول، أي غذاء وتعليم وصحة، لدينا تفاوت كبير علىى صعيد الإمكانات المعززة والنوعية التي تطال الحصول على الخدمات الصحية الجيدة أو خدمات التعليم الجيدة والحصول على التكنولوجيات، مما يوفر المناعة تجاه الصدمات الجديدة غير المعروفة.

في العالم العربي لا يزال الفقر المدقع من أعلى المستويات. انظر: "الفقر في العالم العربي.. أرقام صادمة"، الحرة 16 ديسمبر 2018.

تميز القرن العشرين بالنصوص العالمية المتعلقة بحماية حقوق الإنسان. من بينها الحق بتكوين أسرة والحق بحماية الحياة الأسرية. لكن هذا التطور لم يعبر عن نفسه على مستوى الواقع بشكل أتوماتيكي. ظلت الأسر الفقيرة منبوذة على هامش المجتمع ومعتبرة غير مؤهلة. لكن تطور النظرة إلى الحقوق الأساسية للإنسان أدّى الى ولادة اليوم العالمي للقضاء على الفقر في 17 أكتوبر 1987.

وقد أعلنوا أن الفقر يُشكل انتهاكا لحقوق الإنسان وأكدوا الحاجة إلى التضامن بغية كفالة احترام تلك الحقوق. 

لا يمكن الحديث عن الكرامة الانسانية في ظل الحروب والعنف العسكري والاجتماعي. 

الحديث عن كرامة في غياب المساواة ضرب من الخيال. والثقافة التقليدية تساهم في جعل اللامساواة مبررة ومقبولة واعتبارها أقرب إلى الصفات الوراثية.

ومع أن هناك إجماع على الاعتراف بحقوق المرأة، وبالمساواة بينها وبين الرجل، في أكثرية دساتير البلدان العربية. غير أن مجرد وجود ضمانات دستورية تكفل حق المرأة ولا يتجسد بالضرورة واقعا تحقق فيه المرأة كامل حقوقها المدنية والقانونية والسياسية.

تتسم أوضاع النساء العربيات عموماً بالهشاشة، خصوصاً في البلدان التي تعاني من سوء التنمية او الحروب؛ مما يزيد عدد الأرامل، وبالتالي الأسر التي تديرها المرأة بمفردها. وهذا أحد أهم مسببات الفقر المستدام، لأنهن عندما يدخلن دائرة الفقر فهن معرضات للبقاء فيها. 

من هنا بروز مفهوم تأنيث الفقر، وتصفه اليونيفيم (UNIFEM)  بأنه "عبء الفقر الذي تتحمله المرأة، خاصة في الدول النامية"، فتعاني من مستوى معيشي منخفض لا يكفي لتغطية الاحتياجات المادية والمعنوية مما يؤثر سلبا على الاحترام الذاتي للفرد أو للمجموعة.

 وهو ليس نتيجة لضعف الدخل فقط، بل أيضا نتيجة للحرمان من الإمكانيات والتحيزات الجنسانية الموجودة في كل من المجتمعات والحكومات. وهذا يشمل فقر الخيارات والفرص، مثل التمكن من عيش حياة طويلة وصحية وخلاقة، والتمتع بالحقوق الأساسية وبالحرية والاحترام والكرامة.

ويرتبط هذا المفهوم بمستوى المعيشة العام داخل المجتمع، كما يرتبط بكيفية توزيع الثروة ومكانة الفرد في مجتمعه، وبتوقعاته الاجتماعية والاقتصادية.

ونتائج الفجوات بين الجنسين في التوظيف، وأنشطة الأعمال، والحصول على التمويل، لا تكبل الأفراد فقط بل الاقتصاد برمته. ما يؤخر نمو وتقدم المجتمع. 

لذا هناك اهتمام كبير الآن بتعزيز روح التضامن العالمي، بالتركيز على حاجات الفئات الأضعف والأشد فقرا. كما  يجب الاعتراف وتشجيع الدور الذي يضطلع به القطاع الخاص المتنوع، ابتداء من المؤسسات المتناهية الصغر ومرورا بالتعاونيات وانتهاء بالشركات الكبرى؛ إضافة الى الدور الذي تضطلع به منظمات المجتمع المدني والمنظمات الخيرية في تنفيذ الأعمال المطلوبة.

