Accessibility links

أزمة الهجرة: البحث عن الفردوس المفقود (1)


المستشارة الألمانية ورئيس المجلس الأوروبي ورئيس الوزراء الإسباني خلال القمة الأوروبية الأخيرة

بقلم مالك العثامنة/

عام 2015، وبعد أزمة اللجوء غير المسبوقة في أوروبا جراء النكبة السورية، كنت بمعية فريق تلفزيوني لمحطة ناطقة بالعربية بهدف إنتاج تقارير حية من مراكز إيواء اللاجئين. وفي أحد تلك المراكز الكبيرة وسط غابة جميلة في بلجيكا، قابلت مع الفريق على بوابة مركز الإيواء شخصين من القادمين حديثا وهما يخرجان من المركز، وبعد أن اقتربت منهما معرفا بنفسي بالعربية بدأ الاثنان بالشتائم والسباب ضد بلجيكا وأوروبا. أثار الموقف انتباهي والزميل الإعلامي من المحطة، فسألناهما عن سبب ثورة الغضب تلك، لتكون الإجابة المدهشة والمفاجئة أن البلجيكيين (والأوروبيين عموما) كذبوا عليهم؛ فقد قدم هؤلاء إلى أوروبا وتجشموا عناء ومشقة الرحلة المميتة (من تركيا حيث لجأوا أول مرة) ليكتشفوا أنه لا بيوت مجانية ولا سيارات ولا رواتب تتجاوز الألفي يورو شهريا!

لو فكرنا قليلا بهذه القصة، على طرافتها الموجعة، لوجدنا خلفها ربما خيط الخيبة الأول، وهي بالأحرى خيبات بدأت تتشكل ككرات ثلج صغيرة متناقضة بدأت تكبر لتتدحرج في اتجاهات معاكسة وتضرب بعضها البعض بقوة.

تنفق أوروبا أموالا طائلة على برامج الاندماج المجتمعي، لكن تلك الأموال لا تحقق غايات توظيفها

ببساطة، ما تحدث به الشابان الغاضبان، وقد دخلا كلاجئين إلى بلجيكا، هو جوهر الخيبة أمام خيبة مقابلة في العقل الجمعي الأوروبي الذي افترض "حالة اللجوء الإنساني" وتعامل مع القصة كأزمة إنسانية وكارثة تهدد الحياة.

الشابان ليسا حالة عامة تمثل كل اللاجئين، لكن الخيبة عامة ومنتشرة وبمستويات متفاوتة بين الوافدين الجدد، وهي الخيبة التي جعلت الاتحاد الأوروبي يتعرض لهزة تهدد مصيره بعد سنوات طويلة من تأسيسه. وهو تهديد مصير أقرت به المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أمام البوندستاغ الألماني (مجلس النواب)، ولا يزال الاتحاد الأوروبي يعقد قممه المتتالية والطارئة في محاولة حل أزمته مع ملف اللاجئين.

♦♦♦♦♦

في قمة بروكسل قبل أسبوع، وفي اجتماع دام حوالي تسع ساعات تمخض عنه 12 بندا في محاولة لتنظيم قوانين دخول المهاجرين إلى أوروبا.. وأوروبا هنا لم تعد قارة مرصوفة على قارعة الجغرافيا، بل منظومة جغرافية من القيم التي وصلت ذروتها في التطور الإنساني المدني والمؤسساتي والقانوني.

اقرأ للكاتب أيضا: أردوغان: 'أفندينا' المنتظر في العالم العربي

منظومة قيم من أنماط عيش في الرفاه الاجتماعي والسياسي الذي يشكل أحجية لكثير من الوافدين الجدد الهاربين من جحيم الاستبداد والطغيان والفساد السلطوي والكوارث.

الجدل الذي دار في أروقة الاتحاد الأوروبي، قبل وأثناء القمة وما بعدها أيضا، يكشف حجم الانشقاقات في دول الاتحاد الأوروبي مما يجعل المراقب يعتقد فعلا بخطر داهم يواجه منظومة الاتحاد برمتها.

نحن أمام تشظي أوروبي حقيقي خلقته أزمة اللاجئين وصل إلى حد وجود خلافات داخل نفس البلدان، تطورت لتشكل تحالفات نوعية غير مسبوقة مثل ما حدث في ألمانيا، فالمستشارة الحديدية اصطدمت مع وزير داخليتها الفولاذي. لكن الأمر لم يقف عند هذا الحد، فرئيس وزراء مقاطعة بافاريا الألمانية قرر بصلاحياته رفض دخول المهاجرين وتحالف مع جاره الحدودي رئيس وزراء النمسا اليميني مثله في قفزة فوق ميركل وفوق الدولة الألمانية نفسها.

إن مشكلة أوروبا التي لم تناقشها بعد (وهي مشكلة حسمتها الولايات المتحدة الأميركية بحلول عملية) هي مشكلة ما بعد اللجوء والهجرة، مشكلة الاندماج في المجتمعات الأوروبية.

تنفق أوروبا أموالا طائلة على برامج الاندماج المجتمعي، لكن تلك الأموال المهدورة فعليا لا تحقق غايات توظيفها. فأوروبا لا تزال قلقة من فكرة الجيوب القومية والدينية النائمة والرافضة للقيم الأوروبية والمنغلقة على ثقافاتها القومية أو الدينية والتي يمكن أن تتحول إلى خلايا نائمة قادرة على الاستيقاظ لتشكل تهديدا أمنيا حقيقيا للدول الأوروبية.

مشكلة أوروبا هي في تعريف المفاهيم ومواجهتها على حقيقتها دون "تزويقها" بمنظومة قيم مثالية؛ فهل أوروبا أمام هجرات اقتصادية؟ أم أمام أزمة لجوء تتدخل فيها معطيات سياسية معقدة أكثرها خطورة السياسات التركية الابتزازية بفتح الأبواب لموجات اللاجئين كلما أرادت أنقرة الضغط على العصب الأوروبي؟

ما هو الموقف السياسي العام والشامل لأوروبا كمنظومة في أزمة الشرق الأوسط؟

كثيرون اتهموا فكتور أوربان رئيس وزراء المجر بالشوفينية، بل وصار الرجل رمزا للتطرف اليميني الإقصائي، لكن بعد سنوات من تصريحاته الغاضبة عند بداية أزمة اللجوء وسياساته التي أغلقت المجر في وجه اللاجئين، فإن أوروبا تجد نفسها في وضع محرج. فالمجر ـ حسب كثير من الأوروبيين الذين أستمع لهم ـ كدولة فقيرة اقتصاديا هي الأكثر أمنا في أوروبا بينما ألمانيا بكل قوتها الاقتصادية أكثر قلقا! وطبعا هذا لا يعني أن كلمات أوربان القاسية ضد المهاجرين واللاجئين مقبولة، لكن الرجل في النهاية عبر عن موقف يزداد اتساعا وانتشارا في وسط وغرب أوروبا وهذا الموقف بدأ يتشكل كتيار سياسي متكامل.

الجدل الذي دار في أروقة الاتحاد الأوروبي يكشف حجم الانشقاقات في دول الاتحاد الأوروبي

غالبا ما يتم توجيه النصح الأوروبي للولايات المتحدة في كثير من السياسات، بل وكثيرا ما شكلت التجارب الأوروبية مرجعية لسياسيي واشنطن، لكن في موضوع الهجرة واللجوء، ربما نجد الحالة معكوسة قليلا، فالولايات المتحدة قد تكون مرجعية مناسبة لأوروبا للتعلم والبدء ببناء سياسات جديدة.

بعيدا عن كل ما يقال في الإعلام، وتوظيف الخصومة مع إدارة الرئيس ترامب في قضايا متعددة، منها قضايا الهجرة التي تثير الجدل.. إن الولايات المتحدة الأميركية لها تاريخ قديم يعود إلى عام 1820، موثق بالأوراق الرسمية وهي متاحة بإحصائيات منشورة تكشف أن جغرافيا العالم الجديد تحملت منذ ذلك التاريخ خمس حجم الهجرات البشرية في العالم، ولا تزال!

اقرأ للكاتب أيضا: الولاية الغائبة في الأردن.. فك الله أسرها

إن المهاجر إلى أميركا منذ بدايات تشكلها كان يبحث عن تحقيق حلمه بالعيش الذي يستحقه ضمن منظومة اندماج شكلها ما تم تسميته فيما بعد بالحلم الأميركي. لم يكن بين كل هؤلاء من فقد عقله ليهاجر بحثا عن بيت مجاني وسيارة مجانية وراتب بطالة مرتفع مثل الشابين الغاضبين في القصة الواردة أول المقال.

المشكلة في أساسها تكمن فيمن يبحثون عن أوهام الفردوس الإلهي في جغرافيا الكوكب الذي نعيشه.

يمكن تفسير الهجرة من مفهوم اعتباطي يرى في المهاجرين كتل بشرية متنقلة من مكان إلى آخر، أو مفهوم ذكي وعميق يرى في الهجرات معتقدات متفاوتة في تطرفها وجذورها تحاول تصدير نفسها بالانتشار لتغيير العالم.

ولهذا قراءة أكثر عمقا في مقال قادم.

ـــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG