Accessibility links

'أحدهم'... كاتب السيناريو الدموي


رجال أمن أمام مبنى القنصلية السعودية في اسطنبول

بقلم كوليت بهنا/

في قضية الصحافي والكاتب السعودي جمال خاشقجي، المفتوحة على مصراعيها منذ الثاني من تشرين الأول/أكتوبر الجاري، تتردد كل يوم مع كل تصريح أو مع كل نشرة إخبارية أو مقال صحافي أو منشور على أحد مواقع التواصل الاجتماعي، كلمة "سيناريو" في معرض التعليق على تداعيات القضية وتخيل ما حدث للرجل لاحقا بعد دخوله قنصلية بلاده وعدم خروجه.

يمكن لأصحاب الشأن من كتاب الدراما تجميع كل هذه السيناريوهات المفترضة والمتناقضة وإعادة نسجها والخروج بسيناريو نهائي يصلح لتحويله إلى فيلم سينمائي، أو مسلسل بحلقات، وقد يكون البعض قد باشر منذ الآن بتجميع الخيوط الدرامية لهذه القضية الصعبة، ولا يستبعد أن يكون الدراميون الأتراك المتميزون بمهارتهم في هذا النوع من الأعمال ينتظرون نهاية القصة ويفكرون بأحقيتهم بالخروج قريبا بمسلسل طويل مشوق ومؤثر للغاية تدور أحداثه في بلادهم التي شهدت القصة المؤلمة والمعقدة في كل تفاصيلها.

لعل مأساة خاشقجي تتلخص بأنه عرف أكثر مما ينبغي، وليس لأنه انتقد بعض السياسات أو كانت له صلة ببعض الأنظمة

يستند كتاب السيناريو أحيانا في الأعمال التي يكتبونها على قصص متخيلة تعود إلى أرضية واقعية، لكن أغلب الأعمال الدرامية في العالم تستند إلى قصص حقيقية حدثت في الواقع لأناس حقيقيين، انتهت زمنيا واتضحت كل ملابساتها وألغازها، سواء كانت تاريخية أو حديثة.

في الأساس لا يخرج أي نص درامي إلا إذا استند إلى متن قصة مكتملة وواضحة يعاد تدويرها وتمويه شخصياتها الحقيقية، يدعمها خيال غير محدود لملأ الفراغات الناقصة أو غير المنطقية أو التي لا تصلح لعملية التحويل الدرامي في القصة الحقيقية، بما يتناسب في النهاية مع توجه الكاتب وفكره وتوجه وسياسة الجهة المنتجة والعارضة لاحقا.

اقرأ للكاتبة أيضا: جريمة في اسطنبول

في قصة جمال خاشقجي، وأيا كانت النتيجة التي ستتوصل إليها التحقيقات الجنائية وتضع نهاية للقصة، قد يبدو للبعض أن الحدث الدرامي، أو نقطة بداية القصة تبتدئ مع دخول الرجل للقنصلية واختفائه إثر ذلك، ومن ثم تدفق سيل التداعيات على كل المستويات.

وبما أننا نتحدث عن أجواء عالم السيناريو، يمكن النظر للقصة من زاوية درامية أخرى، أي أن دخول خاشقجي إلى مبنى القنصلية كان نهاية قصته تراجيديا وليس بدايتها؛ نهاية يمكن تبين ملامحها استنادا إلى مسيرة حياته السابقة وشخصيته غير العادية وعلاقاته الخاصة والدولية وتوقع نهاية كهذه لشخصية بوزنه، حيث قام "أحدهم" بكتابة THE END نهاية صفحة الرجل، وقرر إيقاف حياته أو تغييبه عن الأنظار في هذا اليوم وهذا المكان.

وبحسب المنطق الدرامي لسبر الشخصيات، لا يكون "أحدهم" هذا شخصا عاديا بدوره، كما لا يعني أن "أحدهم" هو فرد واحد، إذ يمكن التوسع بمفهوم كلمة "أحدهم" لتشمل دولا وأجهزة استخبارات وشركاء كثيرين، التقت مصالحهم على صفقة بيع الرجل ومن ثم استثمار كل تداعيات الصفقة لمصالح شديدة التداخل إلى درجة التعقيد.

في الأساس لا يخرج أي نص درامي إلا إذا استند إلى متن قصة مكتملة وواضحة يعاد تدويرها وتمويه شخصياتها الحقيقية

شخصية مثل خاشقجي، تستحق التكريم كإنسان وصحافي دافع طوال الوقت عن حرية التعبير. هذا من حيث المنطق الطبيعي الأخلاقي للبشرية، لكن "أحدهم"، الذي لا يكترث لأي منطق، وجد أنه يستحق الصمت وربما الصمت إلى الأبد. ولعل مأساة خاشقجي تتلخص بأنه عرف أكثر مما ينبغي، وليس لأنه انتقد بعض السياسات أو كانت له صلة ببعض الأنظمة.

وإن راجعنا تاريخ عدد كبير من الشخصيات السياسية أو الإعلامية أو الشخصيات المؤثرة في الحياة العامة، الذين انتهت حيواتهم عبر تصفيتهم بطرق وحشية مختلفة، ستجد تشابها وتقاطعا في الخطوط العامة لكل الشخصيات؛ فهي في البدء والنهاية شخصيات عرفت أكثر مما ينبغي أو يسمح لها، وصارت أكبر من حجمها بكثير بما لا يتلاءم مع حجم "أحدهم" وغروره.

اقرأ للكاتب أيضا: الحراك السوري الجديد

كتب أحد الأصدقاء على فيسبوك مؤخرا أنه يكاد ينهار عصبيا، يفكر بقضية خاشقجي طوال الوقت ويصيبه الذعر إلى حد الرجفان الشديد من فكرة مراجعة قنصلية بلاده لإنهاء بعض الأوراق الضرورية. لا شك أن "أحدهم" الذي كتب سيناريو اختفاء خاشقجي، يضحك منتشيا من هذا الذعر الذي بثه في النفوس، إذ أن "أحدهم" اعتاد على كتابة السيناريوهات الدموية، وإن ضاقت حوله أحيانا، لديه السيناريو البديل الذي يقدمه عند اللزوم لضحية جديدة، وبوحشية أشد، تنسيك قصة وسيناريو ما قبله.

ــــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG