Accessibility links

أطلال حركة التغيير الكُردية المُعارضة 'كوران'


جانب من عملية فرز الأصوات في انتخابات كردستان

رستم محمود/

بالرُغم من اتفاق الشراكة الثنائية الشامل، الذي وقع بين الحزبين الرئيسيين في إقليم كُردستان العراق، الديمقراطي والاتحاد الوطني الكُردستانيين، الذي وقعاه قبل أيام قليلة، إلا أن الحكومة المحلية في الإقليم لم تتشكل. تقول المصادر المطلعة إن السبب أنما يرجع إلى مُعارضة حركة التغيير الكُردية "كوران" على إحداث منصب "النائب الثاني" لرئيس الإقليم وإسناده إلى شخصية من حزب الاتحاد الوطني الكُردستاني، حسب الاتفاق بين الحزبين الرئيسيين، بعدما أن كان مُقرراً أن يكون منصب النائب الأول لرئيس الإقليم من حصة حركة التغيير نفسها.

تكشف هذه الواقعة طبيعة راهن ما تعيشه هذه الحركة سياسياً، مشروعها وتطلعاتها وبرنامجها الحالي. لكن أولاً مدى ما طرأ عليها من تحولات جذرية، مُنذ تأسسها قبل 10 سنوات وحتى الآن. حيث تظهر الحركة وكأنها أكملت دورة "حياتها" الحيوية كاملة.

***

قبل عشرة سنوات، وفيما كانت الأحزاب الكردية مشغولة بقضايا "التحرر الكردي" وعلاقة الكرد مع المُحيط المضطرب، داخل العراق ومع القوى الإقليمية غير المرتاحة للوضع الكردي الاستثنائي في إقليم كردستان؛ في ذلك الوقت من العام 2009 تأسست حركة التغيير، وقد كانت تُطلق شعارات الإصلاح السياسي والاقتصادي الداخلية، متوجهة في شكل كثيف لأن تكون القضايا الداخلية هي جوهر الصراع في المسألة السياسية والاجتماعية ضمن إقليم كُردستان. مشيرة بكثافة إلى ما يعانيه أبناء الإقليم من فساد واحتكار سياسي واقتصادي، وكيف أن عدم عدالة توزيع العائدات المادية والرمزية في الإقليم سيؤدي في وقت ما إلى انهيار عام، تتحطم معه كل المنجزات الاستثنائية التي حققها الكرد العراقيون طوال العقود الماضية.

تكونت حركة التغيير في ذلك الوقت على ثلاثة أسس متوازنة: تتعلق الأولى بزعامة نيشروان مُصطفى، القيادي السابق في الاتحاد الوطني الكردستاني، الذي كان يتطلع لـ"وراثة" زعامتية مبكرة لمؤسس الاتحاد وقائده جلال الطالباني، الذي كان مشغولاً عن الشأن الكُردي برئاسته للعراق، وترتيبه لشؤون ومكتسبات الكُرد في الدولة العراقية المركزية. كان نيشروان مصطفى يتطلع لأن يكون الزعيم الكُردي الثالث، إلى جانب ثُنائية زعامة رئيس العراق وقتئذ جلال الطالباني، ورئيس الإقليم مسعود البارزاني.

بموازاة ذلك، فأن الحركة شيدت خطاباً إصلاحياً جذرياً، وانقلابيا إلى بعيد، ينادي بالتحديث السياسي والبيروقراطي، بالذات من خِلال مواجهة نفوذ العلائات السياسية ونمط حُكمها، التي كانت تنعتها بقوى النهب العام والاستبداد السياسي. وبمستوى ما، كانت الحركة تتقصد مواجهة نفوذ قادة الصف الثاني من حزب الاتحاد الوطني الكُردستاني، الذين كانوا يسعون لوراثة زعامة جلال الطالباني.

المستوى التأسيسي الثالث للحركة كان يتعلق باجتراح المجال السياسي الجُغرافي لهيمنتها، فقد كانت الحركة مؤمنة بأن تكرس زعامة الحزبين الرئيسيين بشكل قائم ومُستمر أولاً لأن كُل منهُما إنما يُسيطر ويُهيمن على واحدة من مناطق الإقليم، الاتحاد الوطني مناطقه الشرقية في محافظتي حلبجة والسُليمانية، والديمقراطي الكُردستاني على المناطق الغربية في محافظتي أربيل ودهوك. بناء على ذلك، فأن الحركة شدت عصب الانتماء لمدينة السُليمانية نفسها، حيث ينتمي زعيم الحركة والأغلبية من قياداتها. عرضت الحركة أشكالاً من "مظلومية" المدينة، التي قالت إنها مُهملة ومُستبعدة عن دورة الحياة السياسية والاقتصادية في الإقليم، مُقابل باقي مُدن الإقليم، بالذات مدينة أربيل.

***

خلال الانتخابات النيابية الإقليمية عام 2009، حققت حركة التغيير مفاجأة كُبرى، وحصلت على 25 مقعداً نيابياً في برلمان الإقليم من أصل 111 مقعداً، وجاء في المركز الثاني بعد القائمة الكُردستانية التي كانت مؤلفة من الحزبين الرئيسيين، وشغل لسنوات موقع حزب المعارضة الرئيسي في البرلمان. كما دخلت الحركة الانتخابات البرلمانية العراقية وقتذاك، وحصلت على قُرابة نصف مليون صوت، وحصلت على ثمانية مقاعد برلمانية من أصل 325.

خلال انتخابات العام 2013 عدلت الحركة من موقعها أكثر، وأصبحت بمثابة الحزب الثاني في برلمان الإقليم، وسبقت حتى الاتحاد الوطني الكُردستاني، الأمر الذي أدى برئيس وزراء الإقليم المكلف وقتئذ نيجرفان بارزاني لأن يقول إن التمثيل الذي أثبتته حركة التغيير صار معه من المستحيل عدم مشاركتها في السلطة.

شاركت الحركة في السلطة السياسية، وبعد توافق الأحزاب الثلاثة صار أحد اعضائها رئيساً لبرلمان الإقليم، وأربعة من أعضائها وزراء في التشكيلة الحكومية، وأحدهم تسلم حقيبة وزارة المال الحساسة في الإقليم.

لكن الأحوال ما لبثت أن تدهورت بين الحركة والحزب الديموقراطي الكردستاني، بسبب الصراع على موقع رئيس إقليم كردستان العراق. ففيما كان الديموقراطي يصر على أن الحوار والتوافق أساس تحديد مصير ذلك، كانت الحركة تصر على تشكيل تحالفٍ سياسي خارج ذلك التوافق وإطاحة رئيس الإقليم السابق من داخل البرلمان. ولذلك بلغ الصراع ذروته بعد منع رئيس البرلمان من دخول العاصمة أربيل وتوقف الحياة البرلمانية طوال أعوام 2015-2017 في الإقليم وعزل وزراء الحركة الأربعة.

في الانتخابات البرلمانية الأخيرة عام 2018، تراجعت شعبية الحركة إلى قُرابة الثلث، فلم تُحرز سوى 12 مقعداً برلمانياً من أصل 111 مقعداً، بالرُغم من تحالفاتها وتوافقاتها مع التيارات الإسلامية في الإقليم، وبذلك صارت الحركة داخلة في شبكة التوافقات مع الحزبين الرئيسيين، لأن تشغل جُملة من المناصب والمواقع في حكومة ومؤسسات السُلطة في إقليم كُردستان العراق.

***

طيف واسع من العوامل المُركبة أدت لأن "تتدهور" أحوال الحركة الكُردية المُعارضة بهذا الشكل، التدهور المتأتي أساسا من تخلي الحركة عما بُنيت عليه من أُسس تكوينية، وسعيها الحثيث لأن يكون واحداً من أحزاب السُلطة في الإقليم.

تلك الأسس نفسها التي رُبما كانت العامل الفعال كي لا يكون لمثل هذه التنظيمات من أفق مفتوحة وذات تأثير نوعي "تاريخي" على المُجتمعات السياسية التي تنشط في أوساطها.

إذ لا يُمكن مثلاً مواجهة وتحطيم زعامات سياسية وحزبية، تكونت وتكرست عبر عقود طويلة الكفاح المُسلح والصراعات المديدة، لا يُمكن تحطيمها عبر محاولة تكريس زعامة أخرى، مُشابهة لها نفسياً ورمزياً، لكن فقط مزاحمة لها في الصراع السُلطة، ودون أن تتملك أدواتها وآلياتها.

كذلك يُستحال اجتراح إصلاح سياسي وبيروقراطي ومؤسساتي باتباع أنماط من الخطابات والبرامج السياسية الراديكالية التامة، التي تُريد أن تقتلع وتُحطم القوى السياسية المكرسة، وذات التاريخ والامتداد الاجتماعي والاقتصادي، وحتى العسكري والأمني، فمثل تلك النزعات لا تؤدي نحو اصلاحات نوعية، بل فقط نحو حروبٍ أهلية مفتوحة.

أخيراً، لا يُمكن لأي تيارٍ سياسي أن يغدو قوة سياسية مدنية وعمومية ونوعية، مُختلفة عما سبقها من قوى سياسية أخرى، لا يُمكن لها أن تسعى لذلك عبر شد عصب مدينة بذاتها، مناهضة ومُعتقدة بأنها مُتفوقة على غيرها من المناطق.

-------------------------------

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG