Accessibility links

أحكام الإعدام بحق ضباط في المخابرات السودانية.. هل تكفي لإنصاف الضحايا؟


قوات الأمن خارج مقر محاكمة قتلة أحمد الخير حيث احتشد الآلاف من السودانيين مطالبين بالقصاص- 30 ديسمبر 2019

مصطفى هاشم- واشنطن

صيحات فرح أطلقها آلاف السودانيين الذين ظلوا ساعات يترقبون ما ستسفر عنه محاكمة قتلة المدرس الراحل أحمد الخير الذي لقي مصرعه تحت التعذيب في يناير الماضي.

اجتمعت الحشود منذ الصباح الباكر قبل انعقاد جلسة النطق بالحكم، وحامل المواطنون لافتات تطالب بالعدالة: "الدم قصاد الدم، ما بنقبل الدية"، وما إن بلغ حكم المحكمة مسامع المحتشدين، حتى احتضنوا بعضهم البعض وشرعوا في الرقص والهتاف للثورة.

مئات كانوا قد رسموا على وجوههم وملابسهم الرقم 130، في إشارة إلى المادة 130 من القانون الجنائي السوداني، والتي تشير إلى تهمة "القتل العمد".

رفع سودانيون الرقم 130 التي ترمز إلى مادة في القانون الجنائي بتوجيه تهمة القتل العمد لقتلة المتظاهرين- 30 ديسمبر 2019
رفع سودانيون الرقم 130 التي ترمز إلى مادة في القانون الجنائي بتوجيه تهمة القتل العمد لقتلة المتظاهرين- 30 ديسمبر 2019

الناشط أحمد البدوي الذي كان يهتف مع الآخرين: "قتلوا الطالب والأستاذ والتعليم ما له أساس"، قال في اتصال مع "موقع الحرة" إن "الناس ما كانت مطمئنة لسير المحاكمات المتعلقة بمقتل المتظاهرين"، لكن الحكم، حسب اعتقاده، بدأ "يعيد الثقة في محاكمات عادلة".

وحكمت محكمة سودانية، الاثنين، بالإعدام شنقا على 27 من أعضاء جهاز المخابرات العامة بعد إدانتهم بتهمة قتل وتعذيب الخير أثناء احتجازه لدى جهاز الأمن.

قائمة بالمحكوم عليهم في قضية قتل وتعذيب المدرس أحمد الخير- 30 ديسمبر 2019
قائمة بالمحكوم عليهم في قضية قتل وتعذيب المدرس أحمد الخير- 30 ديسمبر 2019

واعتقل الخير أثناء مشاركته في واحدة من التظاهرات التي اندلعت بولاية كسلا شرقي السودان في يناير 2019، ضمن الحراك الشعبي الذي اندلع في ديسمبر 2018 وأطاح بحكم الرئيس السابق عمر البشير.

ومثل كثير من المعتقلين، تعرض الخير للتعذيب على أيدي منتسبي جهاز الأمن السوداني.

ويعتبر الحكم على عناصر أمنية في السودان أمرا نادر لما تتمتع به مؤسسات الجيش والشرطة وأجهزة المخابرات من حصانة قضائية، كما أنها المرة الأولى التي تصدر فيها أحكام بالإعدام ضد عناصر أمن، منذ سقوط البشير الذي حكم السودان بقبضة من حديد طوال 30 عاما.

ويقول البدوي إن "الشارع كله مرتاح حاليا من الحكم، لكننا نتمنى تنفيذه"، مضيفا أن أهالي القتلى الآخرين، مثل قتلى فض الاعتصام، ينتظرون أحكاما مشابهة.

وكتب محمد الفكي سليمان عضو مجلس السيادة على صفحته في فيسبوك "ما شهدناه اليوم في مُحاكمة قتلة المعلم الشهيد أحمد الخير، يُجدِّد ثقة الشعب السوداني بمؤسساته العدلية".

وأضاف أن "القصاص هو مطلبُ الثورة العادل، وتحقيقه هو واجبنا جميعا في مختلف قطاعات الشعب ومؤسساته".

آلاف السودانيين احتشدوا خارج مقر مجمع محاكم أم درمان للمطالبة بالقصاص من قتلة المتظاهرين- 30 ديسمبر 2019
آلاف السودانيين احتشدوا خارج مقر مجمع محاكم أم درمان للمطالبة بالقصاص من قتلة المتظاهرين- 30 ديسمبر 2019

وقتل 177 شخصا على الأقل جراء قمع الحراك وفق منظمة العفو الدولية، بينهم أكثر من 100 خلال قمع اعتصام بداية يونيو في الخرطوم. وقدرت لجنة الأطباء القريبة من المتظاهرين الحصيلة يومها بأكثر من 250 قتيلا.

وكان البدوي واحدا ممن أصيبوا أثناء أحداث فض الاعتصام أمام القيادة العامة للقوات المسلحة، بعد أكثر من شهر ونصف على عزل البشير الذي يقبع حاليا في السجن.

لكن المتظاهرين وعائلات الضحايا كانوا قد اتهموا قوات التدخل السريع التي يقودها محمد دقلو المعروف أيضا باسم حميدتي، بالتورط في قتل متظاهرين، فهل تصل المحاسبة إلى مسؤولين أمنيين وعسكريين لا يزالون محتفظين بمناصب مهمة في المرحلة الحالية؟

يفرق المحامي سمير الشيخ ما بين فترتين في الثورة السودانية، الأولى منذ اندلاعها في ديسمبر وحتى عزل البشير في 11 أبريل، والثانية منذ تولي المجلس العسكري الحكم وحتى تشكيل مجلس السيادة بالتوافق بين العسكريين والمدنيين.

ويوضح لـ"موقع الحرة" أن الجهات المسؤولة عن قتل المتظاهرين ما بين ديسمبر وأبريل الماضيين "هي جهاز الأمن وهيئة العمليات فيه بقيادة صلاح قوش، بالإضافة إلى اللجنة الأمنية بقيادة البشير".

ويشير الحاج إلى أن أهالي القتلى أصبح لديهم بعض الاطمئنان في القصاص من قتلة ذويهم، لشواهد عدة وهي بدء فتح بلاغات من قبل أسر الضحايا ضد قيادات النظام الحاكم السابق وعلى رأسهم البشير وقوش وعثمان محمد طه نائب الرئيس السابق والذي كان في ذلك الوقت مسؤولا كبيرا في الحزب الحاكم، والفاتح عز الدين رئيس البرلمان السابق.

جانب من احتفال السودانيين المحتشدين خارج مقر محاكمة قتلة المدرس أحمد الخير بعد الحكم بإعدام 27 عنصرا من الأمن- 30 ديسمبر 2019
جانب من احتفال السودانيين المحتشدين خارج مقر محاكمة قتلة المدرس أحمد الخير بعد الحكم بإعدام 27 عنصرا من الأمن- 30 ديسمبر 2019

وكان قوش قد هرب إلى مصر، قبل أن يصدر النائب العام مذكرة بملاحقته قضائيا ويطالبه بتسليم نفسه.

لكن التحدي يكمن، بحسب وجهة نظر الشيخ، في مرحلة ما بعد عزل البشير حين كان يحكم المجلس العسكري الانتقالي والذي أصبح شريكا في الحكم.

ففي الثالث من يونيو هاجمت قوات ترتدي زيا عسكريا، المعتصمين أمام مبنى قيادة الجيش ما أدى إلى مقتل عشرات الأشخاص.

ويقول الشيخ إن المجلس العسكري وقوات الدعم السريع وقوات من كتائب المؤتمر الوطني، هي المسؤولة عن الأحداث في تلك الفترة، "وذلك باعتراف قادة المجلس العسكري"، مشيرا إلى إعلان المجلس العسكري "إلقاء القبض على عناصر من قوات الدعم السريع وقوات مدسوسة لكن لم يقدموهم للمحاكمة".

ونهاية يوليو، خلص تحقيق رسمي إلى ضلوع ثمانية أفراد من قوات الدعم السريع في القمع الدامي للاعتصام في الخرطوم. ولكن لا بد من رفع الحصانة عنهم لمحاكمتهم، ولا يمكن أن يحصل ذلك إلا إذا أجازه قادتهم بناء على طلب محدد من النيابة العامة.

وفي ذكرى الثورة في 19 ديسمبر الجاري، أصدرت النيابة العامة بيانا دعت فيه إلى "إعادة النظر في الحصانات" من دون أن توضح ما إذا كانت تلقت طلبات في هذا الصدد.

وفي سبتمبر الماضي، شكل رئيس الوزراء عبدالله حمدوك لجنة كلفت التحقيق في قمع الاعتصام في الخرطوم على أن ترفع تقريرا خلال ثلاثة أشهر.

لكن بعض وجوه النظام السابق لا يزالون في مناصبهم، على غرار دقلو عضو المجلس السيادي الذي يضم مدنيين وعسكريين مهمتهم تنفيذ المرحلة الانتقالية.

وبدعوة من قوى الحرية والتغيير، نظمت تظاهرات في الأشهر الأخيرة في مدن عدة للمطالبة بالعدالة، وخصوصا تعيين مسؤولين قضائيين جدد لإجراء التحقيقات.

يضيف الشيخ أنه بعد صدور الحكم على قتلة الخير فضلا عن اللجان التي شكلها النائب العام، هناك كثير من الاطمئنان، لكن الناس يريدون أن يتم استدعاء قيادات المجلس العسكري والمسؤولين الحاليين العسكريين في مجلس السيادة، خاصة دقلو وعبد الفتاح البرهان رئيس مجلس السيادة، وشمس الدين الكباشي رئيس اللجنة السياسية بالمجلس العسكري الانتقالي السوداني السابق.

والاثنين، استبعد النائب العام السوداني تاج السر الحبر نقض قرار المحكمة ضد عناصر الأمن الـ27 عند درجات الاستئناف المختلفة.

وأكد الحبر في مؤتمر صحفي عقدته هيئة الاتهام عقب النطق بالحكم، على ضرورة مصادقة بلاده على العهد الدولي الخاص بمنع التعذيب والمعاملة المحطة لكرامة الإنسان.

وقال الشيخ لـ"موقع الحرة" إن "كل الحشود جاهزة لتدفق ثوري عارم إذا رأت أن هناك أي محاباة أو محاولة لإفلات المجرمين من العقاب".

ووصفت لجنة المعلمين السودانيين الحكم على قتلة المدرس بأنه "لبنة أخرى من لبنات بناء مؤسسات الدولة الديمقراطية التي تقوم على مبدأ سيادة حكم القانون، يضعها اليوم قاضي محكمة جنايات أم درمان وسط، ليسدل الستار على جولة أولى من جولات القصاص لشهداء الثورة السودانية".

وأضافت أن "الدموع التي انهمرت اليوم كتبت تاريخا جديدا لوطن حر، لا مكان فيه لمستبد، وسطرت نهاية جهاز أنقض على الدولة السودانية حتى أوردها مورد الهلاك، فدموع شقيق المرحوم بعد صدور الحكم غسلت آلام شهور من الانتظار".

لكن ما أفسد فرحة الحشود التي كانت خارج مقر المحكمة في أم درمان الاثنين، مقتل موظفة بالمحكمة نتيجة إطلاق قوات الأمن الغاز المسيل للدموع بكثافة لتفريق المحتجين. وهكذا يستأنف السودانيون مطالبهم بـ"العدالة أولا"، من جديد.

تعليقات فيسبوك

XS
SM
MD
LG