Accessibility links

أسطورة "سوريا العظيمة" القاتلة


في مخيمات النزوح في إدلب

رستم محمود/

ثمة إجماع أسطوري بين السوريين، يذهب للقول بأن كل ما جرى ويجري في بلادهم، على الأقل منذ ثماني سنوات، إنما ليست حربا أهلية بأي شكل. ينبع ذلك الإيمان الإطلاقي من حس دفين بالطهرانية للذات العظيمة، تملكه وتجمع عليه كافة أطراف الحرب، القيادات الحربية والسياسية لتلك الأطراف، وإلى جانبهم النخب الثقافية والروحية، وفي ظهرهم أغلبية واضحة من القواعد الاجتماعية.

هذا المستوى الخطير لنكران الوقائع الدامية، التي شُيدت واستمرت حسب اصطفافات طائفية وقومية ومناطقية ومذهبية شديدة الوضوح والخطورة، وأودت بقرابة مليون ضحية سوري، وحطمت حياة من بقي منهم على قيد الحياة، هذا النكران متأت من طبقات متراكمة من تضخم الذات، الظاهر منه والمستبطن. وساهمت في تشكيله ديناميكيات سياسية وأيديولوجية واقتصادية، وحتى جغرافية.

♦♦♦

أولا، راكم السوريون في حياتهم العامة ترسانة من الوعي بالتاريخ السحيق للذات. قالوا لأنفسهم في الأدب والخطابات السياسية والمناهج التربوية، قالوا بأنهم نسل الحضارات التاريخية "العظيمة"، التي نبتت في مختلف مناطق بلادهم، أو جزء منها. قالوا إن الرومان والآراميين والهوريين والحثيين والآشوريين والمناذرة أجدادهم الأقدمون، وطبعا المسيحية والأموية ونور الإسلام إنما انبعث بقوة فقط من بلادهم.

خيالات "العظمة" شكلت الأب القانوني للعنف السياسي

كانت أحاديث وخطابات السوريين عن تلك الحواضر شبيهة بترديد المساجين السياسيين للنشيد الوطني. فقط لأن تلك الحضارات السحيقة كانت دوما مقطوعة الصلة عن أي شيء حاضر في وقائع السوريين المُعاشة. لا تشبه علاقتهم بتلك الحضارات علاقة المصريين بالحضارة الفرعونية مثلا، أو روابط الأتراك أو الإيرانيين المعاصرين بذاكرة الإمبراطوريتين العثمانية والفارسية. لكنها كانت ترسانة تُرضي ذات السورين المتضخمة، وإن كانت تحدث في وقت كان فيه النسل البيولوجي لأبناء الحضارة الآرامية والآشورية ممنوعين من الحديث بلغة أجدادهم، بينما كان مسيحيو الحاضرة المسيحية مقبولون في المتن الوطني كذميين فحسب.

♦♦♦

في مرحلة متقادمة، أسس الذهن الجمعي السوري صورة نمطية عن الذات الحاضرة. شكلت الممازحة التي قيل إن الرئيس السوري شكري القوتلي قد قالها لنظيره المصري جمال عبد الناصر غداة توقيع اتفاق الوحدة بين البلدين، شكلت التعبير النموذجي لتلك الصورة الذهنية المتخيلة عن الذات، إذ قيل إن القوتلي قال لناصر: "أنت لا تعرف ماذا أخذت يا سيادة الرئيس! أنت أخذت شعبا يعتقد كل من فيه أنه سياسي، ويعتقد نصفهم أنهم زعماء، ويعتقد ربعهم أنهم أنبياء، بينما يعتقد عُشرهم على الأقل أنهم آلهة".

بنى السوريون مقولات وحكايات كثيرة من مثل تلك، قائمة بالأساس على أوهام التفوق على الأقوام والجماعات والمجتمعات المحيطة بهم، من اللبنانيين والأردنيين والعراقيين والفلسطينيين، قالوا إنهم أكثر ثقافة ومدنية، وحتى فطنة وذكاء وجمالا من كُل هؤلاء.

أسطورة العظمة السورية لم تنتج أية وطنية قط

في زمنهم المعاصر، تقاسم السوريون وركنوا إلى حيزين من الخرافات حول الذات.

الأغلبية المدينية السُنية جعلت من حكاية "الزمن البرجوازي البديع"، في أربعينيات وخمسينيات القرن المنصرم، جنتها الأرضية المتوخاة. ولم تسعَ يوما لوعي تناقضات تلك المرحلة، ملايين الفلاحين المعوزون، الذين كانت حقوقهم مثل حيواتهم مصادرة ومرهونة بشكل قانوني لصالح رجال الإقطاع البرجوازي الحاكم، الذين كانوا يُعدون على أصابع اليد الواحدة. إلى جانب ما كان يُعانيه أبناء الأقليات الدينية والقومية من تهميش تام، كانوا حتى غير مرئيين لهؤلاء الأقوياء المركزيين.

أما بقية الذين داروا في فلك الحكام العسكريين اعتبارا من أوائل الستينيات، وفي الزمن الأسدي الطويل فيما بعد، بالذات من أبناء الأقليات ونخب المال وأجهزة الدولة، فقد أطربتهم خطابات التصدي والمقاومة وقلب العروبة النابض ودولة القضية المركزية. في وقت كانوا يعتبرون أن ما يفعله العسكريون ومن ثم الأسديون بمعارضيهم وجيرانهم الأقربين أمرا عاديا، وطبعا لا يبالون بالتدهور المريع الذي يُغرق بلادهم من كل حدب.

♦♦♦

بالرغم من كل تلك المراكمات الذهنية المتخيلة عن الذات "العظيمة"، لا يستطيع السوريون أن يذكروا خمس سنوات فحسب عاشت فيه بلادهم دون صراعات بينية مريعة، كانت الهويات الأهلية واضحة المعالم في تلك الصراعات. وعلى نفس المنوال، لن يتمكنوا من ذكر فترة زمنية واحدة لم تكن بلادهم مرتعا لتدخلات الدول الأخرى، أو تتدخل في شؤونهم. فهذه الدولة عاشت كامل زمنها السياسي ككيان خارجي، لا تتوازن ولا تهدئ حياته الداخلية دون تدخل من الكيانات الأخرى، أو أن تتدخل هي في شؤونها.

المريع، أن أسطورة العظمة السورية لم تنتج أية وطنية قط. فسوريا المعاصرة لم تشهد تأسيس حزب سياسي واحد ذات هوية وأيديولوجية وبرامج وتطلعات سوري محضة، بما في ذلك الأحزاب البرجوازية، الذي كانت متمركزة حول مزيج من الزعامة الشخصية والنزعة الجهوية فحسب. سوريا المعاصرة دولة شبه خالية من أية وطنية، من رموزها وأدواتها وشيفراتها وشخصياتها. كل الدول المحيطة بسوريا فيها نزعات وطنية أكثر مما في الكيان السوري.

♦♦♦

لأي باحث حصيف في علم الاجتماع السياسي أن يكتشف مبكرا بأن خطاب وديناميكية "العظمة السورية" ارتكبت خلال تاريخها المعاصر ثلاثة جنايات واضحة المعالم، بحق السوريون أولا، وبحق الجماعات والكيانات والتنظيمات الأقل قوة من السوريين، من لبنانيين وفلسطينيين وأردنيين.

كانت العظمة أولا اللباس الشرعي لبزوغ نزعة الاستحواذ. فمثلما استحوذت أنظمة الأقليات العسكرية على أرادة الأغلبية السُنية عبر مثل تلك الخطابات القومية الفوقية، فإن تلك الأغلبية الدينية المذهبية أيضا تلهفت على الدوام للاستحواذ على الأقليات الدينية والمذهبية، عبر ديناميكية الدولة الفوقية "العظيمة"، التي كانت، وماتزال، على إصرار مستميت لأن تبقى عربية وسنية على الدوام، تلك العروبة والسُنية التي تراها أُس العظمة المتخيلة من قِبلها.

طبعا لم يجمع الطرفان على شيء في علاقتهما الصدامية المعاصرة مثل الإجماع على استحواذ حقوق الأقليات القومية، وعبر نفس الخطابات التعظيمية. إذ لا يُمكن لكيان أو مجتمع ما أن يكون عظيما إذ لم يكن مركزيا وقابضا على أرواح الذين لا يشبهون الأغلبية السكانية.

الناس وحيواتهم البسيطة وأحلامهم العادية أقدس من الكيانات والخطابات وخيالات العظمة

كذلك فإن خيالات "العظمة" شكلت الأب القانوني للعنف السياسي. فمثلما كانت الأنظمة الشمولية تمارس عنفا تحطيميا محضا بحق مُعارضيها وبيئتهم الاجتماعية، لأنها كانت تعتبرهم بمعنى ما "خطرا" على تلك العظمة المتخيلة. فإن طيفا واسعا من المعارضين لها طوروا أشكالا من العنف الديني والقومي، متخيلين أن جُهدهم يدخل في سياق محاولة إعادة "العظمة" المُفتقدة بسبب هذه السلطة. ظهر ذلك جليا من خلال سلوكيات الجماعات السورية المقاتلة للسُلطة الأسدية، في المناطق الجغرافية التي سيطروا عليها وحكموا فيها مجتمعات محلية، منطقة عفرين كانت مثالا بارزا عن ذلك.

أخيرا، فإن خطاب وديناميكية العظمة حرمت السوريين طويلا من تطوير وعي موضوعي حول بلادهم، تاريخه وآلية تشكله أولا، ومن ثم معضلاتهم وتناقضاتهم وصراعاتهم الطبيعية، وبذا إيجاد حلول ما موضوعية لما يواجهونه يوميا من تحديات، مثل باقي المُجتمعات والدول. فسوريا، الكيان والمجتمع، هو أكبر مجهول رياضي بالنسبة للسوريين.

♦♦♦

تضحيات السوريين الرهيبة خلال السنوات الماضية، تستحق تفكيرا عميقا بالديناميكيات الأساسية التي أدخلتهم بمثل هذه المحنة الأليمة. عليهم أن يفعلوا ذلك حتى وإن كان لذلك أن يجرح ذاتهم العتيدة. تستحق تلك التضحيات أن يفكر السوريون، نخبهم وسياسييهم أولا، أن يفكروا بالخصائص البنيوية التي في كيانهم ومجتمعهم وتوزعهم الديموغرافي والجغرافي ووشائجهم الإقليمية، التي تنتج مثل هذه الأوجاع الدامية، وأن يختاروا لأجلها حلولا في نفس المستوى من البنيوية، وإن كانت جارحة في الصميم، إذ كانوا يبتغون النجاة لأجيالهم القادمة.

لن يتمكن أحد من استحواذ تلك الجسارة، قبل تلقين الذات عبارة بسيطة: الناس وحيواتهم البسيطة وأحلامهم العادية أقدس من الكيانات والخطابات وخيالات العظمة، أن يقولوا ذلك ليلا نهارا، وكأنها صلاة استغفار من دماء ملايين الضحايا، وآلام ودموع ذويهم.

اقرأ للكاتب أيضا: في تركيا، ملايين الناس ينتخبون حزبا "إرهابيا!"

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG