Royal Thai Army soldiers in protective gear spray disinfectant in front of bars and other entertainment venues that were forced…
على الرغم من الظروف التاريخية المختلفة لكل وباء، إلا أن هناك سمات مشتركة بينها، أو على الأقل في طريقة تعامل السلطات الحاكمة والمجتمعات معها

لا أحد يعرف، في هذا الوقت المبكر بعد انتشار وباء كورونا في العالم، ما هي مضاعفاته على العالم، بدءا من عدد ضحاياه وآثاره بعيدة المدى على الصحة العامة في العالم، إلى أثره على الاقتصاد العالمي، والتغييرات السياسية التي ستنجم عنه، وكيف سيغير من سلوكنا وعاداتنا الاجتماعية.

ما هو مؤكد أننا لن نعود إلى "الحالة الطبيعية" التي سبقت هذا الوباء الجديد. الأوبئة الكبيرة في التاريخ من الطاعون الذي اجتاح أوروبا في القرن الرابع عشر وأدى إلى مقتل 25 مليون نسمة إلى ما سمي "بالإنفلونزا الإسبانية" بين 2918 و1920، والتي نجم عنها مقتل ما يزيد عن 50 مليون نسمة، مثلها مثل الحروب الشاملة (الحروب النابوليونية، والحربين العالميتين) تتحول إلى نقاط مفصلية في التاريخ، وتترك وراءها أنماطا جديدة في الإنتاج الاقتصادي، والتحولات الاجتماعية والثقافية وعلاقات الدول بمجتمعاتها.

الطاعون، مثل الشيطان في الثقافة الغربية له أسماء عديدة وأشكال مختلفة وأقنعة متغيرة، ولكن جوهره لا يتغير. وهو يقتل أو يشوه الملايين، أحيانا بسرعة وخلال ساعات قليلة، وأحيانا يعذبهم لأيام وأسابيع، أحيانا يفضل قتل الشباب نسبيا، كما فعل وباء 1918، وأحيانا يفضل حصد المتقدمين في السن، كما يبدو من خصائص وباء كورونا.

لو تعاملت الصين بشفافية مع الوباء بعد اكتشافه لربما كان بالإمكان تفادي الإجراءات القاسية

وعلى الرغم من الظروف التاريخية المختلفة لكل وباء، إلا أن هناك سمات مشتركة بينها، أو على الأقل في طريقة تعامل السلطات الحاكمة والمجتمعات معها. هذه الأوبئة كانت كوارث إنسانية كبيرة، والآلام التي تسببت بها غيرت الثقافة الغربية بشكل عميق.

خلال "الموت الأسود" في القرن الرابع عشر، كما خلال وباء 1918، ووباء كورونا اليوم، تعطلت الحياة الاجتماعية، وعزل الناس أنفسهم، حتى قبل أن تطلب السلطات منهم عدم الاختلاط. وخلال كل وباء كان كثيرون يلجؤون إلى التفسيرات الغيبية لأسباب الوباء أو النظر إليه كعقاب إلهي، أو كمؤامرة.

أحد أسباب الانتشار السريع "للإنفلونزا الإسبانية" والتأخر في معالجة الوباء هو قرار الدول التي انتشر فيها الوباء في أوروبا قبل وصوله مع الجنود الأميركيين العائدين إلى البلاد من الحرب العالمية الأولى، التغطية على الوباء وفرض رقابة على الصحف. ونظرا لأن إسبانيا كانت على الحياد في الحرب، لم تفرض مثل هذه الرقابة على وسائل إعلامها التي بقيت لبضعة أسابيع الوحيدة بين وسائل الإعلام الأوروبية التي غطت انتشار الوباء وكلفته البشرية. ولهذا السبب أطلق على الوباء اسم "الإنفلونزا الإسبانية" على الرغم من أن الوباء لم يخرج من إسبانيا.

تأخر الدول الأوروبية في التعامل الصريح والعلني مع الوباء الجديد أو التخفيف من خطره، مماثل إلى حد ما مع كيفية تعامل إدارة الرئيس دونالد ترامب مع وباء كورونا: التخفيف من خطره، والادعاء بأنه تحت السيطرة أو الادعاء بقرب التوصل إلى علاج له. في 1918 كما في 2020 طغت الاعتبارات السياسية في الولايات المتحدة على متطلبات الصحة العامة في مكافحة الوباءين.

تضليل صيني وتعتيم إيراني

وفقا لدراسات وتحقيقات صحفية، لو لم تلجأ السلطات الصينية إلى التغطية على وباء كورونا وانتشاره لمدة ثلاثة أسابيع محورية في ديسمبر الماضي لكان بالإمكان تخفيض عدد ضحايا الوباء بنسبة 95 بالمئة، إضافة إلى تقليص رقعة انتشاره. المعلومات الأولية التي جمعها العلماء والخبراء الصينيين حول طبيعة وباء كورونا بقيت سرية إلى أن تم الكشف عنها في التاسع من يناير الماضي.

لو تعاملت الصين بشفافية مع الوباء بعد اكتشافه وطلبت مساهمة العالم في التصدي له، لربما كان بالإمكان تفادي الإجراءات القاسية التي اتخذتها الصين لعزل 11 مليون نسمة في مقاطعة ووهان، ولاحقا تفادي مأساة إيطاليا، وغيرها من المآسي القادمة.

التضليل والتعتيم الذي فرضه النظام الأوتوقراطي الصيني، مارسه أيضا النظام الثيوقراطي الإيراني، بعد الانتشار السريع لوباء كورونا في محيط مدينة قم ذات الأهمية الدينية. لا أحد يعلم بدقة عدد ضحايا كورونا في إيران، وربما لن نعلم العدد الحقيقي، ولكن ما نعلمه بدقة هو أن الأقمار الاصطناعية التقطت صور حفر قبور جماعية لضحايا الوباء في محيط مدينة قم.

المضاعفات الاقتصادية "للموت الأسود"، أي طاعون القرن الرابع عشر كانت تاريخية بالفعل

وإذا لم يكن التضليل الصيني والتعتيم الإيراني كافيين، فقد لجأ النظامان القمعيان إلى اتهام الولايات المتحدة بصنع أو تطوير الوباء ونشره في العالم. الناطق باسم وزارة الخارجية الصينية ادعى أن كورونا هو من صنع الولايات المتحدة، وأن وفدا عسكريا أميركيا زار ووهان في أكتوبر ونشر الوباء فيها. طبعا لم يبال المسؤول بتقديم أي دليل، لأنه ينشر نظرية مؤامرة لتغطية سلوك مشين إن لم نقل إجرامي.

في إيران، استخدم المرشد علي خامنئي عرض الولايات المتحدة مساعدة إيران في مواجهة الوباء، أولا لرفض العرض ـ على الرغم من إن إيران تعاني الكثير من مضاعفات العقوبات الأميركية ـ وثانيا ليدعي أن الولايات المتحدة طورت وباء كورونا خصيصا لمعاقبة الإيرانيين، وليواصل كذبه حين قال إن الولايات المتحدة تريد إرسال خبرائها إلى إيران للتعرف عن كثب على آثار سمومها التي بثتها في إيران. هذه ليست أكاذيب مضحكة أو مزعجة فقط، هذه أكاذيب صينية وإيرانية ساهمت وتساهم في قتل الأبرياء.

أهلا بكم إلى المجهول

قبل أيام شهدنا موكبا من الشاحنات العسكرية في مدينة ميلانو في إيطاليا يحمل عشرات التوابيت لضحايا وباء كورونا لحرقها في الأفران المختصة لأنه لم يعد هناك مساحات في المقابر المحلية لدفنهم. وباء 1918 زعزع النظام الصحي في الولايات المتحدة وفرض على المستشفيات والأطباء تحديات غير معهودة من بينها كيفية دفن جثث الضحايا لعدم توفر التوابيت أو المقابر وخاصة بعد أن منعت السلطات المآتم، وغيرها من التجمعات لاحتواء انتشار وباء "الإنفلونزا الإسبانية". تفادي التجمعات والتعامل مع الآخرين عن بعد وعدم الاحتكاك الشخصي بهم، هي من أهم التوصيات التي يقدمها المسؤولون عن الصحة العامة للأميركيين اليوم لمنع انتشار وباء كورونا.

بين وباء "الإنفلونزا الإسبانية" ووباء كورونا قرن من الزمن، حدثت فيه تطورات هائلة في مجال الطب والصحة العامة وخاصة ظاهرة العولمة والمواصلات السريعة ووسائل الاتصال الاجتماعي. هذه العوامل تعجل في انتشار الأوبئة بطريقة لم تكن معهودة في السابق.

في 1918 نقلت السفن والبواخر التي حملت آلاف الجنود الأميركيين المصابين بالوباء من أوروبا إلى بلادهم، ولكن وباء كورونا انتقل عبر الطائرات من الصين إلى العالم. الأوبئة، حتى قبل "الموت الأسود" لم تكن تعترف بأي حدود سياسية، وهي مثل التغيير المناخي لا تعترف بأي سيادة وطنية. ولكن القرن المنصرم لم يغير من كيفية التصدي للوباءين: العزلة الاجتماعية، وتغيير أنماط التواصل الإنساني والاجتماعي.

