Accessibility links

أبو مدين أو التنوير في الزمن الأصولي


عبد الفتاح أبو مدين (تويتر)

محمد المحمود/

تُوفّي الأديب والإعلامي القدير/ عبد الفتاح أبو مدين يوم الأحد، الأول من هذا الشهر، في مدينة: "جدة"، عن عمر يناهز 94 عاما. وكان أبو مدين قد وُلِد في بنغازي في ليبيا عام 1925، حيث فقد والده ـ الذي كان يعمل في بيع الحطب والفحم ـ وهو لا يزال في السابعة من عمره، ثم فقد أشقاءه، فعاش مع والدته وأخته مسؤولا عنهما، عاش حياة اليتم والفقر والكدح في سبيل لقمة العيش، حيث عمل في أكثر من مهنة وهو لايزال صبيا، ثم قدم مع والدته إلى خاله في "جدّة" وهو في حدود السابعة عشرة من عمره، ليحفر في الصخر، وليواجه غول الفقر، وليقف وجها لوجه مع أصعب التحديات؛ فيُذلَلّ كل تلك الصعاب التي كشّرت عن أنيابها بعزيمة عصامي من نوع فريد.

توالت الأحداث، وأخذته الأيام ـ بفضل جديته ـ فنقلته من الإعسار إلى الإيسار، ومن كونه مغمورا ليكون مشهورا؛ فطفق يكتب سيرته التنويرية الفذّة في تفاصيل الواقع الثقافي على حدود زمن مفصلي؛ قبل أن يكتب كثيرا من ملامح سيرته العامة في مسطور كتابه/ سيرته الذاتية التي نشرها تحت عنوان: "حكاية الفتى مفتاح" التي صدرت عام 1996.

كان الانفتاح الثقافي والنفسي عند "الفتى مفتاح" هو السر وراء كل هذا النشاط الفكري/ الأدبي

لا يمكن تأريخ الحراك الأدبي والثقافي في السعودية دون الوقوف طويلا عند الدور المحوري الذي لعبه "الفتى مفتاح". بدونه، كثير من محاور هذا الحراك كانت ستكون متواضعة إلى حد كبير، وبعضها لم يكن ليرى النور أبدا؛ لولا هذه الهِمّة التي تنطح الثريا بِرَوْقَيها؛ كما يقول حبيبنا/ المتنبي عن همّة سيف الدولة الحمداني.

وإذا كانت بدايات أبي مدين الصحافية/ الثقافية الأولى، البدايات الواعدة، تمثّلت بإصداره جريدة "الأضواء" (وهي أول جريدة تصدر في "جدة" بعد الحكم السعودي، بشراكة مع محمد سعيد باعشن، ومحمد أمين يحيى عام 1957)، ثم بإصدار جريدة "الرائد" التي أسسها بنفسه عام 1959، فكان هو مؤسِّسها، ومديرها العام، ورئيس تحريرها، فضلا عن أدواره الصحافية الأخرى، أقول: إذا كانت هذه هي البدايات الواعدة، فإن الدور الأبرز والأهم، بل والأخطر، هو في موقعه كرئيس للنادي الأدبي الثقافي في "جدة" على مدى 25 عاما (1980 ـ 2006)، أي في فترة هي من أشد الفترات حرجا، إذ تزامنت بداياته في النادي ـ وتحديدا: بداياته كرئيس (فمن قبل كان عضوا في مجلسه المنتخب) ـ مع بدايات تصاعد المَدِّ الأصولي المتمثل في الحراك الصحوي الذي سيدخل معه أبو مدين في صراع مفتوح، لا على مستوى الأفكار والرؤى التي سيدعهما النادي فحسب، وإنما على مستوى الكيد والتآمر والتشويه والتحريض أيضا، وهي السلوكيات التي سيحاول بها الحراك الصحوي/ الأصولي إبعاد أبي مدين عن رئاسة النادي الذي أصبح في نظرهم منبرا للحداثة الأدبية والتنوير الثقافي، أي منبرا لنشر الضلال والزيغ والإلحاد؛ كما روج لذلك متطرفو الصحوة ـ كتابة وخطابة ـ في أواخر ثمانينيات القرن الميلادي المنصرم.

صحيح أن أبا مدين تولّى منصب: مدير عام الإدارة في مؤسسة "البلاد" للطباعة والنشر، وأنه قد اختبر عضوا منتدبا لدار البلاد للطباعة والنشر، وأنه تولىّ إدارة تحرير العدد الأسبوعي لصحيفة "عكاظ" وأن بعض الصحف التي تعاني من خسائر كانت تُوْكِل إليه إدارة بعض ـ أو كل ـ شؤونها؛ لينتقل بها ـ نجاحا وإنجازا ـ من وضع "مدين" إلى وضع "دائن"، وصحيحا أيضا أنه أصدر أكثر من عشرة كتب متنوعة، وأنه كتب مئات المقالات النقدية والفكرية والاجتماعية، لكن كل هذا ليس هو ما صنع قيمة أبي مدين كـ"علامة فارقة" في مسيرتنا التنويرية التي تعرضت لحرب أصولية واسعة النطاق، خاص ما بين عامي: 1980 و 2000.

إنك إن بحثت عن أبي مدين لن تجد قيمته الباذخة عطاء وعظمة في كتبه أو مقالاته، ولا حتى في معاناته مع بداياته الصعبة القاسية، فهو فيها ككبار مُجَايليه من الأدباء والصحفيين، إنه فيها مثلهم وبمستواهم تقريبا: أديب/ مفكر/ ناقد، لكنه ليس مفكرا كبيرا، ولا أديبا استثنائيا، ولا فيلسوفا تنويريا جذريا يمارس تفكيك الواقع من خلال التاريخ، وتفكيك التاريخ ـ لأجل المستقبل ـ من خلال الواقع.

المهم، أنك إذا لم تجده استثناء في كل ذلك، فأنت ـ حتما ـ ستجده استثناء فيما هو أهم، ستجده مفكرا كبيرا، وأديبا استثنائيا، ورائدا تنويريا في المحصلة النهائية لدوره كرئيس للنادي الأدبي الثقافي بجدة، إذ أصبح هذا النادي ـ بفضل اتساع الأفق الثقافي لأبي مدين، وبفضل شجاعته وتفانيه في عمله ـ منبرا أدبيا/ فكريا/ ثقافيا أسهم إسهاما كميا ونوعيا في نشر الوعي، وتعزيز مفاعيل التواصل الثقافي، لا على المستوى المحلي فحسب، وإنما على مستوى الحراك الفكري/ الأدبي في كل أرجاء العالم العربي.

لكي تقرأ مستوى الشجاعة في السياسة التي انتهجها النادي إبان رئاسته له، عليك أن تقرأها في سياق ظرفها التاريخي آنذاك. لقد أتاح أبو مدين للنساء المشاركة في حضور فعاليات النادي المنبرية في قاعة أخرى، عبر الشبكة التلفزيونية، وكانت هذه خطوة جريئة وخطيرة في وقتها، وقد تسببت ـ مع تراكمات أخرى ـ في صدور قرار بفصله نتيجة التحريض الذي تصاعد ليشارك فيه بعض الواعظ الكبار. صدر القرار بفصله، وحزن لذلك الوسط الثقافي، فضلا عن العاملين معه، ثم كان العدول عنه في غضون أسبوع؛ إذ أدرك كثير من المسؤولين أنه من العملات الثقافية النادرة التي لا يجوز التفريط فيها.

كان أبو مدين يعي تماما أنه بشجاعته في استضافة أسماء شوهتها الأصولية/ الصحوية بحملاتها المنظمة الظالمة (فضلا عن الغضبات الجماهيرية العفوية)، وبشجاعته في طباعة كتب ودوريات هي محل جدل وتشكيك، سيضع نفسه دائما على حافة الفصل/ الطرد. كان يرى المنصب أداة مهمّة للإنجاز، ولكنه كان يؤمن أنه عندما يتعارض المنصب مع الإنجاز، فليذهب المنصب بلا رجعة.

بمنطقه: أنت إذا لم تُنْجز عملا نوعيا من خلال السلطة التي يُوفِّرها لك منصبك؛ فما أهمية منصبك أصلا. وكان كثيرا ما يردد عبارته الشهيرة: "الثقافة مغارم وليست مغانم"؛ حتى أصبحت هذه العبارة من لوازم كلامه التي يستحث بها العاملين معه في الشأن الثقافي.

وإذا كان المتنبي يقول: "وبضدها تتبيّن الأشياء"، فإننا نؤكد أنه في الوقت الذي كان فيه أبو مدين يعمل بشجاعة، وبجدية بالغة، وبكفاءة عالية؛ كرئيس لنادي جدة الأدبي والثقافي، كانت بقية الأندية الأدبية (وعددها 15 ناديا أدبيا ثقافيا موزّعة على المدن/ المناطق) تبدو وكأنها خاوية على عروشها. طبعا، كانت تعمل، وتحاول، ولكن، بتردد، وخوف، وكسل، ومراعاة مَرَضيّة للسائد المجتمعي/ الديني، وأحيانا بمغازلة صريحة عارية لتوجّهات الحراك الأصولي، ولهذا كانت تبدو ـ مقارنة بنشاط نادي جدة ـ وكأنها لا تعمل أصلا، بل وكأنها غير موجودة، إذ لا تسمع ولا تقرأ لها ما يؤكد أنها على قيد الحياة، وإن فعلت ـ ونادرا ما تفعل ـ فهي حياة أموات!

لا أزال أذكر صدمتي الشديدة وأنا أتحدّث مع عضو عامل في أحد مجالس إدارة هذه الأندية، إذ فهمت من كلامه أن ميزانية نادي جدة هي ذاتها ميزانية النادي الذي ينتسب إليه، وهي أيضا ميزانية جميع النوادي. سبب صدمتي أن نشاط نادي جدة المبهر أوهمني ـ وبالقياس والمقارنة ـ أنه يتحصّل على ميزانية تبلغ ـ على الأقل ـ عشرة أضعاف ميزانية سائر الأندية.

كان نشاط نادي جدة يوهمني أنه صاحب حظوة خاصة، وأنه بالتالي يُمْنح دعما استثنائيا، إذ ليس من المعقول أن يحصل أي نادٍ آخر على الميزانية نفسها، ثم لا يقوم ولو بـ5 في المئة مما يقوم به هذا النادي الذي أصبحت رايته خفّاقة باستضافته أشهر الأسماء الأدبية والفكرية في عالمنا العربي.

لقد استضاف نادي جدة مشاهير الفكر والأدب في عالمنا العربي، خاصة أولئك الذين كان الخطاب الأصولي يستهدفهم بالتجريم والتضليل والتكفير. دُعي إليه كل من: عزّالدين إسماعيل، وصلاح فضل، وكمال أبو ديب، وجابر عصفور، وسعد مصلوح، ونذير العظمة، وحميد لحمداني، ولطفي عبد البديع، وعلي البطل، وعبد الملك مرتاض، وعبدالله إبراهيم، وعبد السلام المسدي، وحمادي صمود، وسعيد علوش...إلخ النقاد الكبار؛ فضلا عن رموز الحداثة في الداخل، استضافهم أبو مدين/ النادي عندما كان الخطاب الأصولي في أوج عنفوانه، فلم يحفل به، ورأى أن المسألة هي حياة أو موت النادي معنويا.

وفضلا عن النشاط المنبري: محاضرات وندوات ومؤتمرات وأمسيات شعرية، أسهمت فيها هذه الأسماء اللامعة وغيرها، فجعلت من النادي شعلة نشاط لا تهدأ، كان النادي يستكتب هؤلاء وغيرهم في دورياته/ المجلات الأدبية الثقافية التي عرّفت القراء العرب بالنادي من جهة، ووسّعت من دائرة انتشار هؤلاء المفكرين/ النقاد/ الأدباء من جهة أخرى.

لقد أصبحت مجلة "علامات" التي يُصدِرها النادي بشكل دوري منذ الثمانينيات الميلادية، والمتخصصة في النقد الأدبي والثقافي، من أهم المراجع في النقد، بحيث لا يمكن لباحث في هذا المجال أن يتجاهلها. وأيضا، أصدر النادي مجلة "جذور" المتخصصة بالتراث العربي، ومجلة "عبقر" المتخصصة بالشعر، ومجلة "الراوي" المتخصصة بالرواية، ومجلة "نوافذ" المتخصصة بترجمة الأدب العالمي.

لا يمكن تأريخ الحراك الأدبي والثقافي في السعودية دون الوقوف طويلا عند الدور المحوري الذي لعبه "الفتى مفتاح"

هكذا أصبحت هذه الدوريات المُحَكَّمة محاور تواصل بين المحلي والعربي من جهة، وبين العربي والعربي من جهة أخرى. ولهذا لم يكن غريبا أني إذا ما التقيت بأديب أو ناقد أو مفكر في معرض كتاب، أو في مكتبة ما، سواء في الأردن أو مصر أو تونس أو المغرب أو غيرها، فإنه لا يكاد يعرف شيئا عن الحراك الفكري المحلي عندنا إلا ما يعرفه عن هذه الدوريات الراقية من إصدارات نادي جدة. والغريب، كما قال أبو مدين في أحد حواراته المتلفزة، أن انتشار هذه الدوريات خارج المملكة أكثر من انتشارها في الداخل، خاصة في المغرب العربي.

لقد كان الانفتاح الثقافي والنفسي عند "الفتى مفتاح" هو السر وراء كل هذا النشاط الفكري/ الأدبي الذي كان استثنائيا في الزمن الأصولي. إنه الانفتاح على الجميع، فأبو مدين رغم انحيازه للخطاب التنويري إلا أنه كان يؤمن بتعدد الآراء وتجاورها وتجادلها، ويقبل الجميع، من تراثيين تقليديين، بل ومن محافظين؛ شرط أن يكونوا جزءا من حراك متنوع، ولا يسعوا لفرض رؤيتهم الخاصة كتوجه أحادي يراد له أن يلغي الآخرين.

حتى النقد الحداثي/ الفكر الحداثي الذي أصبح النادي برئاسة أبي مدين منبره الأهم في الثمانينيات، لم يكن أبو مدين من مريديه، أي لم يكن حداثيا بالمفهوم النقدي/ الأدبي، فهو كان يسير على خطى طه حسين كمقلّد له، حتى لقّبوه بـ"الطحسني"، ولكنه فتح آفاقه على الحداثة كحراك واعد، ودافع عنها وعن رموزها، وفتح لهم أبواب النادي ومنابره ودورياته؛ يوم تنكرّت لهم بقية الأندية الأدبية، وازْورّت عنهم أغلب الصحف، وطاردت الجامعات من ينتسب لها منهم، وضجّت منابر الخطابة الجُمَعيّة بتضليلهم وتكفيرهم؛ حتى أصبحت كلمة "حداثي" ـ في تصور جماهير المتدينين الذين استغفلهم الخطاب الأصولي ـ لا ترد إلا بمعنى "كافر" ماكر؛ يكيد ـ بالضرورة ـ للإسلام ولأبناء الإسلام!

اقرأ للكاتب أيضا: ابن تيمية والتوجهات الانغلاقية

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG