Accessibility links

وداعا


في مركب في بحيرة دال في الهند

د. ابتهال الخطيب/

فقدان الأشخاص حدث حزين، حتى فقدان هؤلاء الذين لا يحزنون لفقدك، وهؤلاء الذين لا يستحقون حزنك. الفقد مؤلم محزن، يذكر بأحزان الحياة وامتلائها الزمني بالخسائر، لتمضي بنا الدنيا فنفقد من صحتنا، نفقد من سنواتنا، نفقد من راحة بالنا، نفقد ممن هم حولنا، وكأن الدنيا تعذبنا بهذا القطع البطيء المظلم من أرواحنا لتذكرنا بفنائنا. الحياة كلها خسائر، فلم يسعى البعض منا لمضاعفة خسائره وإخواء حياته قبل الأوان؟

لسنتين أو أكثر كنت أرى الفقد قادما، كنت أستشعر الجفاء الذي لم أصل لمعرفة سببه في يوم، لكنني أبقيت على التمني، ربما عشرة العمر الماضي تنقذ ما يمكن إنقاذه، ربما الصداقة القديمة، ربما المحبة السابقة، ربما الضحكات والأسرار والقصص والحكايا التي تشاركناها، ربما المقالب التي لعبناها والشكاوى التي تبادلناها، ربما كل ذلك أو بعض ذلك يذكر بالذي كان فيؤجل الفقد، يرحمنا منه إلى حين، ولكن القدر شاء، وكما يقول عمر الخيام:

الإصبع المتحرك يكتب وقد كتب

باستمرار، ولا تستطيع كل تقواك أو حكمتك

أن تجعله يعود للوراء لحذف ولو نصف سطر،

كما لن تستطع كل دموعك أن تمسح كلمة واحدة منه*

لقد كتب الإصبع المتحرك بضغائن غير متوقعة، بتحول غير مفهوم، والآن، كل التقوى والحكمة والدموع لن تغير شيئا ولن تفسر غموضا، وقع الفقد وكانت النهاية.

المكان الذي خلى في القلب لن ينتظر ولن يستقبل مجددا

أحيانا تفاجئك الحياة، يفاجئك البشر. أعترف أنني لست من ذوي هذا الذكاء الفطري، لست لمّاحة بالشكل الذي يمكن الإنسان من قراءة من هم أمامه وفهم طبيعة نفوسهم (قدراتي إن وجدت هي صناعية، هي نتاج اجتهاد لا قدرة فطرية، فأنا من مجموعة من يسمونهم "أذكياء الكتب" لا "أذكياء الطبيعة").

تفوتني الكثير من الأشياء، ويفوتني تلميح الناس حولي عما فاتني، لأستفيق فجأة على مفاجأة غير سارة، على فكرة بعيدة تماما عمّا في نفسي، على فورة غضب وربما ملمح كراهية ما لاحظت شعلتهما تتوهج وما ميزت مصدرهما في نفس من أمامي، لتكون الصدمة: متى اتسعت الهوة، وأي أسباب أمعنت في تعميقها فيم أنا منشغلة عن صاحبها؟ كيف تحول محب الأمس إلى عدو اليوم هكذا في غفلة مني ومن الزمن الذي مر دون أن يرشدني لجدية هذا التحول؟

نحن البشر معزولون عن بعضنا بجلودنا، بأجسادنا، لن نتمكن في يوم من معرفة كيف يشعر كل منا داخل جسده، كيف يفكر كل منا داخل جمجمته. بعضنا له من الذكاء ما يمكنه من الاستنتاج، وبعضنا الآخر له من السذاجة ما يبقيه في الظلام إلى أن يقع المحظور.

إلا أننا جميعا كبشر نبقى حبيسي جلودنا وأجسادنا، نبقى مغيبين عن الحقيقة الكاملة بسجوننا البيولوجية هذه التي لن تبيح لنا في يوم أن نفهم، حقيقة أن نفهم، كيف يشعر الآخر وكيف يفكر.

في كل الحالات، سواء كنت من الأذكياء اللماحين أو من الساذجين المغيبين، أليست محاولة إنقاذ ما يمكن إنقاذه محاولة أخلاقية شريفة؟ أليس الإقدام على حماية وجود من هم في حياتك مكسب لك وتغلب لحظي على الدنيا بفقدها المستمر المؤلم؟ ألا تستحق علاقة عمر طويل محاولة حقيقية؟

أنا حاولت، اجتهدت، لكن هكذا هي الحياة، لا تنجح كل المحاولات، لا يمكن تفادي أو تجاوز كل فقد. كل يوم نفقد أحبة وأصدقاء لأسباب لو أننا علمنا بهوانها على الزمن والكون والنهايات القادمة لما ضيعنا أعمارنا نتحراها ونأخذها بعين الاعتبار. لو أننا ميزنا لحظية الحياة وقصر الأعمار البشرية وقيمة العلاقات الإنسانية التي هي مصدر سعادة ورفاهية الإنسان الحقيقية لما ضحينا بالثمين من أجل الرخيص.

جميعا كبشر نبقى حبيسي جلودنا وأجسادنا، نبقى مغيبين عن الحقيقة الكاملة بسجوننا البيولوجية

لكننا لا نرى الصورة كاملة إلا عندما نبتعد عنها كثيرا، عندما نصل لحافة العمر المتقدم لتتجلى عندها سخافة التصرفات وسذاجة ردود الأفعال وفداحة حجم الفقد وعمق هوة الفراغ الذي صنعه هذا الفقد في حيواتنا، يحدث ذلك بعد أن يكون الوقت قد تأخر كثيرا، والأعمار تقدمت عتيا، وما بقي من الزمن الذي لا يرحم قدر ما مضى.

فقدت أنا قبل أيام، وأنا من هذا النوع المرّ من البشر الذي يكره الفقد ويقاومه بشدة، ولكنه ما أن يفقد، حتى يفقد للأبد، لا سبيل للعودة حتى ولو فتحت سبل المغفرة وحتى لو طوى الأحداث النسيان. المفقود لا يعود، نفسيا لا يعود، قد يقترب وقد يبتعد، قد تعود بعض المياه لمجاريها وقد ينمو بعض العشب فوق أرض الفراق القاحلة، ولكن المكان الذي خلى في القلب لن ينتظر ولن يستقبل مجددا، سيغلق على جراحه ويندمل على تشوهاته إلى الأبد.

ربما أنا آتي عين ما أنقد من حيث تعزيز الفقد، ولكنه كثر الأسى الذي يعلم الجفاء، وهو جزع انتظار وقوع الأذى الذي لا يريح منه سوى حدوثه، وهو راحة اليأس من محاولة إنعاش مشاعر ماتت إكلينيكيا. ربما الأصح لي وللطرف الآخر الآن أن أحترم موت المشاعر، أن أدفن هذا الجزء من قلبي، حيث إكرام الميت دفنه، وأن أقول أخيرا... وداعا.

*هذا النص من حيث المعنى هو ترجمة شاعر القرن التاسع عشر إدوارد فيتزجيرالد من الفارسية الى الإنكليزية، وهذه الترجمة العربية وردت في كتاب "من خلق الله" لإدكار أندروز.

اقرأ للكاتبة أيضا: بين الانتحارين

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG