Accessibility links

أردوغان والرهينة الأميركي


القس الأميركي برانسون

بقلم جويس كرم/

تحول شهر تموز/يوليو الفائت إلى كابوس فعلي في العلاقة التركية ـ الأميركية سينقلها من إطار الدبلوماسية التقليدية والخلافات المعتادة بين شريكين في حلف الشمال الأطلسي (ناتو) إلى إطار التصعيد والعقوبات والملاحقات القانونية والمواجهات الإقليمية والمالية.

ففي 18 من الشهر الفائت، كانت الإدارة الأميركية، وكما بات معلوما، تنتظر الإفراج عن القس أندرو برانسون وأرسلت طائرة خاصة لإعادته الى وطنه الأم بعد 21 شهرا في السجون التركية. الإفراج عنه كان جزءا من اتفاق ظن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أنه أبرمه مع الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ويقضي بإخلاء سبيل برانسون مقابل إفراج إسرائيل عن السجينة التركية أبرو أوزكان، التي عادت إلى بلادها في ذلك اليوم. تفاجأ الجانب الأميركي أنه بدلا من الإفراج عن برانسون، قضت محكمة تركية بإبقائه في السجن أربعة أشهر إضافية إلى حين الجلسة التالية لمحاكمته في تشرين الأول/أكتوبر المقبل.

قد يكلف خطأ أردوغان هذه المرة تركيا اقتصاديا ودفاعيا وسياسيا

صدم قرار المحكمة التركية الوسط السياسي الأميركي، إذ تحرك الكونغرس والبيت الأبيض وثم الخارجية لشجب الخطوة. وأجبرت الضغوط الأميركية أنقرة على التراجع بعد أسبوع ونقل برانسون إلى الإقامة الجبرية إنما مع رفض استئناف الحكم وعدم الإفراج عنه. ولحق ذلك بساعات تصويت في الكونغرس لحظر تسليم طائرات أف 35، وتصويت لجنة العلاقات الخارجية في مجلس الشيوخ بالإجماع على مشروع قرار لحجب القروض الدولية عن تركيا ومن ثم تهديد الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونائبه مايك بنس مباشرة بعقوبات على تركيا.

اقرأ للكاتبة أيضا: ترامب وإيران.. نحو الصفقة أو المواجهة؟

أخطأ أردوغان. قد يكلف الخطأ هذه المرة تركيا اقتصاديا ودفاعيا وسياسيا. فالرئيس التركي، الذي غضت واشنطن النظر عنه حين سجن صحافيين وقمع الحريات وتجاهل دعم المتطرفين، حشر نفسه في زاوية لا مفر منها أميركيا وتضعه في مواجهة مع الإدارة والكونغرس والرأي العام والإنجيليين.

فاحتجاز القس والتهم الموجهة له لا تعبر عن شفافية قضائية في تركيا والدليل أنه انتقل إلى الإقامة الجبرية بعد الضغوط السياسية، ومن الواضح أن أنقرة تريد المقايضة عليه وليس محاكمته قضائيا. ومن بين الأسماء المتداول تبادلها هو صديق أردوغان المصرفي مهمت هاكان أتيلا الذي يقضي عقوبة سجن في نيويورك لمدة 32 شهرا لتحايله على العقوبات ضد إيران.

إلا أن أردوغان اختار الشخص الخطأ للتفاوض عليه، بسبب ما يمثله الإنجيليون في قضية القس برانسون، والتعاطف الشعبي والرسمي معه. فاليوم، الإدارة والكونغرس، الديموقراطيون والجمهوريون، متلاحمون في معارضتهم لتركيا في هذه القضية. ملف إعادة القس إلى عائلته في كارولينا الشمالية، بات في عهدة نائب الرئيس بنس، المقرب من الإنجيليين. وكلما طالت فترة احتجازه، ستزداد النقمة على تركيا وردود الفعل ضدها.

رهان أردوغان على صفقة في قضية القس برانسون هو رهان خاطئ

وما يفاقم أزمة العلاقات التركية ـ الأميركية، هو أن قضية برانسون تأتي في ضوء خلافات عدة حول صفقة المنظومة الدفاعية أس 400 بين روسيا وتركيا والتي يعتبرها الكونغرس خطا أحمرا. إضافة إلى التجاذبات حول العقوبات ضد إيران والموقف التركي في سورية. كل ذلك يضعنا أمام أسوأ مرحلة في العلاقة منذ 2003 وحرب العراق أو في أربعينيات القرن الماضي وتقرب تركيا من الاتحاد السوفياتي.

اقرأ للكاتبة أيضا: لا صفقة أميركية ـ روسية وترامب في مأزق

فالحديث في واشنطن هو عن ملاحقة مسؤولين أتراك وإدراجهم على لوائح العقوبات تحت قانون "ماجنيتسكي" ولدورهم المباشر في قضية برانسون. أما الكونغرس فهو في طريقه لتمرير قانون وقف تسليم مئة طائرة أف 35 والدخول في معارك قانونية مع أنقرة التي دفعت تكاليف هذه الطائرات. وهناك أيضا موضوع القروض الدولية والتعاملات بين الجانبين قد تسعى واشنطن إلى الضغط فيها وإلحاق الضرر بالاقتصاد التركي المتراجع اليوم.

رهان أردوغان على صفقة في قضية القس برانسون هو رهان خاطئ، وتداعياته بدأت تؤذي تركيا في الوسط الشعبي والنيابي الأميركي. وبالتالي، فإن استمرار احتجاز القس سيضعف تركيا أكثر من غيرها، فيما الإفراج عنه قد يجنب الانزلاق إلى مسار العقوبات والتهديد والوعيد وخسائر إقليمية تطال الجانبين.

ـــــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG