Accessibility links

أن تعبر بحرية فأنت موجود


الرئيس الأميركي ومراسل سي إن إن خلال المشادة الكلامية بينهما

بقلم عبد الحفيظ شرف/

أنت كإنسان يعيش على هذا الكوكب من حقك أن تعبر عن رأيك بالشكل الذي تريد دون خوف من حكومة أو دولة أو مجتمع. أنت كإنسان يحق لك أن تصل إلى المعلومة التي تريد بالشكل الذي تريد دون حجر أو منع أو عواقب وخيمة. أنت كإنسان يحق لك أن تعتنق أيا من الآراء دون مضايقة ولك الحق في حرية التعبير.

يشمل هذا الحق حريتك في التماس مختلف ضروب المعلومات والأفكار وتلقيها ونقلها إلى آخرين دونما اعتبار للحدود، سواء على شكل مكتوب أو مطبوع أو في قالب فني أو بأية وسيلة أخرى تختارها.

كل هذه الحقوق هي من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان ويعترف بها كحق رئيسي في العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية التي اتفقت عليها البشرية منذ عام 1969 أي ما قبل ما يقارب من الستين عام، فلك أن تتخيل الفارق الحضاري الشاسع الذي يفصل بيننا وبين العالم الحضاري الذي يحترم هذا الحق الأصيل للإنسان.

يكرم المفكرون في كل أنحاء العالم إلا في عالمنا العربي، فثمن الفكر غالي لدينا وهو الحرية

حرية التعبير تقوم على أسس ثلاثة، أولها حرية الأفراد في اعتناق الآراء وتبنيها دون تأثير أو تدخل من أي جهة. وأما ثانيها فحرية تلقي الأخبار والأفكار المختلفة وحرية نشرها سواء من خلال الوسائل المكتوبة أو المسموعة أو الوسائل الفنية، وثالثها حرية الاتصال الدولي، ويقصد بذلك حرية تناقل الأخبار والآراء بغض النظر عن الحدود الجغرافية. وهنا أنقل من العهد العالمي لحقوق الإنسان.

اقرأ للكاتب أيضا: لكم دينكم ولي دين

ومع الأسف يعيش عالمنا العربي والإسلامي تراجعا مخيفا لحرية الرأي والتعبير والإعلام، ولا أعتقد أنني بحاجة للتدليل على هذا التراجع المخيف فجميعنا نرى هذا التراجع ونلمسه يوميا. فالكلمة ممنوعة وكلنا يعلم أن "الجدران لها آذان"!

ولذلك السكوت من ذهب في عالمنا العربي. والمكان الطبيعي لمن يرغب في التعبير عن رأيه السياسي أو الفكري هو السجن والعزل عن الناس.

يكرم المفكرون في كل أنحاء العالم إلا في عالمنا العربي، فثمن الفكر غالي لدينا وهو الحرية. لذلك عليك حتى تكون مواطنا صالحا أن تضع غطاء على عينك فلا ترى الفساد، ثم تغطي أذنك لتمنعها من سماع ما يضايق الحاكم أو المجتمع، ثم تغلق فمك فلا تهمس ببنت شفة من غضب الحاكم. والمثل الشهير "أنا لا أرى ولا أسمع ولا أتكلم" هو تعريف المواطن الصالح في مجتمعاتنا العربية ولدى حكامنا المبجلين.

تخيل أننا أصبحنا لا نتحدث عن حرية الإعلام فكلنا يعرف حال الإعلام العربي في عالمنا الشرق أوسطي، فقد تراجعنا كثيرا عن ذلك وأصبحنا نتحدث عن حرية الفرد البسيط في التعبير فالفرد البسيط وحريته مهددة اليوم. أما المؤسسات الكبرى فقد تم ترويضها وانتهى الأمر فمثلا، في جمهورية مصر العربية أصبح الإعلام مضربا للمثل في التطبيل والابتذال وفيها يسجن الصحفيون وأصحاب الرأي بتهم الخطر على الأمن القومي، وتقبع مصر في المرتبة 161 عالميا في انتهاك حرية الصحفيين.

أن تعبر عن رأيك بالشكل الذي تريد دون إيذاء للغير هو من أبسط حقوق الإنسان

وأما سوريا فحدث ولا حرج، هناك لا تستطيع التحدث في شأنك الخاص فالنظام السوري يعلم مصلحتك ومصلحة أهلك وأبنائك أكثر منك. تخيل أن الأب لا يستطيع أن يستفسر عن ابنه المعتقل والذي لا يعرف مصيره فما بالك بحرية التعبير. عندما تحدث السوريين عن حرية التعبير فسيضحكون من الأسى والحزن. تقبع سوريا في المرتبة 177 عالميا في انتهاك حقوق الصحافيين فهناك لا يوجد صحافي يعمل بحرية وثمن الكلمة الحرة قد يكون حياة الصحافي أو المفكر.

القنوات العربية الإخبارية كلها مدعومة من حكومات المنطقة وتمثل سياساتها بشكل مخل بالمصداقية. فبعضها مطبل والآخر يلوي الحقائق ليستفيد منها سياسيا، مما فتح المجال للإعلام الغربي الناطق بالعربية ليكون مصدر المعلومة والخبر الرئيسي فالمواطن العربي لم يعد يثق بالإعلام العربي بكل أشكاله.

اقرأ للكاتب أيضا: جريمة 'اللا شرف'

كلنا سمع أو رأى جيم أكوستا مراسل شبكة CNN في البيت الأبيض والذي كان يخاطب أقوى رجل في العالم وهو الرئيس ترامب بدون خوف أو شعور بالتهديد، وربما قد تجاوز الحدود المهنية واستخدم عبارات غير مناسبة في مخاطبة الرؤساء وتم منعه من دخول البيت الأبيض بعد المشادة الكلامية بينه وبين الرئيس ترامب. إلا أن الشبكة الإخبارية رفعت دعوى قضائية ضد البيت الأبيض وأجبرته بحكم قضائي أن يعيد لهذا الصحافي حقه في السؤال والتعبير في وجه أقوى رئيس في العالم. تخيل أن جيم أكوستا كان صحافيا سوريا أو عربيا وواجه بشار الأسد أو أيا من حكام المنطقة بأسئلة محرجة فما سيكون مصيره يا ترى؟ أعتقد أن كلنا لديه الجواب وهو الاختفاء ما وراء الشمس ربما.

أن تعبر عن رأيك بالشكل الذي تريد دون إيذاء للغير هو من أبسط حقوق الإنسان ومع الأسف ما زلنا بعيدين جدا عن هذا الحق البسيط فما بالك بالحقوق الأخرى. أن تعبر عن رأيك بحرية يعني أن كرامتك كإنسان محفوظة. أن تعبر عن رأيك بحرية يعني أنك موجود.

ـــــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG