Accessibility links

رحيل أحد أبطالها.. هكذا غيرت مهمة 'دوليتل' التاريخ


ريتشارد كول (الثاني من اليمين) وجيمس دوليتل (الثاني من اليسار)

16 طائرة مقاتلة تحلق فوق المحيط الهادئ باتجاه سواحل اليابان في مهمة من شأنها أن تغير دفة الحرب العالمية الثانية وتعيد للقوات الأميركية وقوات الحلفاء الاعتبار؛ تلك كانت "غارة دوليتل".

أحد أبطال تلك المهمة كان ريتشارد كول. لفظ أنفاسه الثلاثاء عن عمر ناهز 103 أعوام. ونعاه القائم بأعمال وزير الدفاع بات شاناهان بتغريدة.

معنويات الجيش الأميركي كانت منهارة في مطلع عام 1942 بعد هجوم مباغت شنته طائرات مقاتلة يابانية على ميناء بيرل هاربر في جزر هاواي.

الهجوم الذي وقع في كانون الأول/ديسمبر 1941، دمر 188 طائرة أميركية وأغرق بوارج ومدمرات بحرية، فضلا عن إسقاط 2400 قتيل في ضربة قاسية تلقاها الأسطول الأميركي.

أثر الضربة اليابانية لم يقتصر على الجيش وحده. تقول ​صحيفة "نيويورك تايمز" إن هجوم بيرل هاربر "صدم وأغضب الأمة وقادها إلى الحرب" بعدما كان الكونغرس والشعب الأميركي منقسمين حول دخول معترك الحرب العالمية الثانية.

في ذلك الوقت كان الملازم الثاني ريتشارد كول قد أمضى ما يزيد على العام بقليل في سلاح الجو الأميركي، وبعد شهرين من هجوم بيرل هاربور قرأ الطيار الشاب إعلانا يدعو الطيارين للتطوع في مهمة غير محددة.

كان كول يبلغ من العمر 26 عاما وأحب الطيران منذ طفولته، فتقدم للمهمة التي "أراد الكل أن ينضم إليها" حسب ما قال في مقابلة عام 2017.

ريتشارد كول إبان خدمته في القوات الأميركية
ريتشارد كول إبان خدمته في القوات الأميركية

لم يكن كول أو زملاؤه في المهمة يعرفون تفاصيلها عندما بدأوا تدريباتهم، لكنه كان على موعد مع القدر الذي وضعه في مقدمة عمل عسكري سيغير وجه الحرب العالمية الثانية.

الهدف طوكيو

"كنا لا نغادر القاعدة (قاعدة إغلين الجوية في فلوريدا)، معزولين في ثكناتنا، وأُمرنا ألا نتكلم عن تدريباتنا"، يقول كول واصفا الأيام والأسابيع السابقة على تنفيذ المهمة السرية، مضيفا "كنا نعرف أنها خطيرة لكن هذا كان كل ما نعرفه".

طائرات "بي 52" التي كانت ستنفذ المهمة، كانت تحتاج عادة إلى السير على الأرض ثلاثة آلاف قدم (914 مترا) حتى تتمكن من الإقلاع، لكن تدريبات طياري المهمة كانت على الإقلاع بعد 500 قدم (152 مترا) فقط. وعندما شملت التدريبات كيفية الإقلاع من على متن حاملة طائرات خمن الطيارون أنهم متوجهون إلى المحيط الهادئ للرد على الضربة اليابانية.

المهمة أوكلت، تخطيطا وقيادة، إلى المقدم جيمس دوليتل، الذي حملت المهمة اسمه، والهدف كان توجيه ضربة جوية للعاصمة اليابانية طوكيو.

جيمس دوليتل بين عدد من الطيارين
جيمس دوليتل بين عدد من الطيارين

أصاب الإعياء الطيار المساعد لدوليتل قبيل تنفيذ المهمة مباشرة، فتم اختيار كول ليرافق دوليتل على متن قاذفة القنابل الرئيسية ضمن سرب من الطائرات المغيرة.

ساعة الحقيقة

عندما أخبر دوليتل الطيارين بمهمتهم، يقول كول "كنا متحمسين جدا وسعداء لأننا عرفنا ما نحن بصدده" قبل أن يستدرك "الحماسة هدأت بعدما بدأ الجميع يدركون طبيعة المهمة جيدا".

16 طائرة قاذفة للقنابل جردت من كل المعدات الزائدة ومعدات توجيه القنابل والزوائد في أجسام الطائرات الخارجية، لإفساح مكان لخزانات وقود إضافية ستضاعف المسافة التي كان يتوجب على الطائرات التحليق عبرها.

الطائرات التي نفذت مهمة دوليتل
الطائرات التي نفذت مهمة دوليتل

80 طيارا كانوا على متن الطائرات التي انطلقت من حاملة الطائرات هورنيت على بعد نحو 624 ميلا (قرابة ألف كيلومتر) من شواطئ اليابان في المحيط الهادئ.

ويحكي كول أن الظروف الجوية كانت صعبة، لكن الرياح القوية ساعدت الطائرات على الإقلاع السريع لتبدأ رحلة استمرت أكثر من أربع ساعات على ارتفاع منخفض قبل أن تصل طائرة دوليتل وكول إلى طوكيو.

عند الوصول إلى العاصمة اليابانية حاولت مضادات الطائرات إسقاط المقاتلة، لكنّ الطيارين تمكنا من المناورة قبل إسقاط حمولة قنابل زنتها حوالي 500 رطل (نحو 250 كيلوغراما).

كل الطائرات نجحت في ضرب أهدافها في طوكيو ويوكوهاما ويوكوسوكا وناغويا وكوبي، وأفلتت من طائرات اليابانيين ودفاعاتهم الجوية.

الخطة بالنسبة لدوليتل وكول وطاقمهم كانت الهبوط في تشوتشاو في الصين، والتزود بالوقود ثم المغادرة، لكن عاصفة رعدية عاتية واعتقاد الصينيين بأن الطائرة يابانية اضطرا الطيارين الأميركيين إلى التحليق حتى نفاذ الوقود ثم القفز من الطائرة باستخدام الباراشوت.

التأم شمل طاقم الطائرة على الأرض والتقطهم جنود صينيون. استمر كول بعد ذلك في الخدمة في مسرح العمليات في الصين وبورما والهند، لكن مهمة دوليتل كانت قد غيرت حياته إلى الأبد.

في مقابلة عام 2016، قال كول إن المهمة كانت "نقطة تحول في الحرب"، شارحا أنه كان لها هدفان إلى جانب ضرب مواقع يابانية.

وأوضح أن المهمة كان تهدف لإعلام الشعب الياباني بأنه على الرغم مما يقوله قادتهم، فاليابان يمكن ضربها من الجو. وأيضا كانت المهمة تحاول تقديم "حقنة في الوريد للحلفاء وعلى الأخص الولايات المتحدة".

وأضاف كول أنه من بعد تلك المهمة "أصبحت البحرية اليابانية في موقع ضعف" في الحرب بعد اضطرار اليابانيين لسحب أساطيلهم من جبهات أستراليا والهند.

لم تغير غارة دوليتل مسار الحرب العالمية الثانية فقط، بل غيرت مسار التاريخ الحديث برمته.

قصة المهمة البطولية حظت بتجسيد سينمائي في الفيلم ضخم الإنتاج "بيرل هاربر" عام 2001.

XS
SM
MD
LG