Accessibility links

أنظمة مسيّلة للدموع


تظاهرة ترفض تكليف حسان دياب تأليف الحكومة اللبنانية

كوليت بهنا/

"المجاعة"، هو العنوان الذي جمع عددا من الخبراء والمختصين على إحدى المحطات اللبنانية قبل أيام لمناقشة احتماليتها وتقديرات توقعاتها زمنيا وانعكاساتها القريبة أو بعيدة المدى.

المتحدثون، وبالاستناد إلى أرقام دقيقة وموثقة، أسهبوا في تشخيص الأسباب المتراكمة عبر سنوات، والتي أدت إلى تدهور الاقتصاد حتى حافة الخطر أو قرب الانهيار. ترتبط الأسباب بالسياسات الحكومية الخاطئة التي اعتمدت وبالسياسة المالية، والتي لم تتوافق مع الواقع الاقتصادي والزراعي والجغرافي اللبناني، من حيث صغر المساحات المخصصة للزراعات الاستراتيجية وفي مقدمها القمح والزراعات العلفية، مع توضيح مأزق المساحات الصالحة للزارعة التي تواجه اليوم معضلة الريّ وشحّ الآبار الارتوازية بسبب تلوث كبرى الأنهار الرئيسة في لبنان.

لا يخاف الأحرار من الجوع، يمضغون أوراق الأشجار لو اضطروا، ما يخافونه هو فقدان الحرية

في سياق الحديث، ذُكرت أرقام خيالية تفوق المئات من الدولارات تخصص سنويا لاستيراد منتجات غذائية ومستوردات استهلاكية وغيرها، تندرج تحت بند (الرفاهية)، يمكن الاستغناء عنها عبر بدائل سهلة كثيرة ومعروفة تم اقتراحها، أبرزها اللجوء إلى الموارد والمنتجات المحلية، واعتماد خطط استراتيجية جديدة في زراعة الجرود، وترشيد الاستهلاك وتوجيهه نحو بعض الزراعات البسيطة في الشرفات المنزلية للاستهلاك العائلي، وتخصيص الطحين للأولويات الضرورية.

باختصار لخصت الأخطاء السابقة والكارثة المحتملة بمعضلة الاستيراد المرتبطة بالأزمة المصرفية، والفساد العام، وبعد طول لف ودوران، تم تحديد حدوث المجاعة القادمة بثلاثة شهور أخرى.

لن يواجه اللبنانيون خطر المجاعة، وما يتحدث عنه معظم الخبراء والمحللين، وإن صحت تحليلاتهم في بعض النقاط، إلا أنه يندرج في العموم ضمن سياسة التهويل والتخويف والمبالغة القصوى، والتلميح بشكل مباشر أو غير مباشر إلى الانتفاضة الشعبية، والتي يشار إليها أحيانا بشكل دبلوماسي وموارب، بأنها، وإن لم تكن سبب المأزق الحالي، إلا أن البعض لا يتردد، وبدون أية مواربة أو دبلوماسية، في تحمليها مسؤولية الخسائر المضافة التي فاقمتها منذ اندلاعها، وتسببها بارتفاع نسبة البطالة وتراجع حركة الأسواق والسياحة وحجوزات الفنادق والطيران الأعلى مردودا في موسم الأعياد الحالي، ولولا بعض الاستيحاء، لحملوها وزر الأزمة المالية والمصرفية برمتها، ولا بأس بلومها المستمر وإلقاء كافة كوارث الأرض فوق ظهرها.

الرفاهية الحقيقية التي انتفض لأجلها، هي تكريس ثوابت حريته المنشودة وبناء دولة ثقة

تذكير الناس الدائم بأيام "سفر برلك" والمجاعة التي حدثت في سوريا ولبنان والعراق بشكل أكبر إبان الحرب العالمية الأولى، والإشارة المستمرة إلى معاناة الشعب السوري والعراقي واليمني الحالية وغيرهم، يندرج بدوره ضمن سياسة التخويف والتهويل، فالحديث عن مجاعات تاريخية، أو حديثة في البلاد المشار إليها أو غيرها، يتم دون توضيح الأسباب الحقيقية والمباشرة لها، وأبرزها الحروب التي تؤدي بشكل طبيعي إلى شح الموارد أو قوننتها، وصعوبة إيصال المواد الغذائية لأسباب أمنية وعسكرية.

فالسوريون أو اليمنيون الذين جاعوا في عدد من المناطق على سبيل المثال، إنما حدث ذلك بسبب الحصار الذي فرض على بعضهم لفترات زمنية طويلة امتدت أحيانا إلى سنوات، وفق سياسة تجويع ممنهجة كانت واحدة من أقسى أساليب تطويعهم، وهي سياسة يعرفها مليا بعض من يتحدث عن مجاعة اللبنانيين ويخيفهم اليوم.

تكمن مشكلة لبنان في الأمن السياسي والطائفي والحزبي وليست في الأمن الغذائي، وبنظرة معمقة إلى طبيعة هذا الشعب ونضاله التاريخي ضد أشكال مختلفة من القسوة السياسية أو الطبيعية المناخية، يمكن التفاؤل به دوما، وبإمكانية تجاوزه لهذه الضائقة ببعض الصبر والتخطيط.

اللبناني مقاوم بالفطرة، والرفاهية التي يبحث عنها، لا تتعلق بفاكهة استوائية أو أجبان مطبوخة أو هندام فاخر وأنيق لأحد الماركات العالمية، إذ أنه، وحين تقتضي الضرورة، يمكنه أن يتعامل مع هذه المستوردات، التي تكلف الاقتصاد ملايين الدورات، على أنها قشور، والرفاهية الحقيقية التي انتفض لأجلها، هي تكريس ثوابت حريته المنشودة وبناء دولة ثقة يمكنه الاستناد إليها، والخلاص ما أمكنه من جميع أشكال ورموز الفساد الذين يأكل لبنان ويأكل مقدراته منذ سنوات.

تذكير الناس الدائم بأيام "سفر برلك" والمجاعة يندرج ضمن سياسة التخويف والتهويل

سيمر اللبنانيون بأوقات صعبة قادمة على كافة الأصعدة، وسيشدون الأحزمة حتى النهاية، وسيعضون أصابعهم لابتلاع الألم وامتصاصه في كثير من الأوقات، لكنهم لن يواجهوا المجاعة.

سيعبرون هذا المفصل التاريخي الأهم في تاريخهم في حال ثباتهم في صحوتهم الجديدة، وهي صحوة، انتفاضة، ثورة، أيا تكن تسميتيها، لا شك أنها حققت نتائجها الأولى في الصدمة الإيجابية، وكشفت اللثام أمام الجميع بأن احتياطي أدوات القمع ـ المعلن أو المستتر ـ أكبر من احتياطي المياه، والقمح، واحتياطي المصرف المركزي، وسيسعى الأكفاء بينهم وعبر التكافل الاجتماعي، ليس فقط للخلاص من أي جوع محتمل يتم التهويل له، بل للخلاص من مصير يخطط لهم، لتطويعهم وتحويلهم إلى رعايا لا مواطنين، لواحدة من جمهوريات الخوف المنتشرة، وأحد الأنظمة المسيّلة للدموع.

لا "بعبع" مجاعة في لبنان، ولا يخاف الأحرار من الجوع، يمضغون أوراق الأشجار لو اضطروا، ما يخافونه هو فقدان الحرية، لا أكثر ولا أقل.

اقرأ للكاتبة أيضا: زائر لبنان

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG