US President Donald Trump takes questions during a COVID-19 pandemic briefing at the White House March 17, 2020, in Washington,…
في الإيجازات الصحفية حول الوباء والتي يشارك فيها أحيانا الرئيس ترامب، لم يحاول ولو لمرة واحدة أن يتحدث عن معاناة المصابين بالوباء

كشف فيروس كورونا بشكل محرج وصارخ مكامن الضعف في نظام الصحة الأميركي، وتخبط أولي في تحضير البنية التحتية لإجراء الاختبارات الضرورية لمعرفة عدد المصابين وأماكن انتشارهم، تمهيدا لاحتواء الوباء قبل الانتقال إلى تحييده والقضاء عليه.

ولكن الإخفاق الطبي في "مركز ضبط الأمراض" لجهة تطوير أجهزة لفحص المشتبه بإصابتهم بالوباء بسرعة، أبرز للعلن إخفاقا أميركيا أخطر، وهو غياب القيادة الأميركية السياسية والأخلاقية الفعالة التي يثق بها الأميركيون والعالم، ويتطلعون إليها لاحتواء مضاعفات الكارثة إن كانت زلزالا مدمرا أو طوفانا يترك وراءه أرضا يبابا، أو وباء عالميا يقتل دون تمييز ولا يعترف بسيادة الدول أو حدودها.

تعوّد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على رؤية فرق الإنقاذ الأميركية، إن كانت من الأطباء أو فرق إغاثة ضحايا الزلازل مع كلابهم المدربة، أو كتائب المارينز على الخطوط الأمامية لهذه الكوارث لتوفير الخدمات الطبية والتقنية والإنسانية للمتضررين. هذا ما كان يتوقعه العالم، وهذا ما كان يقوم به الأميركيون حتى قبل أن يتلقوا طلب المساعدة.

اعتمد الرئيس ترامب سياسة النكران في التعامل مع الوباء والتقليل من أهميته وخطره

ولكن الولايات المتحدة في حقبة الرئيس دونالد ترامب لم تعد كما كانت عليه في السابق. قبل ثلاثة أيام حطت طائرة صينية في روما تحمل فريقا طبيا من 9 أفراد وشحنة من 30 طنا من المعدات والإمدادات الطبية بما فيها الأقنعة وأجهزة التنفس الصناعي لمساعدة إيطاليا على مكافحة فيروس كورونا الذي أصاب أكثر من 21 ألف إيطالي وتسبب في وفاة 1441. هذه المساعدات من الصين، التي انتشر منها فيروس كورونا، جاءت بعد أن تخلت دول الاتحاد الأوروبي عن إيطاليا، وهي دولة عضو في الاتحاد، بعد أن تقدمت إيطاليا رسميا بطلب المساعدات في الشهر الماضي. وحتى الآن لم تقدم أي دولة أوروبية، بمن فيها تلك الدول التي لا توجد فيها إصابات عديدة بفيروس كورونا، لإيطاليا أي مساعدات طبية أو تقنية. هذا الموقف الأوروبي المشين يطرح أسئلة عديدة حول جدوى الاتحاد الأوروبي خلال الأزمات الحقيقية.

مشهد الطائرة الصينية في مطار روما كان مشجعا وأخلاقيا، كما كان مقلقا. الصين قامت بما هو مناسب تقنيا وعمليا وأخلاقيا لمساعدة إيطاليا. ولكن المشهد مقلق لأنه لو وجدت إيطاليا نفسها بمأزق مماثل قبل عقد من الزمان، لكنا رأينا في مطار روما طائرة أو طائرات أميركية مع فرق الإنقاذ الجاهزة للمساعدة.

حين أعلن الرئيس ترامب عن حالة الطوارئ العامة، وصف فيروس كورونا بالوباء "الأجنبي"، وحين أعلن عن حظر السفر للولايات المتحدة من معظم دول الاتحاد الاوروبي اتهم هذه الدول بأنها لم تقم بما فيه الكفاية لمكافحة الوباء، وهو اتهام مجحف.

موقف ترامب من الاتحاد الأوروبي لم يكن سلبيا فقط بل حتى عدائيا. وحتى ولو كانت هناك مبررات لضبط ومراقبة حركة السفر من أوروبا إلى الولايات المتحدة، فإن مكافحة وباء عالمي لا يعترف بالحدود يتطلب تعاونا دوليا، وخاصة مع الحلفاء التقليديين. ولو كان بإمكان الرئيس ترامب بناء جدار عازل مع الدول الأوروبية كما يفعل مع المكسيك لربما فعل ذلك. الإيطاليون، بعد خروجهم من محنتهم، سوف يذكرون من وقف معهم، ومن تخلى عنهم في أحلك لحظاتهم منذ الحرب العالمية الثانية.

أعمال الإغاثة الأميركية لم تقتصر على مساعدة الأصدقاء، بل شملت الخصوم أيضا. وعندما تعرضت مدينة بام الإيرانية القديمة لزلزال ضخم في 2003، أدى إلى مقتل آلاف المدنيين، أرسل الرئيس جورج بوش طائرتين عسكريتين مع فريق إنقاذ من مئتي شخص وأكثر من 150 ألف باوند من المعدات الطبية، لمساعدة الضحايا، على الرغم من العلاقات المتوترة مع إيران. (لا أزال أذكر الاعتزاز الذي شعرت به آنذاك لأن فريق الإنقاذ شمل نخبة من الإطفائيين المختصين بإنقاذ ضحايا الزلازل من مقاطعة فيرفاكس بولاية فيرجينيا، حيث أقيم منذ حوالي أربعين سنة).

موقف ترامب من الاتحاد الأوروبي لم يكن سلبيا فقط بل حتى عدائيا

عندما انتشر وباء إيبولا في دول غرب أفريقيا، وخاصة ليبيريا، في 2014 قرر الرئيس باراك أوباما إرسال أكثر من 3 آلاف عسكري وتقني لإقامة مستشفيات ميدانية لمكافحة الوباء في عملية بلغت ميزانيتها أكثر من نصف مليار دولار، شملت مكافحة الوباء وإقامة مركز لتدريب الفرق المحلية. هذين مثالين لرئيس جمهوري ورئيس ديمقراطي واصلا العمل بتقليد أميركي كان مسلمّا به من الحزبين.

منذ الإعلان عن أول المصابين بفيروس كورونا في الولايات المتحدة، اعتمد الرئيس ترامب سياسة النكران في التعامل مع الوباء والتقليل من أهميته وخطره، ووصل الأمر به للقول إن الديمقراطيين يستخدمون الوباء كخدعة ضده، وذخيرة لاستخدامها ضده في الانتخابات. ترامب أعطى احصائيات غير صحيحة وأوحى بأن الأخصائيين سيتوصلون قريبا إلى لقاح ضد الوباء، وذلك في تضليل للرأي العام، لأن الخبراء أكدوا أن اللقاح لن يتوفر قبل سنة أو 18 شهرا. موقف ترامب ساهم كثيرا في تأخير عملية تعبئة الأجهزة الحكومية والطبية والعلمية لمواجهة الوباء. هذا التأخر في الاعتراف الصريح بخطورة الوباء، ساهم أيضا بتشجيع أنصار الرئيس على التشكيك بصحة تأكيدات المراجع الطبية والعلمية بخطورة الوباء.

إحدى المشاكل التي يواجهها الرئيس ترامب في معالجة فيروس كورونا، هي أنه لا يستطيع إلا الاعتماد على الأجهزة الحكومية لجهة المعلومات والإحصائيات ومتطلبات مكافحة الوباء، وهي الأجهزة التي كان يتهم بعضها، على الأقل، على أنها جزء من "الدولة العميقة" التي تعمل ضده وتريد حرمانه من ولاية ثانية.

ولكن المعضلة التي تواجهها أكثرية من الأميركيين خلال تصديهم لأخطر وباء يواجهونه منذ وباء الإنفلونزا الإسبانية في العام 1918، هي أنهم لا يصدقون ما يقوله الرئيس ترامب عن فيروس كورونا، وخاصة تأكيداته التي لا أساس لها، أو تضليله المقصود للرأي العام، بحجة أنه لا يريد أن يخيف الأميركيين، وتقويض الأسواق المالية. وبعد أكثر من ثلاث سنوات على دخوله للبيت الأبيض يعاني ترامب من مأزق فقدان الصدقية. الرئيس متهم بأنه يمارس التضليل بشأن القضايا البسيطة كما بشأن القضايا المتعلقة بالأمن القومي، وفيروس كورونا هو من بينها.

وفي الإيجازات الصحفية حول الوباء والتي يشارك فيها أحيانا الرئيس ترامب، لم يحاول ولو لمرة واحدة أن يتحدث عن معاناة المصابين بالوباء، أو إنسانيتهم، أو أن يسرد قصص التضحية وحتى البطولة لأولئك الأطباء والممرضين وغيرهم من العاملين في مجال الصحة العامة. ترامب يتحدث بطريقة ميكانيكية أو خشبية.

تعوّد العالم منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على رؤية فرق الإنقاذ الأميركية على الخطوط الأمامية للكوارث

وهذا ما فعله يوم الأحد حين شارك في الإيجاز الصحفي في البيت الابيض، حين أثنى بسخاء على قرار حاكم المصرف الفدرالي جيروم باول تخفيض معدل الفائدة إلى صفر مستخدما كلمة "سعيد"، أو "سعيد جدا" 6 مرات، وتحدث عن أن هذا القرار سينعش الأسواق المالية. وحتى الآن أخفق ترامب في الارتفاع إلى مستوى التحدي الوطني الذي يمثله فيروس كورونا.

رؤساء الولايات المتحدة العظام، وهم ثلاثة: جورج واشنطن، وأبراهام لينكولن، وفرانكلين ديلانو روزفلت، صهرتهم معمودية نيران الحروب، ما جعلهم يرتقون إلى مستوى التحدي التاريخي، وهذا ما فعله واشنطن خلال حرب الاستقلال، ولينكولن خلال الحرب الأهلية، وروزفلت خلال الحرب العالمية الثانية.

رؤساء آخرون، كان أدؤهم جيدا في البيت الأبيض، فاجأوا أنفسهم كما فاجأوا شعبهم عندما واجهوا تحديات لم يتوقعونها، أو توقعونها بعض الشيء وتخطوها، وخاصة كيفية تواصلهم وتعاطفهم مع الأميركيين العاديين. الأميركيون لا يزالوا يتذكرون بلاغة الرئيس رونالد ريغان في تأبينه لضحايا تحطم مركبة تشالنجر في 1986، والرئيس بيل كلينتون في كلمته الأخاذة خلال تأبين ضحايا تفجير البناية الفدرالية في 1995، أو كلمة جورج بوش القوية والمريحة للأميركيين حين وقف قرب ركام برجي التجارة الدولية بعد هجمات سبتمبر. وأخيرا، التأبينات العديدة وكلمات التعاطف الصادقة مع الكثير من الضحايا، التي ألقاها الرئيس باراك أوباما في أعقاب أعمال القتل الجماعي التي وقعت في المدارس وفي الكنائس. الرئيس ترامب عاجز عن التعبير عن أي مشاعر تعاطف أو تضامن صادقة مع ضحايا أي كارثة. قلب ترامب المصنوع من الصلب لا يرى أن لفيروس كورونا أي ضحايا.

اقرأ للكاتب أيضا: هل أصبح لبنان دولة فاشلة؟

تمثال المتنبي في العراق
تمثال المتنبي في العراق

هل المتنبي شاعر عظيم ؟ الجواب: نعم؛ وبلا تردّد، بل هو أعظم شعراء العربية في رأي الأغلبية الساحقة من النقاد العرب في القديم والحديث. وأكثر من ذلك؛ لا تكاد الذائقة العربية العمومية (الذائقة التي تتجاوز حدود الاختصاص النقدي) تُجْمِع على مَحَبَّة وتعظيم ـ بل وتقديس ـ أحد شعرائها العظام كما تُجْمِع على محبة وتقديس امبراطور البيان العربي: أبي الطيب المتنبي؛ وكأنما هي قد نصّبته ـ بلسان الحال ـ مُتَحَدِّثا رسميا بمكنوناتها الواعية واللاواعية، أو كأنما هو المُمَثِّل الشرعي والأسمى لِتَصوّرها الأخلاقي/ القِيمي العام.

لم يكن زمن المتنبي زَمَناً له كفرد، بل هو "زمن الروح العربية" منذ فَجْر ميلادها الأول، زمنُ عمرو بن كلثوم التغلبي الذي زعم أنه مَلأ البَرَّ حتى ضاق عنه، وملأ ظهرَ البحر سَفِيناً؛ بينما هو ـ في الواقع ـ يتحدّث عن قبيلته الصغيرة الهزيلة التي يهزمها ثمانون فارسا من القبيلة الأخرى المنافسة. وأيضا، هذا الزمن هو زمن الحطيئة "الشحّاذ" بامتياز. ثم ـ وهو الأخطر ـ  زمن الأخطل التغلبي، زمن قلب الحقائق رأسا على عقب؛ عندما يتحوّل ـ بالادعاء الشعري ـ أحدُ أكبر السفّاحين في تاريخ الإسلام إلى "خليفة الله يُسْتَسقَى به المَطرُ". وهو كذلك زمن جرير؛ عندما يُصِبح الحجّاج بن يوسف (الذي هو عار التاريخ الإسلامي) البطلَ الذي سدَّ مطلع النفاق، وأرسى قواعد الأمان...إلخ تلاوين الزمن العربي الشعري البائس.

المتنبي، شاعر القرن الرابع الهجري، ليس أكثر من مجرّد تكثيف إبداعي هائل لهذه الأزمنة في صورة زمن نموذجي. مضى على "زمن المتنبي" أكثر من ألف عام، تلاعبت سنواتُها السِّمَان، كما العِجَاف ـ وهي الأكثر ـ بالعالم العربي؛ حتى "أُحْمِدَ الصَّمم"؛ كما يقول المتنبي ذاته. ولكن "روح زمن المتنبي" لا تزال تتمدّد وتتجدّد؛ في مجالي القول والفعل. ما يعني أنها روح خالدة، وهُويّة مُلازمة، تجري المُتغيّرات على سطحها، وتعصف المتحولات بشواطئها؛ وهي وحدها الثابت اليقيني الناظِم لِمَسار الأجيال في الزمان والمكان.

إن هذه الروح التي يُعبِّر عنها "زمن المتنبي" هي روح سلبية تُنَاقِض وتُنَاهِض روحَ الحداثة من ألِفها إلى يائها. ومن ثم؛ يتعذّر الجمع بينها وبين إرادة التقدم.

لقد حاول الإنسان العربي مطلع القرن التاسع عشر استلهام عصر الأنوار الأوروبي، وبدا أوائلَ القرن العشرين وكأنه مُصَمِّم على هذا الاستلهام مهما كان الثمن، بدت المُقَدِّمات واعدة، ولكنه تعثّر، ثم توالت انتكاساته الكارثية. هكذا يبدو زمن التنوير العربي  (التنوير المأمول؛ وإن لم يتحقق) وكأنه محاصر ـ ولا يزال ـ بزمن المتنبي/ بزمن العرب الأقدم والأقدس، الزمن المترع بالمتخيل الجميل، والذي لم يكن أكثر من أغنية على شِفَاه الشعراء الحالمين، ولكنها أغنية تحدو بها الركبان، وتَسْكُر بها جِمَال القافلة، فلا ينفع حينئذٍ أن تنادي بأعلى صوتك: رِفْقاً بالقوارير.

تحدثت في مقال سابق عن "داعشية المتنبي"، أي عن تمجيد العنف الدموي في شعره، وكيف أن العنف ظهر وكأنه غاية في حدّ ذاته؛ ليصبح القيمة الأسمى. وهي القيمة التي لم يبتدعها المتنبي، وإنما استلهمها من أسلافه، وزاد عليها من إبداعه ما جعلها ـ على قتامتها وبشاعتها ـ قيمة عُليا، تُصَان ولا تُدان. وبالطبع؛ لم يكن هذا العنف الدموي إلا وجها وحدا من أوجه خطاب التخلّف في شعر المتنبي.

اليوم، لا بد من التأكيد على حقيقة أن المتنبي شاعر الفخر الكاذب بلا منازع، شاعر الادعاء العريض، الادعاء اللاّمعقول، بل الادعاء الفارغ الذي يقف به على تخوم الجنون؛ في حين أنه يبدو ـ إبان تلقيه عربيا ـ مُبرّرا ومعقولا ! 

طبيعي أن يُسْتَسَاغ كل هذا الفخر الأجوف بلا حساب؛ لأن الأنا المتفرّدة المُتَورّمة عند المتنبي ليست إلا تلك الأنا الجمعية عند شاعر القبيلة الأول. وهذه الأنا في حالتيها (= المتفردة والجمعية) هي نقيض مبدأ المساواة الذي هو أسّ الأسس في نظام المدنية المعاصرة التي لا يوجد فيها أناس من "ذهب" وآخرون من "تراب/ رغام".

يقول المتنبي عن نفسه وعن بني زمنه:

وَما أَنا مِنهُمُ بِالعَيشِ فيهِم       وَلَكِن مَعدِنُ الذَهَبِ الرَغامُ

يقصد أنه وإن كان يعيش بين الناس، فليس هو من نوع هؤلاء الناس، ليست قيمته كقيمتهم. وطبعا، يستدل على ذلك بكون الذهب يسكن التراب، دون أن يعني ذلك أن قيمة الذهب تساوي قيمة التراب الذي يحتويه. فهو ـ وفق دعواه ـ ذَهَبٌ خالص، وسائر الناس مجرد تراب خالص، ولن يضيره العيش في أوساطهم، بل سيبقى محتفظا بقيمته على كل حال.

كما يقول أيضا على سبيل الادعاء الكاذب:

سَيَعلمُ الجَمْعُ ممن ضَمَّ مَجْلِسُنَا      بأنَّني خَيْرُ مَن تَسْعَى بِه قَدَمُ

ويقول أيضا:

وَرُبَّما أُشهِدُ الطَعامَ مَعي       مَن لا يُساوي الخُبزَ الَّذي أَكَلَهْ

 هكذا، باحتقار صريح، حتى لجلسائه الذين قد يُشاركونه طعامه، إذ قيمتهم عنده لا تساوي الخبز الذي يأكلونه. وكونهم يأكلون معه، لا يعني ـ في زعمه ـ أنهم يساوونه؛ لأنه شيء، وهم شيء آخر مختلف تماما. إنه لا يقبل أي ملمح من ملامح مساواته بالآخرين في أي سياق. ولهذا يقول صراحة في بداياته الشعرية الأولى:

 أمِط عَنكَ تَشبيهي بِما وَكَأَنَّهُ      فَما أَحَدٌ فَوقي وَلا أَحَدٌ مِثلي

وعلى العموم، أشعاره في الفخر الكاذب كثيرة جدا، وهي تنطوي على مبالغات صبيانية، مُضْحِكة في كثير من الأحيان، ولكنها مُسْتساغة إلى حد كبير في الذائقة العربية التي استمرأت مثل هذا الادعاء البهلواني منذ أيام جاهليتها الأولى التي كانت لا تتقن غير مضغ الكلام.

وإذا كان المتنبي شاعر مديح كاذب بالدرجة الأولى، فهو شاعر هجاء كاذب بالدرجة الثانية. وأخطر من الكذب هنا أو هناك، هو التقلب العبثي بين مديح وهجاء كاذبين. أي أن الكلمة الصادقة غائبة تماما؛ بعدما ما جرى التلاعب بها بين المتناقضات؛ حتى فقدت قيمتها التعبيرية. وعندما تغيب الكلمة الصادقة من رجل مهنته صناعة الكلام، لا بد وأن يغيب الموقف الصادق، لا بد أن تسقط الدلالات، وتتلاشى مدلولاتها، وتفتح العدمية أبوابها على كل الاحتمالات.

وضمور المبدأ الإنساني في شعر المتنبي، هو انعكاس لضموره ـ بل غيابه شبه الكامل ـ في التراث الشعري العربي، ومن ثم في منظومة القيم السائدة. فالمتنبي يُلِحُّ على "أصل الشر" في الإنسان، وأن "الإنسان ذئب لأخيه الإنسان"، وأن على كل إنسان أن يعامل بني جنسه بهذا المنطق المتوحش. يقول:

 وَمَن عَرَفَ الأَيّامَ مَعرِفَتي بِها                وَبِالناسِ رَوّى رُمحَهُ غَيرَ راحِمِ

فَلَيسَ بِمَرحومٍ إِذا ظَفِروا بِهِ                    وَلا في الرَدى الجاري عَلَيهِم بِآثِمِ

ويقول عن علاقات المودة بين الناس:

إِذا ما الناسُ جَرَّبَهُم لَبيبٌ           فَإِنّي قَد أَكَلتُهُمُ وَذاقا

فَلَم أَرَ وُدَّهُم إِلّا خِداعاً            وَلَم أَرَ دينَهُم إِلّا نِفاقا

كما يقول أيضا :

 فَلَمّا صارَ وُدُّ الناسِ خِبّاً         جَزَيتُ عَلى اِبتِسامٍ بِاِبتِسامِ

وَصِرتُ أَشُكُّ فيمَن أَصطَفيهِ     لِعِلمي أَنَّهُ بَعضُ الأَنـامِ 

هكذا، الخداع هو الأصل في العلاقات، والشك بالإنسان ضرورة عقلية؛ لمجرد أنه إنسان؛ لأن الإنسان ـ وفق هذا الزعم ـ متربص بالإنسان لا محالة؛ لأن طبعه العدواني/ الذئبي هو الطبع الأصيل الذي لا يستطيع تجاوزه. وبهذا، ليس ثمة تراحُمٌ، بل تزاحم وتخاصم، ثمة صِراع أزلي، لا تبدو التفاعلات البَيْنِيّة السِّلْمِية/ الوَدُودة ـ من قول أو فعل ـ إلا أداة من أدوات الصراع. والمتنبي هنا يؤكد أن تَسْمِيم العلاقات بهذا التصور المتوحش، ليس مجرد رأي مقابل رأي آخر، بل هو الحق المؤكد بمعطيات الواقع، وبالتالي، فاكتشافه واستشعار مدى خطورته من علامات النباهة والذكاء واتساع المعرفة بالإنسان.

وباستجداء المال إلى درجة "الشحاذة"/ التسوّل المجاني؛ يصبح الفعل المنتج المؤسس للحضارة بلا قيمة. المال ليس مقابل العمل، بل مقابل الإبداع في فنون التسوّل، مقابل الكذب الرخيص. وكلما كان الاستجداء أكثر مهانة؛ ارتفع توقّع العطاء. لهذا، لا يستنكف المتنبي أن يقول ـ متسوّلا ـ مَن سيهجوه بعد ذلك بأقذع الهجاء:

أبا المِسْكِ هل في الكأس فَضْلٌ أنَالُه     فإني أُغَنِّي مِنْذُ حِينٍ وتَشْرَبُ

وَهَبْتَ على مِقْدَار كَفّي زَمَانِنَا          وَنَفْسِي على مِقْدَار كَفَّيْكَ تَطْلُبُ

إنه يطلب المزيد من العطاء بلا حياء، وكأن العطاء المجاني حق مستحق، وكأن التسوّل ـ بوقاحة ـ مهنة شريفة تكتب في الأشعار الخالدة ! لهذا، لا يكفّ حتى في آخر لقاء له مع كافور أن يقول له :

وفي النفس حاجات وفيك فطانة     سكوتي بيان عندها وخطاب

إنه يطلب من كافور أن يتفهم حاجاته قبل أن يشرحها، أن يعطيه قبل أن يسأل / يتسوّل، بل ويتمنّى عليه أكثر مما صرّح به في سؤاله/ في تسوّله. يستجدي كل هذا الاستجداء الإنسانَ ذاته الذي سيخصّه بالهجاء العنصري الشهير، بل بالهجاء الذي يُجَرِّدُه فيه من صفته الإنسانية؛ ليضعه ـ صراحة، وبلغة سُوقيّة ـ في خانة الكلاب.

وتجدر الإشارة إلى أن صور الاستجداء ليست صورا عابرة في شعر المتنبي، بل هي من ثوابت ديوانه، وبعضها تصل درجة عالية من ابتذال النفس؛ حتى وجدناه يتسوّل طعامه/ زاد رحلته. يقول:

وَقَد قَصَدتُكَ وَالتَرحالُ مُقتَرِبٌ     وَالدارُ شاسِعَةٌ وَالزادُ قَد نَفِدا

فَخَلِّ كَفَّكَ تَهمي وَاِثنِ وابِلَها        إِذا اِكتَفَيتُ وَإِلّا أَغرَقَ البَلَدا

المهم هنا، أن ما يجمع بين الفخر الكاذب، والمديح الكاذب، والتسوّل المجاني، هو توهّم أن مجرد الادعاء إنجاز، وأن الكلام الفارغ/ الخالي من الحقيقة، يستحق أن يقابله المال، المال الذي يُفْتَرض أن يكون في علاقاته التبادلية مقابل إنجاز حقيقي. وهذا التوهّم سائد في الذهنية العربية، حيث بدا لها ـ على امتداد تاريخها وإلى اليوم ـ أن ما تقوله فعلته حقا، أي ما نَوَت فعله أو ادّعت فعله على مستوى القول، توهّمت أنها فعلته حقا، وتعاملت على هذا الأساس؛ لتصبح في علاقة انفصام بين الأقوال والأفعال.    

أخيرا، تضيق المساحة عن كثير من الإضاءات التي تربط بين زمن المتنبي، وزمن الحداثة المضاد؛ على مستوى القيم/ المبادئ الفاعلة. وفي كل الأحوال، ليس المقصود نفي شعر المتنبي ولا تهميش عبقريته الجمالية، بل ولا اعتباره عبقرية شعرية ماضوية ينبغي تجاوزها...إلخ، ليس هذا المقصود، بل المقصود تحديدا هو أن "زمن المتنبي" يساوي "زمن اللاّحضارة"، وأن التقدم الحقيقي رهين بالخروج منه إلى زمن آخر، إلى زمن مختلف تسوده قِيَمٌ/ مبادئ مغايرة تماما لتلك القيم/ المبادئ التي كان شعر المتنبي هو لسانها الأكمل والأجمل، كان مرآتها الأكثر صفاء على امتداد عشرة قرون من تاريخنا الذي لا يزال فاعلا فينا، لا يزال يصنع حاضرنا ومستقبلنا بكل إصرار وعناد؛ وإن لم نشعر بذلك في كثير من الأحيان.