Accessibility links

أوروبا والمحيط العربي، واللحظة المتوسطية التي انقضت


متظاهرون في فرنسا دفاعا عن الحرية وضد الشمولية

بقلم حسن منيمنة/

بالأمس كانت أوروبا مطمئنة، تسير نحو وحدة اجتهدت لتحقيقها على مدى أكثر من نصف قرن. تخلى عديد من دولها عن عملاتها المحلية واستبدلتها بنقد مشترك، وكادت الحدود بين هذه الدول أن تتلاشى، أزيلت العوائق أمام تنقل الأفراد والأموال، وفتحت أسواق العمل على مدى الاتحاد. والزخم بقي باتجاه التوسيع، أي إضافة المزيد من الدول إلى هذه الصيغة الجديدة من الاجتماع السياسي، لتصبح أوروبا المتحدة معها القدوة والنموذج لمناطق عدة في العالم. أما اليوم، فأوروبا الواحدة لم تعد حقيقة راسخة. التفسيرات عديدة، ولكن حصة المحيط العربي منها دوما بارزة.

الاعتراضات على أوروبا الواحدة بقيت هامشية إلى حد ما، وإن كانت عديدة. فمن اليسار، ثمة من رأى فيها وحدة على مقاس رأس المال، تستفيد معه الشركات المتعددة الجنسيات من تحريك القوى العاملة وفق حاجاتها دون اعتبار للإضرار بالواقع الاقتصادي المحلي، لا في المصدر الذي تستنزفه ولا في المقصد الذي ترهق أهله بالوافدين الذين ينافسونهم.

أوروبا تستحق النقد عند تجاوزها للقيم الإنسانية ولكنها تستحق التقدير الصادق حين تجسدها

ومن اليمين، ثمة من اعترض على هذا التذويب القسري للهويات الوطنية والذي يبدد مناعة المجتمعات المعنية إزاء خطرين خارجين. أول هذين الخطرين هو الثقافة المعولمة شكلا والأميركية فعلا، والتي تتعاطى مع من تشمله على أنه سوق لإنتاجها الاستهلاكي، المادي منه والثقافي. فالتشكي والتأسف هنا هو أن الأنماط الخاصة بالمجتمعات الأوروبية المتعددة، والتي غالبا ما تثمّن التواضع والمحافظة، تتهاوى أمام الاستقطاب الدعائي الشرس والذي يغذيه الوافدون إذ يتجاوبون معه على حساب الدورة المحلية. أما الخطر الخارجي الآخر، من وجهة نظر الاعتراض اليميني، فهو أن تراجع التجانس يفتح الأبواب أمام قدوم من يتناقض جهارا مع القيم الحضارية والمجتمعية في الدول الأوروبية، أي ذوي الأصول العربية والمغاربية والأفريقية والإسلامية.

بالنسبة لهذا اليمين كما لنظيره في الولايات المتحدة، الهجرة حين تتجاوز الرغبات المحلية والقدرة على الاستيعاب تمسي اعتداء اقتصاديا وغزوا ثقافيا واحتلالا سكانيا.

وإذ عمدت الحكومات إلى التخفيف من وطأة الاعتراضات الاقتصادية عبر الدعم الكفيل بتخفيف بعض الأعباء المستجدة، فإن السردية الأوروبية السائدة، والتي تعتبر أنها تجاوزت العصبيات القومية وارتقت إلى الاعتبارات الإنسانية، قاومت المسعى اليميني لتأطير الإشكالية على أنها حضارية وثقافية، وسعت إلى التركيز على إيجاد البدائل الكفيلة بالحد من عوامل الجذب الاقتصادية بما من شأنه تشجيع من يفكر بالهجرة على البقاء في بلاده. ومن هنا كان الزخم باتجاه الشراكة الأوروبية المتوسطية.

اقرأ للكاتب أيضا: بغض اليهود بذرائعه المتضاربة.. غربيا عربيا معا

ما شهدته أوروبا في مطلع هذه الألفية، من جهود تواصل وتكامل مع جوارها المتوسطي بقي عملي الطابع، يسعى أساسا إلى إرساء الاستقرار الاقتصادي والسياسي والأمني عند حدود أوروبا الجنوبية ليجنبها تداعيات الفوضى.

معضلة الرؤية الأوروبية المنفتحة هي أنها تريد لنفسها في آن واحد الاعتزاز بأنها، ولو بعد طول مخاض، أضحت قادرة على تجسيد القيم الإنسانية العالمية والتي توضحت في ربوعها، وأن تتجاوز المنطق الاستعماري الذي يتعامل مع الآخرين من موقع الفوقية وبأسلوب التلقين. فهذه الرؤية الأوروبية، رغم أنها على قناعة ضمنية بتفوقها على النزعات العصبية داخل أوروبا وعلى التشكيلات الثقافية التي لا تنطلق من الإقرار بالقيم الحداثية خارجها، دخلت في ترتيبات عملية لا تبدو معها منظومة القيم ذات اعتبار أولي.

يمكن قراءة هذا الموقف على أنه منسجم مع طبيعة السلوك السياسي، حيث التنميق المعنوي موظف وحسب لخدمة الأغراض الموضوعية عند الحاجة إلى ممارسة الضغوط مثلا، فالسياسة مصالح، والتعامل مع الحكومات الاستبدادية عند جنوب المتوسط وشرقه أمر مستمر، أمس واليوم وغدا وعلى مدى القرون، سابق لعصر الأنوار، وغير مشروط بإصلاحات أو دعوات تنويرية.

ولكن هذه القراءة لا تكفي لتفسير أوجه عدة من التصرف الأوروبي، سياسيا واقتصاديا واجتماعيا. فالأموال والمخصصات التي أنفقتها المجتمعات الغربية، عبر أجهزتها الرسمية ومؤسساتها المدنية، لدعم التقدم القيمي في المحيط المتوسطي لا يمكن إرجاعها إلى الغايات الآنية، وإن كان بالإمكان إدراجها في نطاق المصلحة الطويلة الأمد المشتركة للجانبين.

خطوة واحدة، هي قرار المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل استقبال مئات الآلاف من اللاجئين السوريين، رغم الأعباء الاجتماعية والاقتصادية والأثمان السياسية الباهظة، كفيلة بأن تدحض مقولة التواصل المصلحي المجرد، وأن تلزم تفسير السلوك الأوروبي إزاء جواره المتوسطي على أساس التجاذب بين المصالح والقيم.

ففي فعل ميركل كما في أقوال نظيرها الفرنسي الرئيس إيمانويل ماكرون إصرار أوروبي على مراعاة القيم الإنسانية والتي تفاخر الثقافة الأوروبية، بعضها على الأقل، أنها ارتقت إليها. وإذا كانت أبواب أوروبا مفتوحة، فإن ذلك نتيجة لهذه القيم والتشريعات الناتجة عنها.

الانطوائيون في أوروبا يرون خلاف ذلك. فسواء زعموا قبولهم الذاتي بالقيم العالمية أو تحفظوا عنها، فإنهم يشيرون إلى جسامة ابتعاد القادمين عبر المتوسط عن هذه القيم. أحدهم أشار إلى تقرير داخلي مزعوم من سفارات إحدى الدول المغاربية في العاصمة الفرنسية يتبجح بأن نسبة المغاربيين في أوروبا اليوم أصبحت تضاهي نسبة المستوطنين الأوروپيين في المنطقة المغاربية زمن السيطرة الفرنسية عليها. هو اجتياح، على ما يراه الرافضون له. ولكن يتوافق معهم أعداد من الوافدين المحتفين سرا وجهارا باستنزاف نظام الرعاية الاجتماعي في دول الاستقبال. والتزايد السكاني للمهاجرين فائق الارتفاع، فيما خصوبة السكان الأصليين منعدمة، وإذا كان التدين الإسلامي للعديد من هؤلاء الوافدين قد أصبح سمة بارزة في أوروبا، فإنه لم يصبح بعد من أوروبا، بل يبقى غريبا عنها في العديد من تجلياته، ويطالبها، وهو القادم إليها، أن تتبدل هي لتنسجم معه، بدلا من أن يتبدل هو لينسجم معها. ليس هذا حال الجميع، بل من الوافدين المسلمين الكثرة الذين يرغبون بأن ينتموا إلى مجتمعاتهم الجديدة، على صعوبة تجاوز الريبة التي تحيط بهم لسلوك الكثير من أقرانهم.

هي البئر التي يغترف منها الجميع، وبعضهم يحترمها وبعضهم لا. وهي لمن يخشى من أهل البلاد هذا التحول القسري المفاجئ "أورابيا" في مزج لكلمتي "أوروبا" و"العربية"، ما يثير الكوابيس لدى البعض وما يحفّز البعض الآخر على التراجع من العالمية والوطنية والاتحادية إلى القومية والعرقية والعنصرية.

ما لا شك فيه اليوم هو أن لحظة الشراكة الأوروبية المتوسطية قد انقضت، والمسعى اليوم وإن اختلفت المسميات إلى إيجاد ما يضمن سلامة أوروبا القلعة.

هل كانت القراءة الأوروبية حول الشراكة مع المنطقة المتوسطية إفراطا بالتفاؤل؟ ما مدى تأثير الانخراط الأوروبي خاصة والغربي عامة لدفع التقدم القيمي في مجتمعات الضفاف الجنوبية والشرقية للمتوسط في اندلاع الانتفاضات "الربيعية" فيها، وما مدى مسؤولية الغرب بالتالي عمّا جرى، لا سيما وأن الفشل يكاد أن يكون المحصلة؟ وتحديدا، أي تقع مسؤولية الولايات المتحدة، وهي البعيدة عن التداعيات التي يمكن أن تؤثر عليها ولكن القريبة في قدرتها العالية على التأثير، في الفعل والترك، من مجريات وتداعيات تكاد تطيح لا بالشراكة الأوروبية المتوسطية وحسب، بل بالاتحاد الأوروبي نفسه؟

من المعطيات ما يتيح الجواب ونقيضه لكافة هذه الأسئلة. فمن يرغب بالتقوقع يشير إلى فشل الانفتاح، ومن يسعى إلى التواصل يشدد على أن الانعزال هروب من مواجهة حاصلة لا محالة لواقع لن يزول بتجاهله. والاصطفاف في أوروبا يكاد أن يكون بين معسكرين أحدهما يرى التناقض في القيم والثقافة بين جانبي المتوسط ويطالب بالفصل، وآخر يقر وإن على قدر من التمويه بهذا التناقض ولكنه لا يرى مفرا من الانخراط.

ما لا شك فيه اليوم هو أن لحظة الشراكة الأوروبية المتوسطية قد انقضت

ورغم أن الحالة أكثر سوداوية موضوعيا عند الضفاف الجنوبية والشرقية للبحر المتوسط منذ فشل الانتفاضات الربيعية، فإن المفارقة قد تكون بأن المبادرة هي عند هذا الشق من الشراكة المنقضية. الجنوح كان ولا يزال في الثقافة السياسية العربية هو إلى شيطنة الأدوار الغربية وإشهار المظالم التي تواجهها المجتمعات والجاليات العربية، دون اعتبار بالطبع للتناقض في ذلك. فلا حرج من أن يكون الاعتراض مدويا على أي تجاوز يطال الإنسان العربي أو المسلم في أوروبا، مع التزام الصمت واللامبالاة إزاء ما يطابق هذا التجاوز نوعا ويزيد عنه كما أضعافا مضاعفة في المحيط العربي. إذ فيما الشكوى من الغزو الثقافي تتصاعد، والإصرار على أن حرية الرأي لدى الآخر هي اعتداء على الكرامة، فإن المعيار لا ينقل للتطبيق في المهجر الأوروبي.

ولكن ثمة طرح آخر من شأنه أن يخرج من هذا المحيط. رغم محاولات تغريبها، فإن القيم العالمية، والتي تأطّرت بالفعل في أوروبا قبل قرنين ونيّف، ليست حكرا على المجتمعات الغربية، فلا هي شاملة كاملة فيها ولا هي غائبة منقرضة خارجها. حصة المحيط العربي منها قليلة ولكنها هي منه وفيه، حتى قبل أن يعبّر عنها مفكرو عصر الأنوار في القارة الأوروبية. أهمية هذا التأكيد هي بالإشارة إلى وهن الرغبة بالفصل على أساس الاختلاف القيمي، فالقلة هنا أقرب إلى الكثرة هناك، والعكس بالعكس، والسعي إلى إيجاد الصيغة الكفيلة بمراعاة الاعتبارات مسؤولية مشتركة.

قد يكون الموقف الأنجع بالتالي هو الدعوة إلى تنظيم التواصل والإقرار ببعض الفصل، لا للتباعد في منظومات القيم، ولكن وحسب لغياب القدرة الأوروبية على الاستيعاب غير المقيّد.

اقرأ للكاتب أيضا: التداعيات المقلقة للتحولات في الكسب المعرفي (3): التسطيح في التاريخ، مادة ومنهجا

أوروبا تستحق النقد عند تجاوزها للقيم الإنسانية ولكنها تستحق التقدير الصادق حين تجسدها. ولكن من جهة أخرى، أوروبا تستحق التفهم حين يقاوم أهلها ما من شأنه الإخلال بمنظوماتهم القيمية والأخلاقية، وتستحق التنبيه عند المبالغة في مسعاها إلى حد التضييق على حقوق الوافدين. لا تقاس المجتمعات الأوروبية بحفنة من المعتدين الغوغائيين والذين لا يخلو منهم أي مجتمع، بل استيعابها لأعداد غفيرة من الذين احتاجوا اللجوء إليها، دون الحصر في المخيمات أو منع التجول وريادة الدراجات، هو المعيار. ومن حق هذه المجتمعات أن يبدي من يحاورها التفهم لما يراودها من قلق، لا من موقع الحاجة والمصلحة والوسيلة، بل من حيث المبدأ والقناعة.

ربما جاءت اللحظة المتوسطية المنقضية قبل أوانها، وربما أن البنى الأوروبية لم تكن جاهزة لا لنجاحها ولا لفشلها. ولكن هذا البحر الصغير ليس بوسعه أن يشكل الحاجز الدائم، فثمة لحظات أخرى في طريقها إلى التشكل، وأحد سبل تحسين فرصها بالنجاح العمل الجدي والنزيه على تحقيق الثقة بين الضفتين من خلال التواصل المنصف والصادق، دون إفراط ودون تفريط.

ـــــــــــــــــــــــــ

الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن)

XS
SM
MD
LG