للعمل الخيري القدرة على رفع آثار الأضرار المترتبة عن الأزمات الإنسانية، كما أن له القدرة على دعم الخدمات العامة في مجالات الرعاية الطبية والتعليم والإسكان وحماية الأطفال. والعمل الخيري فاعل جدا في تحسين الثقافة والعلوم والرياضة وحماية الموروثات الثقافية، فضلا عن تعزيزه لحقوق المهمشين والمحرومين ونشر الرسالة الإنسانية في حالات الصراع.

من المعلوم أن المجتمع المدني أقوى من الدولة في التجربة اللبنانية، فلقد اضطلع دائما بالجوانب التي تقصر بها الدولة، وبرز دوره خصوصاً في السنوات الأخيرة. فمنذ جريمة انفجار المرفأ في 4 آب عام 2020، تكفل المجتمع المدني والجمعيات الخيرية الاضطلاع بمسؤولية كافة المهام التي خلفها الانفجار، وقام مقام الدولة في ظل غيابها التام. فمن إسعاف المرضى إلى رفع الأنقاض والترميم إلى تدبير مساكن ومساعدات عينية لمن فقدوا منازلهم وهم بالآلاف. كل ذلك تكفلت به الجمعيات الخيرية والجمعيات المدنية. 

لكن، إذا كان العمل الخيري ضروري ويقوم بخدمات جليلة للمجتمع وللأفراد، ينبغي الحذر من أن يخلق مشكلة الاتكالية عند تلقي المساعدات بشكل دائم. فيتحول الفرد إلى كسول مفتقد لروح العمل يعتاش على الصدقات ومشاريع الإغاثة، فيتجذر الفقر. ونكون بهذا نتسبب بالضرر للمجتمع عندما نحول أفراده الضعفاء إلى معتاشين دائمين.

من هنا أهمية وضع برامج تهتم، إلى جانب المساعدة، بتوعية المستفيدين مع التدريب على برامج تنموية وإكساب معارف وتقنيات تساهم في تمكينهم  كي يستقلوا ويصبح باستطاعتهم تلبية حاجاتهم وحاجات أسرهم.

مشكلتنا ليست في الفقر فقط، فهو يوجد في أغنى الدول وأكثرها ترفا، ولكن في عدم قدرتنا على اجتثاث مسبباته والأخذ بيد الفقراء حتى يعتمدوا على أنفسهم، بل أيضاً في تفعيل عمل المؤسسات الرسمية والوزارات والقدرة على مواجهة الأزمات وتحويلها إلى فرص.

**ألقيت هذه الكلمة في جلسة افتتاح "القمة العالمية للمرأة"، التي أقيمت في أبوظبي بين 21-22 فبراير 2023، برعاية سمو الشيخة فاطمة بنت مبارك، وشاركت فيه سيدات فاعلات من مختلف أنحاء العالم.

هذه الورقة ستكون آخر مساهمة لي في صفحة "من زاوية أخرى"، التي رافقت همومنا وتطلعاتنا، لأن الموقع قرر إغلاق هذه الصفحة، من ضمن الاتجاه العام في التحول من الصحافة الورقية المكتوبة إلى الرقمية، ثم إلى – البصرية.

وسوف نفتقد بحسرة هذه المساحة الحرة التي ضمت نخبة من الاقلام العربية التي كتبت فيها بحرية تامة (مفتقدة في معظم الإعلام العربي، إذا لم يكن كله) ومن دون قيود أو رقابة من أي نوع، وحتى في نقد سياسات مرجعيات الحرة نفسها؛ شرط احترام الدقة والموضوعية والاستناد إلى مصادر موثوقة. والأسف على إغلاقها يعود لحاجتنا الماسة لهذه الأقلام الحرة في هذه اللحظات المصيرية التي تواجهها المجتمعات العربية.

لكن ما باليد حيلة، فالسياسات والحاجات، مهما كان مصدرها، لا تتماشى بالضرورة مع مصالح الشعوب. فوداعاً.