US President Donald Trump takes questions during a COVID-19 pandemic briefing at the White House March 17, 2020, in Washington,…
في الإيجازات الصحفية حول الوباء والتي يشارك فيها أحيانا الرئيس ترامب، لم يحاول ولو لمرة واحدة أن يتحدث عن معاناة المصابين بالوباء

كشف فيروس كورونا بشكل محرج وصارخ مكامن الضعف في نظام الصحة الأميركي، وتخبط أولي في تحضير البنية التحتية لإجراء الاختبارات الضرورية لمعرفة عدد المصابين وأماكن انتشارهم، تمهيدا لاحتواء الوباء قبل الانتقال إلى تحييده والقضاء عليه.

ولكن الإخفاق الطبي في "مركز ضبط الأمراض" لجهة تطوير أجهزة لفحص المشتبه بإصابتهم بالوباء بسرعة، أبرز للعلن إخفاقا أميركيا أخطر، وهو غياب القيادة الأميركية السياسية والأخلاقية الفعالة التي يثق بها الأميركيون والعالم، ويتطلعون إليها لاحتواء مضاعفات الكارثة إن كانت زلزالا مدمرا أو طوفانا يترك وراءه أرضا يبابا، أو وباء عالميا يقتل دون تمييز ولا يعترف بسيادة الدول أو حدودها.

تعوّد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على رؤية فرق الإنقاذ الأميركية، إن كانت من الأطباء أو فرق إغاثة ضحايا الزلازل مع كلابهم المدربة، أو كتائب المارينز على الخطوط الأمامية لهذه الكوارث لتوفير الخدمات الطبية والتقنية والإنسانية للمتضررين. هذا ما كان يتوقعه العالم، وهذا ما كان يقوم به الأميركيون حتى قبل أن يتلقوا طلب المساعدة.

اعتمد الرئيس ترامب سياسة النكران في التعامل مع الوباء والتقليل من أهميته وخطره

ولكن الولايات المتحدة في حقبة الرئيس دونالد ترامب لم تعد كما كانت عليه في السابق. قبل ثلاثة أيام حطت طائرة صينية في روما تحمل فريقا طبيا من 9 أفراد وشحنة من 30 طنا من المعدات والإمدادات الطبية بما فيها الأقنعة وأجهزة التنفس الصناعي لمساعدة إيطاليا على مكافحة فيروس كورونا الذي أصاب أكثر من 21 ألف إيطالي وتسبب في وفاة 1441. هذه المساعدات من الصين، التي انتشر منها فيروس كورونا، جاءت بعد أن تخلت دول الاتحاد الأوروبي عن إيطاليا، وهي دولة عضو في الاتحاد، بعد أن تقدمت إيطاليا رسميا بطلب المساعدات في الشهر الماضي. وحتى الآن لم تقدم أي دولة أوروبية، بمن فيها تلك الدول التي لا توجد فيها إصابات عديدة بفيروس كورونا، لإيطاليا أي مساعدات طبية أو تقنية. هذا الموقف الأوروبي المشين يطرح أسئلة عديدة حول جدوى الاتحاد الأوروبي خلال الأزمات الحقيقية.

مشهد الطائرة الصينية في مطار روما كان مشجعا وأخلاقيا، كما كان مقلقا. الصين قامت بما هو مناسب تقنيا وعمليا وأخلاقيا لمساعدة إيطاليا. ولكن المشهد مقلق لأنه لو وجدت إيطاليا نفسها بمأزق مماثل قبل عقد من الزمان، لكنا رأينا في مطار روما طائرة أو طائرات أميركية مع فرق الإنقاذ الجاهزة للمساعدة.

حين أعلن الرئيس ترامب عن حالة الطوارئ العامة، وصف فيروس كورونا بالوباء "الأجنبي"، وحين أعلن عن حظر السفر للولايات المتحدة من معظم دول الاتحاد الاوروبي اتهم هذه الدول بأنها لم تقم بما فيه الكفاية لمكافحة الوباء، وهو اتهام مجحف.

موقف ترامب من الاتحاد الأوروبي لم يكن سلبيا فقط بل حتى عدائيا. وحتى ولو كانت هناك مبررات لضبط ومراقبة حركة السفر من أوروبا إلى الولايات المتحدة، فإن مكافحة وباء عالمي لا يعترف بالحدود يتطلب تعاونا دوليا، وخاصة مع الحلفاء التقليديين. ولو كان بإمكان الرئيس ترامب بناء جدار عازل مع الدول الأوروبية كما يفعل مع المكسيك لربما فعل ذلك. الإيطاليون، بعد خروجهم من محنتهم، سوف يذكرون من وقف معهم، ومن تخلى عنهم في أحلك لحظاتهم منذ الحرب العالمية الثانية.

أعمال الإغاثة الأميركية لم تقتصر على مساعدة الأصدقاء، بل شملت الخصوم أيضا. وعندما تعرضت مدينة بام الإيرانية القديمة لزلزال ضخم في 2003، أدى إلى مقتل آلاف المدنيين، أرسل الرئيس جورج بوش طائرتين عسكريتين مع فريق إنقاذ من مئتي شخص وأكثر من 150 ألف باوند من المعدات الطبية، لمساعدة الضحايا، على الرغم من العلاقات المتوترة مع إيران. (لا أزال أذكر الاعتزاز الذي شعرت به آنذاك لأن فريق الإنقاذ شمل نخبة من الإطفائيين المختصين بإنقاذ ضحايا الزلازل من مقاطعة فيرفاكس بولاية فيرجينيا، حيث أقيم منذ حوالي أربعين سنة).

موقف ترامب من الاتحاد الأوروبي لم يكن سلبيا فقط بل حتى عدائيا

عندما انتشر وباء إيبولا في دول غرب أفريقيا، وخاصة ليبيريا، في 2014 قرر الرئيس باراك أوباما إرسال أكثر من 3 آلاف عسكري وتقني لإقامة مستشفيات ميدانية لمكافحة الوباء في عملية بلغت ميزانيتها أكثر من نصف مليار دولار، شملت مكافحة الوباء وإقامة مركز لتدريب الفرق المحلية. هذين مثالين لرئيس جمهوري ورئيس ديمقراطي واصلا العمل بتقليد أميركي كان مسلمّا به من الحزبين.

منذ الإعلان عن أول المصابين بفيروس كورونا في الولايات المتحدة، اعتمد الرئيس ترامب سياسة النكران في التعامل مع الوباء والتقليل من أهميته وخطره، ووصل الأمر به للقول إن الديمقراطيين يستخدمون الوباء كخدعة ضده، وذخيرة لاستخدامها ضده في الانتخابات. ترامب أعطى احصائيات غير صحيحة وأوحى بأن الأخصائيين سيتوصلون قريبا إلى لقاح ضد الوباء، وذلك في تضليل للرأي العام، لأن الخبراء أكدوا أن اللقاح لن يتوفر قبل سنة أو 18 شهرا. موقف ترامب ساهم كثيرا في تأخير عملية تعبئة الأجهزة الحكومية والطبية والعلمية لمواجهة الوباء. هذا التأخر في الاعتراف الصريح بخطورة الوباء، ساهم أيضا بتشجيع أنصار الرئيس على التشكيك بصحة تأكيدات المراجع الطبية والعلمية بخطورة الوباء.

إحدى المشاكل التي يواجهها الرئيس ترامب في معالجة فيروس كورونا، هي أنه لا يستطيع إلا الاعتماد على الأجهزة الحكومية لجهة المعلومات والإحصائيات ومتطلبات مكافحة الوباء، وهي الأجهزة التي كان يتهم بعضها، على الأقل، على أنها جزء من "الدولة العميقة" التي تعمل ضده وتريد حرمانه من ولاية ثانية.

ولكن المعضلة التي تواجهها أكثرية من الأميركيين خلال تصديهم لأخطر وباء يواجهونه منذ وباء الإنفلونزا الإسبانية في العام 1918، هي أنهم لا يصدقون ما يقوله الرئيس ترامب عن فيروس كورونا، وخاصة تأكيداته التي لا أساس لها، أو تضليله المقصود للرأي العام، بحجة أنه لا يريد أن يخيف الأميركيين، وتقويض الأسواق المالية. وبعد أكثر من ثلاث سنوات على دخوله للبيت الأبيض يعاني ترامب من مأزق فقدان الصدقية. الرئيس متهم بأنه يمارس التضليل بشأن القضايا البسيطة كما بشأن القضايا المتعلقة بالأمن القومي، وفيروس كورونا هو من بينها.

وفي الإيجازات الصحفية حول الوباء والتي يشارك فيها أحيانا الرئيس ترامب، لم يحاول ولو لمرة واحدة أن يتحدث عن معاناة المصابين بالوباء، أو إنسانيتهم، أو أن يسرد قصص التضحية وحتى البطولة لأولئك الأطباء والممرضين وغيرهم من العاملين في مجال الصحة العامة. ترامب يتحدث بطريقة ميكانيكية أو خشبية.

تعوّد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على رؤية فرق الإنقاذ الأميركية على الخطوط الأمامية للكوارث

وهذا ما فعله يوم الأحد حين شارك في الإيجاز الصحفي في البيت الابيض، حين أثنى بسخاء على قرار حاكم المصرف الفدرالي جيروم باول تخفيض معدل الفائدة إلى صفر مستخدما كلمة "سعيد"، أو "سعيد جدا" 6 مرات، وتحدث عن أن هذا القرار سينعش الأسواق المالية. وحتى الآن أخفق ترامب في الارتفاع إلى مستوى التحدي الوطني الذي يمثله فيروس كورونا.

رؤساء الولايات المتحدة العظام، وهم ثلاثة: جورج واشنطن، وأبراهام لينكولن، وفرانكلين ديلانو روزفلت، صهرتهم معمودية نيران الحروب، ما جعلهم يرتقون إلى مستوى التحدي التاريخي، وهذا ما فعله واشنطن خلال حرب الاستقلال، ولينكولن خلال الحرب الأهلية، وروزفلت خلال الحرب العالمية الثانية.

رؤساء آخرون، كان أدؤهم جيدا في البيت الأبيض، فاجأوا أنفسهم كما فاجأوا شعبهم عندما واجهوا تحديات لم يتوقعونها، أو توقعونها بعض الشيء وتخطوها، وخاصة كيفية تواصلهم وتعاطفهم مع الأميركيين العاديين. الأميركيون لا يزالوا يتذكرون بلاغة الرئيس رونالد ريغان في تأبينه لضحايا تحطم مركبة تشالنجر في 1986، والرئيس بيل كلينتون في كلمته الأخاذة خلال تأبين ضحايا تفجير البناية الفدرالية في 1995، أو كلمة جورج بوش القوية والمريحة للأميركيين حين وقف قرب ركام برجي التجارة الدولية بعد هجمات سبتمبر. وأخيرا، التأبينات العديدة وكلمات التعاطف الصادقة مع الكثير من الضحايا، التي ألقاها الرئيس باراك أوباما في أعقاب أعمال القتل الجماعي التي وقعت في المدارس وفي الكنائس. الرئيس ترامب عاجز عن التعبير عن أي مشاعر تعاطف أو تضامن صادقة مع ضحايا أي كارثة. قلب ترامب المصنوع من الصلب لا يرى أن لفيروس كورونا أي ضحايا.

اقرأ للكاتب أيضا: هل أصبح لبنان دولة فاشلة؟

People eat their Iftar meal provided by a group of volunteers in a damaged neighbourhood, amid fear for the coronavirus disease…

في الأسبوع الماضي، أعلن المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى سوريا، غير بيدرسون، أن اللجنة الدستورية السورية التي أنشأت في سبتمبر 2019 تستطيع عقد اجتماعها المقبل حالما تسمح بذلك الظروف المتعلقة بالوباء العالمي الذي يسببه فيروس كورونا. 

ولم يتم تصميم هذه الآلية الضيقة لحل النزاع الدائر منذ سنوات عبر الحلول القانونية، بل لفتح نقاشٍ سياسي بين السوريين. ولكن على الرغم من قيود اللجنة، يجب على الولايات المتحدة وحلفائها بذل المزيد من الجهود فيها، وإلا ستكون روسيا حرة في استغلال العملية الدستورية كوسيلة لتطبيع نظام الأسد دون معالجة أي من الأسباب الجذرية للحرب.

الدستور كأداة لانخراط روسيا

طوال سنوات، حاول مبعوثو الأمم المتحدة إيصال الأحزاب السورية إلى تسوية سياسية، ولكنهم وجدوا مساعيهم مشلولة بسبب موسكو التي دأبت بثبات على حماية النظام السوري من عواقب رفض التفاوض مع المعارضة. ورفضت الولايات المتحدة وأوروبا والدول الإقليمية المعنية التصدي لهذه الحماية من خلال تصعيد الأعمال العسكرية مع روسيا عند تدخّلها على الأرض، وبدلا من ذلك اقتصرت ضغوطها على العقوبات الاقتصادية والانخراط الدبلوماسي.

وبالتالي، اكتسب الإصلاح الدستوري زخما لأنه كان أحد المواضيع القليلة التي أبدى الدبلوماسيون الروس اهتماما بها. وفي الواقع كان العمل على وضع دستور جديد في محور النقاشات التي دارت بين الولايات المتحدة وروسيا في مارس 2015. وبعد شهرين من ذلك التاريخ، قدمت موسكو المسودة الأولى من الدستور التي تم رفضها بشكل قاطع من قبل جميع أطراف المعارضة السورية. 

من الضروري أيضا إجراء نوع من التشاور الأوسع مع الجالية السورية في الشتات للتعويض عن نقص الشفافية في عملية تعيين أعضاء اللجنة

وفي يناير 2017، قوبِلت المسودة الثانية بردٍّ مماثل. ومع ذلك، اقترح المسؤولون الروس في مايو 2017 عقد "مؤتمر مصالحة وطنية" في سوتشي، ثم ساعدوا النظام على اختيار الفصائل السورية التي ستتم دعوتها لمناقشة الدستور الجديد خلال المؤتمر. وبحلول نهاية ذلك العام، كان الإصلاح الدستوري أحد المقومات الجوهرية في مذكرة دانانغ المشتركة بين الرئيسين فلاديمير بوتين ودونالد ترامب.

ويبدو أن موسكو كانت ولا تزال تنظر إلى الإصلاح الدستوري كإطار عمل مرن لإطلاق عملية دبلوماسية دولية وإسكات النقّاد في الغرب مع الحفاظ على نهجها السياسي والحد من نطاق ما قد يتضمنه "التغيير" في سوريا في نهاية المطاف. وعلى الرغم من دعوة قرار مجلس الأمن رقم 2254 إلى قيام عملية سياسية مؤلفة من ثلاثة عناصر أساسية ـ حكومة انتقالية، انتخابات حرة ونزيهة، ودستور جديد ـ إلا أن روسيا عملت تدريجيا على تخفيف النقاش وحصره بالعنصر الأخير وحده.

الدستور كـ "غموض بَنّاء"

بينما تعمل الأطراف الفاعلة الدولية على حث السوريين على الاهتمام بالقضايا التي يجب عليهم اتخاذ القرارات بشأنها بأنفسهم ـ أي المبادئ الدستورية، وإصلاح الدولة، وترتيبات تقاسم السلطة ـ إلا أن هذه الأطراف، من كلا المقلبَين الموالي لنظام الأسد والمعارض له، تدرك جيدا أن طريقة فهمها لهذه الأمور تختلف فيما بينها. ومع ذلك، اعتبر المسؤولون الأجانب أنه من المفيد الحفاظ على هذا الغموض في الوقت الحالي كمحطة على الطريق المؤدي إلى المزيد من المناقشات المفصّلة.

وهكذا، عندما اقترحت روسيا وتركيا وإيران تشكيل لجنة دستورية خلال مؤتمر سوتشي في يناير 2018، تم قبول الفكرة لاحقا من قبل "المجموعة الصغيرة" (بريطانيا ومصر وفرنسا وألمانيا والأردن والمملكة العربية السعودية والولايات المتحدة) شريطة أن تبقى تحت الرعاية الكاملة للأمم المتحدة. وأظهرت هذه المجموعة تجاوبا مع العملية، ويُعزى ذلك إلى حد كبير إلى قبول نظام الأسد بها، وبذلك أصبحت هذه الحالة الوحيدة التي تنخرط فيها دمشق في مفاوضات بشأن أي موضوع منذ عام 2011.

كما أنّ هذا الاقتراح منح النظامَ وداعميه الوقت الكافي لاستعادة الأراضي في مختلف أنحاء سوريا (نفس الديناميكية التي نشهدها اليوم في إدلب)، وفي الوقت نفسه إحباط الضغوط التي تمارَس عليه قبل الانتخابات الرئاسية في البلاد عام 2021. ومن جهتها، اعتبرت أوروبا وتركيا والأمم المتحدة والولايات المتحدة اللجنة بمثابة "مفتاح" يتيح لها إعادة المعارضة السورية إلى المسار السليم وبناء الثقة دون مناقشة المصير الشخصي لبشار الأسد.

الإعداد غير الشفاف والأهداف غير الواضحة

على الرغم من أن اللجنة الدستورية كانت قائمة على تفاهم ضمني بأنها ستعمل على تنشيط العملية السياسية السورية المنصوص عليها في القرار 2254، إلا أن الأسد وإيران وروسيا وتركيا ماطلوا ثمانية عشر شهرا حتى الموافقة على تشكيلتها. وتم التوصل إلى حل وسط مبهم بشأن ثلاث فئات من الممثلين، هي: خمسون ممثلا من النظام، وخمسون من المعارضة، وخمسون من المجتمع المدني السوري، علما بأن أفراد هذه الفئة الأخيرة هم في الظاهر مرشحون من الأمم المتحدة ولكن بمعظمهم مفروضون إلى حد كبير من قبل موسكو وأنقرة.

لا يخفى أن الآمال في قيام عملية دستورية وانتخابية شفافة في سوريا ليست كبيرة

وكانت المشكلة الرئيسية الأخرى هي استبعاد شمال شرق سوريا، الذي نجم عن النزاع المفتوح بين تركيا و"وحدات حماية الشعب"، الميليشيا الكردية التي تهيمن على المنطقة. وقد منعت أنقرة أي عضو من "الإدارة الذاتية لشمال وشرق سوريا" التي تقودها "وحدات حماية الشعب" من المشاركة في اللجنة ـ وهي فرصة تم تضييعها لتهدئة التوترات بين الجانبين وتوضيح أهداف "وحدات حماية الشعب" فيما يتعلق باللامركزية مقابل الانفصالية.

ومن غير الواضح أيضا الهدف الرئيسي العام للجنة: هل تهدف إلى إصدار دستور جديد، أم مجرد الاكتفاء بتعديل الدستور الحالي؟ وما هي الآلية التي ستستعين بها للمصادقة على الميثاق الجديد: أهي استفتاء عام أو تصويت في البرلمان؟ وإذا كان الأخير هو الجواب، فهل سيتم انتخاب برلمان جديد قبل التصويت على الدستور؟

النظام مستمر في عرقتله وموسكو تسايره

على الرغم من أن الغموض البنّاء قد يسهّل أحيانا التقدم بشأن العناصر الأقل حساسية من العملية السياسية، إلا أنه يتعيّن على الأطراف المعنية في النهاية معالجة العناصر الجوهرية من النزاع، مهما بدت مستعصية. 

ومع ذلك، فبحلول نوفمبر 2019، وبعد عقد اجتماعَين للجنة الدستورية، منع النظام مجددا مناقشة القضايا الجوهرية وركّز محور المحادثات على محاربة "الإرهاب". وهذه المسألة بعيدة كل البعد عن القضايا الدستورية، وشكلت في أغلب الأحيان أداة استخدمها النظام للخلط بين المعارضة السياسية والتنظيمات الجهادية المسلحة في سوريا. 

كما رفضت دمشق مناقشة أي مسألة مرتبطة بالإشراف على الجيش، معتبرة هذا الأمر "خطا أحمر" ـ على الرغم من أن السلطة المدنية على القوات العسكرية هي قضية دستورية أساسية في البلدان في جميع أنحاء العالم. 

وفي الآونة الأخيرة، ألمح المبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى أنه تم إيجاد ترتيبات جديدة لاستئناف المحادثات الجوهرية، ولكن الوباء العالمي منع الأطراف المعنية من تحديد موعد اجتماع جديد.

إن هدف النظام واضح، ويتمثل بتأجيل اللجنة لفترة كافية إلى حين قيام الأسد بإجراء الانتخابات الرئاسية لعام 2021 بموجب الدستور الحالي (والفوز بها). ولا يزال من غير الواضح إلى أي مدى ستكون روسيا مستعدة لاستخدام أسلوب الترهيب والترغيب لإقناع دمشق بضرورة المشاركة في المحادثات المشروعة. وهذه هي نفس الظروف التي عرقلت مفاوضات الأمم المتحدة في جنيف على مدى سنوات طويلة ـ بمباركة موسكو، فدمشق تحاول خنق العملية ببطء، بينما يحكم الأسد بلدا مدمرا، ويسمح مؤقتا ببقاء بعض أجزائه تحت النفوذ التركي.

الاستثمار في اللجنة ـ أو إنهائها إذا لزم الأمر

لا يوجد حل سحري للجمود الراهن، خاصة إذا قررت واشنطن مواصلة انسحابها العسكري الذي بدأته في خضم التوغل التركي إلى شمال شرق سوريا في أكتوبر 2019. وسيؤدي عدم انخراط الولايات المتحدة وحلفائها بحزمٍ أكبر في مسألة اللجنة الدستورية وغيرها من القضايا السياسية، إلى إضعاف موقفها بصورة أكبر. وفي غضون ذلك، تستغل روسيا والنظام السوري كل فرصة ممكنة لتعزيز نفوذهما في المجتمع الدولي، كما أظهرت بوضوح مفاوضات مجلس الأمن الدولي في يناير بشأن وصول المساعدات الإنسانية عبر الحدود.

لذلك، من الضروري بشكل طارئ أن تتخذ واشنطن وحلفاؤها قرارا حاسما بشأن اللجنة الدستورية ـ أولا لدعمها وإعطائها فرصة حقيقية للنجاح، ومن ثم إنهائها إذا لم تحقق الهدف الذي أُنشأت من أجله خلال الشهرين المقبلين. ويشمل ذلك ربط عقوبات إضافية بكل حالة من حالات العرقلة من قبل النظام، وتقديم الدعم التقني والمالي لممثلي اللجنة من المعارضة والمجتمع المدني. 

كانت المشكلة الرئيسية الأخرى هي استبعاد شمال شرق سوريا، الذي نجم عن النزاع المفتوح بين تركيا و"وحدات حماية الشعب"

ومن الضروري أيضا إجراء نوع من التشاور الأوسع مع الجالية السورية في الشتات للتعويض عن نقص الشفافية في عملية تعيين أعضاء اللجنة ـ على وجه الخصوص، يجب على أوروبا وتركيا والولايات المتحدة توفير أُطرا [تآزرية] للسوريين خارج سوريا للتعبير عن آرائهم بشأن الإصلاح الدستوري.

ومن شأن هذه الخطوات أن تضع الكرة بحزم في ملعب روسيا، مما يجبرها على دفع النظام إلى المساهمة في صياغة مسودة دستورية جادة. وإذا لم تكمّل اللجنة عملها قبل موسم الانتخابات بوقت طويل في عام 2021، ينبغي على المسؤولين الأميركيين والأوروبيين أن يكونوا على استعداد للمطالبة بحلّ اللجنة.

فيما يتخطى الدستور

بطبيعة الحال، حتى الدستور الجديد المُصاغ بوساطة شرعية لن يمثل سوى الخطوة الأولى في عملية طويلة ـ وبمفرده، لن ينهي الميثاق معاناة الشعب ولن يمكّن مئات آلاف اللاجئين من العودة إلى ديارهم. لذلك يجب على الأمم المتحدة وضع الخطوات التي يمكن أن تلي نجاح اللجنة الدستورية، مثل تصميم آلية رقابة قوية على الانتخابات الرئاسية، وإعداد خيارات تصويت آمنة وحيادية للمغتربين.

ولا يخفى أن الآمال في قيام عملية دستورية وانتخابية شفافة في سوريا ليست كبيرة. ومع ذلك، ستزداد حظوظها إذا بذلت الولايات المتحدة وأوروبا جهود مصممة بعناية وإتقان ـ أو على الأقل إذا مُنِعت روسيا من إعطاء صورة مزيفة عن عملية غير مشروعة.

المصدر: منتدى فكرة