كشف فيروس كورونا بشكل محرج وصارخ مكامن الضعف في نظام الصحة الأميركي، وتخبط أولي في تحضير البنية التحتية لإجراء الاختبارات الضرورية لمعرفة عدد المصابين وأماكن انتشارهم، تمهيدا لاحتواء الوباء قبل الانتقال إلى تحييده والقضاء عليه.
ولكن الإخفاق الطبي في "مركز ضبط الأمراض" لجهة تطوير أجهزة لفحص المشتبه بإصابتهم بالوباء بسرعة، أبرز للعلن إخفاقا أميركيا أخطر، وهو غياب القيادة الأميركية السياسية والأخلاقية الفعالة التي يثق بها الأميركيون والعالم، ويتطلعون إليها لاحتواء مضاعفات الكارثة إن كانت زلزالا مدمرا أو طوفانا يترك وراءه أرضا يبابا، أو وباء عالميا يقتل دون تمييز ولا يعترف بسيادة الدول أو حدودها.
تعوّد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على رؤية فرق الإنقاذ الأميركية، إن كانت من الأطباء أو فرق إغاثة ضحايا الزلازل مع كلابهم المدربة، أو كتائب المارينز على الخطوط الأمامية لهذه الكوارث لتوفير الخدمات الطبية والتقنية والإنسانية للمتضررين. هذا ما كان يتوقعه العالم، وهذا ما كان يقوم به الأميركيون حتى قبل أن يتلقوا طلب المساعدة.
اعتمد الرئيس ترامب سياسة النكران في التعامل مع الوباء والتقليل من أهميته وخطره
ولكن الولايات المتحدة في حقبة الرئيس دونالد ترامب لم تعد كما كانت عليه في السابق. قبل ثلاثة أيام حطت طائرة صينية في روما تحمل فريقا طبيا من 9 أفراد وشحنة من 30 طنا من المعدات والإمدادات الطبية بما فيها الأقنعة وأجهزة التنفس الصناعي لمساعدة إيطاليا على مكافحة فيروس كورونا الذي أصاب أكثر من 21 ألف إيطالي وتسبب في وفاة 1441. هذه المساعدات من الصين، التي انتشر منها فيروس كورونا، جاءت بعد أن تخلت دول الاتحاد الأوروبي عن إيطاليا، وهي دولة عضو في الاتحاد، بعد أن تقدمت إيطاليا رسميا بطلب المساعدات في الشهر الماضي. وحتى الآن لم تقدم أي دولة أوروبية، بمن فيها تلك الدول التي لا توجد فيها إصابات عديدة بفيروس كورونا، لإيطاليا أي مساعدات طبية أو تقنية. هذا الموقف الأوروبي المشين يطرح أسئلة عديدة حول جدوى الاتحاد الأوروبي خلال الأزمات الحقيقية.
مشهد الطائرة الصينية في مطار روما كان مشجعا وأخلاقيا، كما كان مقلقا. الصين قامت بما هو مناسب تقنيا وعمليا وأخلاقيا لمساعدة إيطاليا. ولكن المشهد مقلق لأنه لو وجدت إيطاليا نفسها بمأزق مماثل قبل عقد من الزمان، لكنا رأينا في مطار روما طائرة أو طائرات أميركية مع فرق الإنقاذ الجاهزة للمساعدة.
حين أعلن الرئيس ترامب عن حالة الطوارئ العامة، وصف فيروس كورونا بالوباء "الأجنبي"، وحين أعلن عن حظر السفر للولايات المتحدة من معظم دول الاتحاد الاوروبي اتهم هذه الدول بأنها لم تقم بما فيه الكفاية لمكافحة الوباء، وهو اتهام مجحف.
موقف ترامب من الاتحاد الأوروبي لم يكن سلبيا فقط بل حتى عدائيا. وحتى ولو كانت هناك مبررات لضبط ومراقبة حركة السفر من أوروبا إلى الولايات المتحدة، فإن مكافحة وباء عالمي لا يعترف بالحدود يتطلب تعاونا دوليا، وخاصة مع الحلفاء التقليديين. ولو كان بإمكان الرئيس ترامب بناء جدار عازل مع الدول الأوروبية كما يفعل مع المكسيك لربما فعل ذلك. الإيطاليون، بعد خروجهم من محنتهم، سوف يذكرون من وقف معهم، ومن تخلى عنهم في أحلك لحظاتهم منذ الحرب العالمية الثانية.
أعمال الإغاثة الأميركية لم تقتصر على مساعدة الأصدقاء، بل شملت الخصوم أيضا. وعندما تعرضت مدينة بام الإيرانية القديمة لزلزال ضخم في 2003، أدى إلى مقتل آلاف المدنيين، أرسل الرئيس جورج بوش طائرتين عسكريتين مع فريق إنقاذ من مئتي شخص وأكثر من 150 ألف باوند من المعدات الطبية، لمساعدة الضحايا، على الرغم من العلاقات المتوترة مع إيران. (لا أزال أذكر الاعتزاز الذي شعرت به آنذاك لأن فريق الإنقاذ شمل نخبة من الإطفائيين المختصين بإنقاذ ضحايا الزلازل من مقاطعة فيرفاكس بولاية فيرجينيا، حيث أقيم منذ حوالي أربعين سنة).
موقف ترامب من الاتحاد الأوروبي لم يكن سلبيا فقط بل حتى عدائيا
عندما انتشر وباء إيبولا في دول غرب أفريقيا، وخاصة ليبيريا، في 2014 قرر الرئيس باراك أوباما إرسال أكثر من 3 آلاف عسكري وتقني لإقامة مستشفيات ميدانية لمكافحة الوباء في عملية بلغت ميزانيتها أكثر من نصف مليار دولار، شملت مكافحة الوباء وإقامة مركز لتدريب الفرق المحلية. هذين مثالين لرئيس جمهوري ورئيس ديمقراطي واصلا العمل بتقليد أميركي كان مسلمّا به من الحزبين.
منذ الإعلان عن أول المصابين بفيروس كورونا في الولايات المتحدة، اعتمد الرئيس ترامب سياسة النكران في التعامل مع الوباء والتقليل من أهميته وخطره، ووصل الأمر به للقول إن الديمقراطيين يستخدمون الوباء كخدعة ضده، وذخيرة لاستخدامها ضده في الانتخابات. ترامب أعطى احصائيات غير صحيحة وأوحى بأن الأخصائيين سيتوصلون قريبا إلى لقاح ضد الوباء، وذلك في تضليل للرأي العام، لأن الخبراء أكدوا أن اللقاح لن يتوفر قبل سنة أو 18 شهرا. موقف ترامب ساهم كثيرا في تأخير عملية تعبئة الأجهزة الحكومية والطبية والعلمية لمواجهة الوباء. هذا التأخر في الاعتراف الصريح بخطورة الوباء، ساهم أيضا بتشجيع أنصار الرئيس على التشكيك بصحة تأكيدات المراجع الطبية والعلمية بخطورة الوباء.
إحدى المشاكل التي يواجهها الرئيس ترامب في معالجة فيروس كورونا، هي أنه لا يستطيع إلا الاعتماد على الأجهزة الحكومية لجهة المعلومات والإحصائيات ومتطلبات مكافحة الوباء، وهي الأجهزة التي كان يتهم بعضها، على الأقل، على أنها جزء من "الدولة العميقة" التي تعمل ضده وتريد حرمانه من ولاية ثانية.
ولكن المعضلة التي تواجهها أكثرية من الأميركيين خلال تصديهم لأخطر وباء يواجهونه منذ وباء الإنفلونزا الإسبانية في العام 1918، هي أنهم لا يصدقون ما يقوله الرئيس ترامب عن فيروس كورونا، وخاصة تأكيداته التي لا أساس لها، أو تضليله المقصود للرأي العام، بحجة أنه لا يريد أن يخيف الأميركيين، وتقويض الأسواق المالية. وبعد أكثر من ثلاث سنوات على دخوله للبيت الأبيض يعاني ترامب من مأزق فقدان الصدقية. الرئيس متهم بأنه يمارس التضليل بشأن القضايا البسيطة كما بشأن القضايا المتعلقة بالأمن القومي، وفيروس كورونا هو من بينها.
وفي الإيجازات الصحفية حول الوباء والتي يشارك فيها أحيانا الرئيس ترامب، لم يحاول ولو لمرة واحدة أن يتحدث عن معاناة المصابين بالوباء، أو إنسانيتهم، أو أن يسرد قصص التضحية وحتى البطولة لأولئك الأطباء والممرضين وغيرهم من العاملين في مجال الصحة العامة. ترامب يتحدث بطريقة ميكانيكية أو خشبية.
تعوّد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على رؤية فرق الإنقاذ الأميركية على الخطوط الأمامية للكوارث
وهذا ما فعله يوم الأحد حين شارك في الإيجاز الصحفي في البيت الابيض، حين أثنى بسخاء على قرار حاكم المصرف الفدرالي جيروم باول تخفيض معدل الفائدة إلى صفر مستخدما كلمة "سعيد"، أو "سعيد جدا" 6 مرات، وتحدث عن أن هذا القرار سينعش الأسواق المالية. وحتى الآن أخفق ترامب في الارتفاع إلى مستوى التحدي الوطني الذي يمثله فيروس كورونا.
رؤساء الولايات المتحدة العظام، وهم ثلاثة: جورج واشنطن، وأبراهام لينكولن، وفرانكلين ديلانو روزفلت، صهرتهم معمودية نيران الحروب، ما جعلهم يرتقون إلى مستوى التحدي التاريخي، وهذا ما فعله واشنطن خلال حرب الاستقلال، ولينكولن خلال الحرب الأهلية، وروزفلت خلال الحرب العالمية الثانية.
رؤساء آخرون، كان أدؤهم جيدا في البيت الأبيض، فاجأوا أنفسهم كما فاجأوا شعبهم عندما واجهوا تحديات لم يتوقعونها، أو توقعونها بعض الشيء وتخطوها، وخاصة كيفية تواصلهم وتعاطفهم مع الأميركيين العاديين. الأميركيون لا يزالوا يتذكرون بلاغة الرئيس رونالد ريغان في تأبينه لضحايا تحطم مركبة تشالنجر في 1986، والرئيس بيل كلينتون في كلمته الأخاذة خلال تأبين ضحايا تفجير البناية الفدرالية في 1995، أو كلمة جورج بوش القوية والمريحة للأميركيين حين وقف قرب ركام برجي التجارة الدولية بعد هجمات سبتمبر. وأخيرا، التأبينات العديدة وكلمات التعاطف الصادقة مع الكثير من الضحايا، التي ألقاها الرئيس باراك أوباما في أعقاب أعمال القتل الجماعي التي وقعت في المدارس وفي الكنائس. الرئيس ترامب عاجز عن التعبير عن أي مشاعر تعاطف أو تضامن صادقة مع ضحايا أي كارثة. قلب ترامب المصنوع من الصلب لا يرى أن لفيروس كورونا أي ضحايا.
اقرأ للكاتب أيضا: هل أصبح لبنان دولة فاشلة؟