لا أحد يعلم بدقة عدد ضحايا كورونا في إيران، وربما لن نعلم العدد الحقيقي

في 1918 صرخ العنوان الرئيسي لصحيفة شيكاغو تريبيون "الإنفلونزا يغلق شيكاغو" في إشارة إلى إغلاق البارات والصالونات والمطاعم وصالات السينما وهو عنوان ينطبق على الأوضاع الراهنة في أعقاب وباء كورونا في نيويورك ولوس أنجلس وسياتل، وسوف ينطبق قريبا على شيكاغو.

القطاعات الاقتصادية التي تكبدت خسائر مالية كبيرة أو تعطلت في 1918 شملت قطاعات الخدمات والترفيه، بينما استفادت القطاعات التي تصنع المعدات الطبية والأدوية وكل ما له علاقة بالصحة العامة. بعد قرن من الزمن، وباء كورونا قصم ظهر القطاعات ذاتها.

وباء كورونا لم يغلق كبريات المدن الأميركية فحسب، بل أغلق بعض كبريات الولايات الأميركية: كاليفورنيا، نيويورك، إلينوي وأوهايو، والبلاد تقترب ربما من إعلان اغلاق نفسها، وكأنها قلعة في القرون الوسطى، ترفع أبوابها الثقيلة التي تغطي الخندق المائي الذي يحيط بها استعدادا لمقاومة الغزاة. الرئيس ترامب يصف وباء كورونا بأنه "عدو غير مرئي".

في 1918 وصفت الإنفلونزا الإسبانية"، "بالعدو الصامت". بين 1918 و1920 قضى الوباء على 675,000 أميركي، أي أكثر من عدد القتلى الأميركيين في الحربين العالميتين وحربي كوريا وفيتنام. طبعا، لا أحد يتحدث عن خسائر بشرية مماثلة بسبب وباء كورونا، ولكن الخوف من المجهول مماثل.

هذه ليست أكاذيب مضحكة أو مزعجة فقط، هذه أكاذيب صينية وإيرانية ساهمت وتساهم في قتل الأبرياء

المضاعفات الاقتصادية "للموت الأسود"، أي طاعون القرن الرابع عشر كانت تاريخية بالفعل، وخاصة التغيير الجذري في التركيبة الديموغرافية للقارة بعد وفاة 25 مليون نسمة وهو تطور غير من طبيعة حياة الفلاحين وأدى إلى نمو اقتصادي ملحوظ لأن الوباء قضى على البشر ولكن ليس على الممتلكات، وتوفر للسكان الذين بقوا على قيد الحياة ممتلكات وموارد لم تكن متوفرة لمعظمهم قبل الطاعون.

تحسن الإنتاجية ونوعية حياة الفلاحين، أدى إلى تغيير نوعي لصالحهم في علاقتهم مع "النبلاء" ، وساهم في تنشيط التجارة والتنقل بين المدن الكبيرة في القارة. التغييرات الاقتصادية التي أعقبت وباء 1918، كانت محدودة نسبيا. ولكن كلفة مواجهة وباء كورونا، حتى خلال أشهر قليلة، فاقت كلفة مواجهة جميع الأوبئة الموثقة.

القيود التي فرضتها الولايات المتحدة (والدول الأوروبية) على الأنشطة الاقتصادية، ستؤدي إلى خسائر هائلة في المستقبل المنظور. وسوف تؤدي محاولات الحكومات الديمقراطية احتواء ومكافحة وباء كورونا إلى اعتماد وسائل سوف تعترض عليها المنظمات المعنية بالحقوق المدنية.

وعلى سبيل المثال هناك دول مثل إسرائيل وسنغافورة تستخدم المعلومات المخزونة في الهواتف النقالة لمعرفة مكان وجود صاحب الهاتف وطبيعة تنقلاته واتصالاته. وهناك توقعات بأن تحاول شركات الطيران استخدام مثل هذه المعلومات الرقمية في الهواتف النقالة للتأكد من تاريخ وعلاقات المسافر. هذه المعلومات والقيود التي ستتحدى حقوقنا المدنية تجد من يؤيدها في المجتمع بحجة أننا قبلنا، ولو على مضض القيود التي فرضت على الحياة العامة في أعقاب الهجمات الإرهابية الكبيرة مثل هجمات سبتمبر 2001.

لا نعلم بدقة ما هي الشرائح الاجتماعية التي ستتضرر جراء وباء كورونا، والتغييرات الاجتماعية والسياسية التي ستبقى جاثمة فوق حياتنا العامة لسنوات طويلة. أهلا بكم إلى المجهول.

اقرأ للكاتب أيضا: كورونا والقيادة الأميركية في العالم

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.