Accessibility links

أسئلة عن الملك والملكة وولي العهد في الأردن


تظاهرة لجماعة الإخوان المسلمين في الأردن

نضال منصور/

لأول مرة كنت ضيفا في حوار مغلق مع قادة حزب جبهة العمل الإسلامي استمر لما يُقارب الثلاث ساعات، لم يتركوا سؤالا مقلقا إلا وطرحوه، واقتربوا في النقاش من "تابوهات"، وخطوط حمراء يسألها الناس في الغرف المُغلقة.

لم أكن دبلوماسيا في إجاباتي، كنت صريحا ولم أكن مجاملا؛ تحدثت بشفافية وفقا لقناعاتي، ولم أنتظر أن يصفقوا لي تأييدا، ولم يُربكني اختلافهم معي، فالقضايا الإشكالية تظل مُعاينتها أمرا نسبيا لا يعرف الحقيقة المطلقة.

الأردن واقعه ومستقبله، والحركة الإسلامية وصراعاتها وتجاذباتها وأفاقها، العلاقة مع أميركا وإسرائيل، والانتقادات التي باتت تُسمع علنا وهمسا في الاحتجاجات للعاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، والملكة رانيا العبدالله كانت مدار الحديث والأسئلة.

بعد اتفاقنا على أن الأزمة الاقتصادية مُستعصية، سألتهم أن يجيبوني بواقعية "ماذا سيفعلون لو كانوا في السلطة السياسية الآن؟"، ذكرتهم أن "الإخوان المسلمين" كانت لهم حصة وازنة في الحكومة الأردنية في ظل رئاسة مضر بدران عام 1990، ولم ينجزوا تغييرا حقيقيا في إدارة الحكومة والحكم.

ربما لا يتفق إسلاميو الأردن مع هذا الرأي، ويرون أنهم لم يُمنحوا الفرصة الكافية ليشاركوا في الحكم في البلاد، لكن الحقيقة التي لا تخفى أنهم كانوا في العقود الماضية وحتى عودة الحياة البرلمانية عام 1989 أقوى حليف لمؤسسة العرش، ولهذا قلت لهم بوضوح إن العصر الذهبي لهذه العلاقات لن يعود، وفي أحسن تقدير سيظلون في حالة "شد وجذب"، وسيُبقيهم النظام على الحافة وتحت التهديد.

العصر الذهبي لعلاقة الإخوان مع النظام لن يعود، وسيُبقيهم الحكم على الحافة وتحت التهديد

تغيرت معادلة العلاقة بين السلطة في الأردن و"الإخوان المسلمين" بعد الربيع العربي عام 2011، واستشعر النظام أو كما يرى منظّروه أن الإخوان حاولوا لي ذراعه؛ ولهذا شهدت السنوات الماضية "خريفا" في العلاقات بين الجهتين، وربما حافظ "العقلاء" على الإبقاء على "شعرة معاوية"، وعدم الانجراف لخيارات القطع مع الإسلاميين كما حدث في دول الجوار العربي.

حين سُئلت عن الوثيقة السياسية التي أصدرها الإخوان منذ شهور، أجبتهم أنها كانت لمغازلة النظام، وهي بضاعة لم يشترها ويقبلها منهم، وأنهم يحتاجون إلى مراجعات فكرية ومنهجية أكثر جرأة مثلما فعل "إخوان" تونس والمغرب؛ حتى لا يظلوا يراوحون في ذات المكان.

في السنوات الأخيرة هشمت السلطة وأجهزتها الأمنية حركة الإخوان المسلمين في الأردن وقسمتهم، وحيّدت الكثير من قياداتهم التاريخية عن المشهد، لم تنهِ تواجدهم السياسي والقانوني، ولكن أبقتهم صوتا "محاصرا" في الشارع والبرلمان.

يرى قادة في الحركة الإسلامية أن أكبر مشاكل الأردن الاقتصادية تحكم طبقة سياسية فاسدة في إدارة شؤون البلاد، ويسألون بجدية إن كان النظام يملك السيادة في اتخاذ القرار، ويذهبون أبعد من ذلك إلى الاعتقاد أن الأردن لا يملك الحق باستخدام موارده المخبأة تحت الأرض.

لا تروق لي نظرية المؤامرة، ولم أتقبل فكرة أن الأردن يملك "بترولا"، ويُمنع عليه التصرف به لتحسين موارده الاقتصادية، وسألتهم لماذا يُمنع على الأردن ويُسمح للسعودية مثلا؟

أتفهم أن تتزايد اتهامات الفساد كأحد أبرز المعوقات الاقتصادية، والتأشير إلى غياب الحوكمة الرشيدة في الإدارة، وتسليط الضوء أيضا على مشكلات مجتمعية وأنماط استهلاك زائفة، لا يمكن التغاضي عنها في مجتمع يئن اقتصاديا، مثل إنفاق أكثر من مليار دينار على الدخان، ومليار آخر على العمالة الوافدة، وثالث على سفر الأردنيين للسياحة في الخارج، ورابع على الاتصالات واقتناء أكثر من موبايل.

مستقبل النظام في الأردن كان هاجسا وسؤالا متداولا في ضوء تزايد الحديث عن تراجع وسوء العلاقات الأردنية مع أميركا وإسرائيل.

"مربط الفرس" في الإجابة على سؤال ظل يتكرر طول العقود الماضية عن قوة وثبات النظام بإثارة سؤال آخر مفاده: هل ما زال استقرار النظام الملكي الهاشمي "خطا أحمرا" في الاستراتيجية الأميركية والإسرائيلية؟

كنت في زيارة لمدير مخابرات أردني أسبق، فسألته خلال نقاش تشعب، وهو الضليع بالملفات الأمنية وتشابكها مع العلاقات الأميركية والإسرائيلية، عن المخاطر التي تهدد الأردن والنظام، فأجاب مبتسما إن "النظام الهاشمي في الأردن ما يزال "خطا أحمرا"، مطمئنا أن المناوشات مع الإدارة الأميركية والإسرائيلية في الهوامش المسموح بها، وكما يُقال "ضرب في الريش".

نقلت هذه الرواية للإسلاميين، وأضفت على لسان صديق أكاديمي متخصص في الشؤون الإسرائيلية "أن سوء العلاقات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو لا تغير من حقيقة أن التنسيق الأمني ما يزال قائما"، وهو المؤشر على سوء العلاقات أو تقدمها، وذات المقاربة يمكن أن تطبق على العلاقات مع واشنطن؛ فالإجراءات التي اتخذها الرئيس دونالد ترامب بالاعتراف بالقدس عاصمة لإسرائيل ونقل سفارة بلاده إليها، والاعتراف بشرعية المستوطنات، والامتناع عن تعيين سفير لأميركا في عمان منذ رئاسته، والمس بالوصاية الهاشمية على المقدسات، لا تتسق مع استمرار وتزايد المساعدات الأميركية لعمّان.

هنا يُعاد طرح السؤال، هل يريدون إبقاء الأردن واقفا على الحافة، لا يعيش بحبوحة اقتصادية، ولا يقع في الفوضى.. ربما؟

يستنزف تحسين الواقع الاقتصادي للأردن أكثر الجهود، وتكاد تغيب عن المشهد محاولات جدية للإصلاح السياسي. الجدل الدائر عن الولاية العامة للحكومة كان حاضرا في النقاش مع قادة حزب جبهة العمل، وكنت أسأل المستضيفين لي، هل الرئيس عمر الرزاز وحكومته هم الوحيدون الذين واجهوا تحديات الإمساك في الولاية العامة؟ هل كانت الحكومات السابقة ورؤسائها منذ عودة الحياة الديمقراطية يملكون هذه الولاية الكاملة؟

منذ عام 1990 وحتى اليوم أتابع المشهد الداخلي بتفاصيله وأشتبك معه، وعرفت وأدركت أن تقاسم السلطة بين الحكومة، والديوان الملكي، والمخابرات هي حقيقة ثابتة، تتغير المعادلات قليلا هنا وهناك، لكن الانقلاب على هذه المعادلة مصيره الفشل بحسابات واقع أي رئيس وزراء مهما كانت قوته.

جدل الولاية العامة كان مدخلا ليطرحوا أسئلة متداولة في العلن والخفاء، عمن يحكم البلاد؟ هل أوافق أن في الأردن أربع حكومات؟ كيف تنظر للانتقادات التي تُسمع في الاحتجاجات للملك والملكة؟ وكيف تُقيم وتنظر للظهور المكثف لولي العهد؟

هذه الأسئلة والغمز واللمز ليست من اختراع الإسلاميين؛ بل تُطرح أحيانا لانتقاد ما يعتبره بعضهم تدخلا في إدارة شؤون البلاد من قبل الملكة، ودائما لتثبيت دور الدولة العميقة التي تمثلها المخابرات.

تحدثت عن شيطنة متعمدة عند البعض في النقد أو الإساءة للملكة، وكأن ما تفعله "الملكات" في تاريخ الأردن طارئ ومحصور في عهد الملكة رانيا، وطالبتهم بالعودة إلى دور الملكة زين الشرف، وإلى مبادرات ودور الملكة نور، وقلت إن الاختلاف الأساسي والأبرز أن "الملكات" السابقات كن وتحركن حين لم يكن هنالك "سوشيال ميديا" ترصد كل شيء، وتتيح منصات إعلامية للجميع ـ المعارضين قبل الموالين.

كأن ما تفعله "الملكات" في تاريخ الأردن طارئ ومحصور في عهد الملكة رانيا

انطلاقا من نظرية أن "دولة فيسبوك" هي الأكبر والأكثر تأثيرا؛ قلت إن إجماع الشعب أصبح أمرا مستحيلا، وعلى "العائلة الهاشمية" أن تتقبل وتتعايش مع فكرة المختلفين معها حتى ولو كانوا أصواتا محدودة في زمن السوشيال ميديا، وأن فكرة "بناء الصورة" التي لا تقبل الخدش أو المس، يجب أن يراجعها "إعلام الديوان" حتى لا تتعمق الأزمة.

حضور الأمير حسين في المشهد الساسي لم أقرأه على أنه تحضيرات وترتيبات وتهيئة للأمير الشاب ليلعب دورا أكثر مما يتطلبه دوره كولي للعهد، واستذكرت المساحة التي كان يشغلها الأمير الحسن حين كان وليا للعهد في عهد الملك الراحل الحسين، وكيف كان ديوان الأمير الحسن سلطة فاعلة لها امتدادات ومؤسسات، ولهذا فإنني لم أجد في حركة الأمير حسين أمرا مخالفا لبرتوكول تهيئة وبناء شخصية ولي العهد.

لم أكن يوما إسلاميا في الميول والهوى، ولكنني أعترف أنهم القوة الأكثر تنظيما وفعالية، بعد أفول قوة القوميين واليساريين الذين كانوا طوال زمن الأحكام العُرفية الأكثر تأثيرا في حراك الشارع والمجتمع.

اختلف مع "الإخوان المسلمين"، وأعرف أنهم الأكثر اتفاقا واختلافا مع الحكم في الأردن، غير أنني ضد إقصائهم ومحاصرتهم، مثلما كنت ضد أن "يركبهم" النظام على أكتاف الجميع.

اقرأ للكاتب أيضا: نصائح رئيس كوردستان لبغداد بعد الاحتجاجات

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG