Accessibility links

أنا.. وليلى


سيدة تضع دموعا على عيونها خلال تظاهرة في مناسبة اليوم العالمي للقضاء على العنف على النساء في مدريد

مالك العثامنة/

تنامت في الفترة الأخيرة ظاهرة الحديث عن العنف الزوجي وقمع المرأة، وقرأت وشاهدت وسمعت مقالات ومقاطع وحوارات تتعلق بحرية المرأة وحقوقها، والعلاقات الزوجية والتنمر الذكوري، وكان كل ما تلقيته من كل ذلك متوزعا بين متدينين يؤكدون أن "أديانهم" أنصفت المرأة، أو ناشطين في النسوية وحقوق المرأة وهؤلاء أيضا تطرفوا إلى حد بعيد جدا في طروحاتهم.

شخصيا، كنت أتابع ذلك، وما يلفت الانتباه إما أن أقرأه لزوجتي أو أعيد إرساله لها، ونخوض نقاشا حرا فيه كل أنواع الاختلاف في التفاصيل، لكنه غالبا ما ينتهي بالاستغراب المشترك بيننا من كل الأمر.

لست معنيا بنصف المجتمع، الذي سفحت على شرفه ومن أجله غالونات من الأحبار وأطنان من الكلمات والإنشاء والأفكار، أنا معني بقياس تجربتي مع " نصفي الأفضل"، وهذا تعبير استحسنته قبل سنوات من المؤرخ العربي المهاجر إلى باريس الدكتور خيري جانبك، والذي لا يشير إلى زوجته الكريمة إلا بمصطلح "النصف الأفضل".

ما أريد قوله لا أهدف منه إلى أي استعراض عضلات اجتماعي لكن هو ما يشبه تقييم ذاتي واقعي وشاق وصعب لتجربة زواج، تحولت فيها على يد السيدة "وهي سيدة بحق" ليلى العقاد، زوجتي، من كائن يحمل رواسب التفوق الذكوري إلى شريك حياة مؤسسية اسمها الزواج، قائمة على الاختلاف.. نعم الاختلاف الذي يهذبه التفاهم، ويوصلنا إلى التوافق.

♦♦♦

زوجتي من أصول سورية من ناحية الأب، ومجرية من ناحية الأم، وهي مواليد بودابست، واللغة الأم لديها مقسومة بين المجرية والعربية بذات الإتقان، كما وتتحدث الفرنسية والهولندية والإنكليزية والتركية، وهذا تعدد ثقافي واسع، جعل منها مرجعية في حياتي لا أستغني عنها في وطننا المهجري: بلجيكا.

زوجتي تقود السيارة غالبا، لأنها أكثر مهارة مني في القيادة، وهذا مستغرب في شرقنا الذكوري الذي اعتاد التنمر على السيدات اللواتي يقدن السيارات، وأنا شخصيا تلقيت تدريبا مكثفا منها قبل سنوات لأتقن عملية الركن بين سيارتين بشكل جيد، ولا زلت أثق بقيادتها للسيارة خصوصا في رحلاتنا الطويلة التي نقطع فيها طرق القارة الأوروبية.

لا بد للإنسان كي تكتمل حقوقه أن تكون هناك حقوق فعلية وعلى أرض الواقع للمرأة

كانت السنوات الثلاث الأولى في عشريتنا الأولى الحالية، منهكة ومتعبة ومتوترة، والسبب أنا ببساطة، فما حملته معي من رواسب التفوق الذكوري كان يقف مانعا أمام "التوافق" بيننا، واصطدمنا كثيرا بالانفصال الذي لم تطلبه هي ولا مرة، وكنت أنا القادم من مجتمع "الطلاق بيد الرجل عنوان سيادته" دوما الذي يهدد بالانفصال.كان هدوءها وإيمانها ومحبتها يعيدني إلى أطراف الاتزان النفسي، ورغم كل الضغط النفسي الذي كنت أمارسه عليها بوهم سيادة ذكورية بشعة، إلا أنها قاومت بتهذيب هذا كله بصبر مدهش.

بعد شد وجذب، بدأت مرحلة الوعي، والتي ما كنت لأخوضها لولا تفهمها الكامل، وأفخر أني لا زلت حتى اليوم، أناضل بيني وبين نفسي للوصول إلى مرحلة تذويب كل تلك الرواسب الذكورية الكامنة في داخلي.

ولأننا نعيش في منطقة تتحدث الهولندية، فموازنة البيت بمجملها بيد نصفي الأفضل، وهذا سبب موضوعي ووجيه لا يحتاج إلى تقسيمات سيادية، فالفواتير بحاجة إلى إدارة، وتلك الإدارة تحتاج إتقان اللغة، والأرقام لا تحتمل الأخطاء، ولغتي الضعيفة أمام لغتها ستنتج الكوارث بلا شك.

مع السنوات، تشكلت معارفنا من الأصدقاء، هي لها من تراهم مقربين (من الجنسين)، وأنا لي مقربين من المعارف (من الجنسين)، قد يحدث لسبب أو لآخر أن لا أرافقها في سهرة أو دعوة اجتماعية، والعكس صحيح، لكن في نهاية اليوم، حياتنا قائمة على التوافق رغم الاختلاف.

هي تحب الموسيقى (وتتخصص بها) وتعمل "إدارية" في مدرسة، وأنا أحب القراءة والكتب وأعمل صحفيا. ذوقنا في الموسيقى لا يلتقي كثيرا ولا يبتعد كثيرا، لكنها بالتأكيد مرجعية "معرفية" في عالم الموسيقى.

في البيت، بيننا إدارة مشتركة، ومؤخرا صارت عمليات كي الملابس من اختصاصي، لأن عملية الكي بمنهجيتها الآلية الصرف، تجعلني أركز في سماع نشرات الأخبار والبرامج السياسية.

لا نتفق سياسيا دوما، هي لها رؤيتها الخاصة، ولي أنا رؤيتي، وهي من أقل من يشارك مقالي على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي، إن راق لها مقال قامت بنشره، وأكثر مقالاتي انتشارا لم يجد طريقا للنشر على صفحتها "الفيسبوكية". لأنه ببساطة، لم يعجبها!

ذوقنا في الطعام ليس واحدا، لكن نتشارك الصحون في دعوات المطاعم بكل ابتهاج.

حين يوجه لي أحدهم دعوة اجتماعية لعشاء أو سهرة، فالقرار غالبا لها، لأنها التي تعرف برنامج أسرتنا الأسبوعي بكل متطلباته.

أحيانا أسافر لوحدي، بعد تنسيق مسبق معها لإدارة البيت، وهي كذلك، تسافر أحيانا لوحدها بتنسيق أكثر صرامة في إدارة البيت، وأخفق أنا دوما حين تغيب.

ندخل في جدل أنا وهي حين يتعلق الأمر بابنتنا الوحيدة، المفاجأة أنها هي المحافظة في الأفكار التربوية وأنا الليبرالي، فندخل في تسويات تتعلق بتفاصيل بترا الصغيرة، وندرك كلانا أن لا أحد فينا يحبها أكثر من الآخر!

ليست الذكورية وقمع المرأة واضطهادها حكرا على مجتمعات الشرق

نعي تماما أننا غير متشابهين، التشابه ضجر، ونبني على اختلافاتنا ما يخلق التنوع. أدركنا ذلك معا، وبالتجربة.

وحين نقرأ أو نشاهد الأخبار كما حصل في الأيام الأخيرة، كنا متفقين على الدهشة من كل الحديث عن حقوق المرأة وقمع الرجل، والجنون الذي يعصف بالعالم الذي نعيشه.

نصفي الأفضل وأنا، متفقان ـ على كل ما بيننا من تعدد رؤى ـ على أن نصنع من ابنتنا إنسانا مؤهلا بالمعرفة والقوة والاستقلالية. إنسانا بكامل إنسانيته وتلك هي المفردة الأدق.

♦♦♦

على الهامش..

ليست الذكورية وقمع المرأة واضطهادها حكرا على مجتمعات الشرق بالمناسبة، هذا التخلف موجود في الغرب أيضا، لكن بنسب أقل وقوانين أكثر عدالة وإنصافا.

إن حقوق الإنسان لا يمكن أن تكتمل بخطاب عام غير محدد الملامح واحتفالات إنشائية أو تقارير متخصصة، بل لا بد للإنسان كي تكتمل حقوقه أن تكون هناك حقوق فعلية وعلى أرض الواقع للمرأة، لأنه وبدون ذلك، تبقى الإنسانية ناقصة كثيرا.

لنا أن نتخيل.. لو اكتملت الإنسانية بحقوق متساوية للمرأة في عالمنا، فإن كثيرا من القمع والاضطهاد والانتهاكات ستتلاشى فورا.

لنا أن نتخيل... ونتمنى.

اقرأ للكاتب أيضا: النكتة.. في الزمن الرقمي

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG