Accessibility links

14 آذار والعودة إلى الحياة اللبنانية!


يفضل وليد جنبلاط أن يستفيد من التفاف ثنائي حوله بوجود وازن لبري، على الانضواء في إطار جبهوي بغياب بري

فارس خشّان/

كثير من اللبنانيين الذين كانوا جزءا لا يتجزأ من قيام "ثورة الأرز" يتطلع إلى اليوم الذي يعاد فيه إحياء قوى "14 آذار "، على اعتبار أنها جبهة قادرة على حمل الشعارات السيادية اللبنانية بغض النظر عن قدرتها على تنفيذها في الميدان وفي المؤسسات.

وكانت هذه الجبهة، التي صنّفها "حزب الله" بالمعادية، تضم في مراحل ذروتها السياسية إلى "تيار المستقبل" الذي يتزعمه رئيس الحكومة سعد الحريري كلا من "الحزب التقدمي الاشتراكي" الذي يتزعمه وليد جنبلاط وحزب "القوات اللبنانية" بزعامة سمير جعجع و"حزب الكتائب اللبنانية" الذي يترأسه حاليا النائب سامي الجميل بالإضافة إلى أحزاب حليفة وشخصيات سياسية وثقافية وإعلامية ونقابية مستقلة.

وبدت أزمة قبرشمون مناسبة ذهبية بالنسبة لكثيرين لإعادة قوى 14 آذار إلى الواقع السياسي، على اعتبار أن غالبية من كان ينضوي في إطارها وقفت "وقفة رجل واحد" إلى جانب جنبلاط ضد المساعي الهادفة لتطويقه وإسقاطه، بعد بروز خلافات متجددة بينه وبين "حزب الله" وتيار رئيس الجمهورية ميشال عون والنظام السوري.

الجميع في لبنان مقتنع بأن "حزب الله"، حتى إشعار آخر، يفرض مشيئته على لبنان واللبنانيين

ولكن في لبنان، كما أثبتت اللعبة السياسية، الواقع في واد والتمنيات في واد آخر.

وثبت مجددا أن جبهة 14 آذار لا تزال تنتظر "يوم القيامة"، على اعتبار أن النظرة الاستراتيجية التي لا تزال مكوناتها السابقة تشترك بها، لا تجب الخلافات الحقيقية التي تباعد فيما بينها، في اللعبة السياسية الداخلية، حيث الطائفية الطاغية وحيث الأحجام النيابية وحيث التعيينات الإدارية وحيث الحصص الوزارية وحيث الرؤى المتباينة لمكافحة الفساد والإصلاح المالي والاقتصادي والإداري.

وكما بينت التجارب، فإن هذه الأركان التي تقوم عليها اللعبة السياسية اللبنانية المحلية تتفوّق على النظرة الاستراتيجية الواحدة لموقع لبنان وتحالفاته ودوره.

ومع بلوغ المعركة ضد جنبلاط ذروتها، وارتفاع الأوهام بإمكان إعادة إحياء قوى 14 آذار، كان لافتا أن رئيس مجلس النواب نبيه بري الذي أبقى نفسه "صديقا سياسيا" لجنبلاط وتدخل لمصلحة حل يراعي "صديقه السياسي"، نبّه إلى أن الإقدام على أي خطوة من شأنها الإيحاء بالعودة إلى هذه الجبهة، ستخرجه من موقع "الصداقة" إلى موقع المواجهة، على اعتبار أن إحياء "14 آذار" ستحيي حتما قوى 8 آذار، التي يتزعمها "حزب الله" ويشكل بري ركنا وازنا فيها.

ووفق مصادر واسعة الاطلاع فإن بري "نصح" جنبلاط بإجراء لقاءات ثنائية لمواجهة الأزمة ولكن أن يمتنع عن القبول بأي دعوة إلى لقاء جبهوي...

وهذا ما حصل!

ولا يقتصر الأمر، بطبيعة الحال، على "نصيحة" برّي، فالرئيس سعد الحريري أصبح، بالاستناد إلى تجربته السياسية الممتدة منذ العام 2005 حتى اليوم، مقتنعا بأن الانقسام الجبهوي في لبنان يعرقل الإنجازات الحكومية، ويفرض على الجميع أن يسلك في دروب شائكة، وهي دروب لا تصلح لقوى سياسية مصابة بإرهاق تنظيمي هنا ومالي هناك وإقليمي هنالك.

أما وليد جنبلاط، وفي ظل عهد أثبت، عند كل مفترق، أنه معاد له، فيفضل أن يستفيد من التفاف ثنائي حوله بوجود وازن لبري، على الانضواء في إطار جبهوي بغياب بري، ممّا يثقل عليه ويضعه في واجهة "التأديب".

يبقى زمن 14 آذار، بالنسبة لكثيرين ممن يحلمون بدولة مركزية وسيّدة وحرة ومعافاة وطبيعية، زمنا جميلا

وسمير جعجع، وعلى الرغم من أنه دون غيره، يتحدث بعاطفة ورومانسية عن "14 آذار"، إلا أن لديه الكثير، في حال إحياء هذه الجبهة، ليدفعه، وتحديدا للأحزاب الصغيرة والشخصيات المستقلة التي تنتمي في غالبيتها الساحقة إلى المسيحيين الذين تتنافس "القوات اللبنانية" مع "التيار الوطني الحر" على زعامتهم.

وبعيدا من نظرة كل طرف إلى أضراره الذاتية من إعادة قوى 14 آذار إلى المنظومة السياسية اللبنانية، فإن مسار الأمور في "بلاد الأرز" يظهر أن الواقع لا يشجع على العمل الجبهوي، فالجميع مقتنع بأن "حزب الله"، حتى إشعار آخر، يفرض مشيئته على لبنان واللبنانيين، ومواجهته المباشرة مغامرة محفوفة بالمخاطر، ولذلك يميل الجميع إلى استثمار "ضعفه"، فبه يبرر الامتناع عن مواجهة الحزب وبه أيضا يبرر عدم الدفاع عنه حيث يكون مستهدفا، وبذلك يصبح النجاح الحقيقي، بالنسبة لهؤلاء، هو هذا الانتقال، بحماس لا يلين، "من فشل إلى فشل"، وفق ما سبق وقاله كونفوشيوس.

على أي حال، يبقى زمن 14 آذار، بالنسبة لكثيرين ممن يحلمون بدولة مركزية وسيّدة وحرة ومعافاة وطبيعية، زمنا جميلا ولكن لسان حال المعنيين بإعادة إحياء ذاك الزمن يقول: "الريش الجميل لا يكفي لصناعة طائر جميل".

اقرأ للكاتب أيضا: فريق عون وقيادة لبنان إلى الوراء!

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG