Accessibility links

إدلب ستالينغراد والأمل


من مشاهد الدمار في معرة النعمان في إدلب

رستم محمود/

ما يجري في إدلب لن ينتج إلا مزيدا من العنف والكراهية الجمعية، الطائفية والمناطقة والطبقية والسياسية، التي ستطيح بمختلف أشكال العيش المشترك والسلام الاجتماعي ودورة الحياة، ضمن مجتمعات متداخلة ومنخرطة فيما بينها. فكل هذه القسوة ومشاهدها وحكاياتها لن تُدفن مع ضحايا هذه المجزرة المعلنة، وستبقى حية في الذاكرة والوجدان الجمعي، وستجتر مزيدا العنف وأشكال القسوة، ستكون ديناميكية حيوية لتحطيم كل شيء مستقبلي.

جميع المساهمين بما يجري، بالذات قادة السياسة الخارجية الروسية ونخبة النظام الأسدي وكبار الملالي الإيرانيين، يعرفون ذلك تماما. فما يحدث لن يؤدي إلى أي انتصار سياسي يُذكر، فيما خص إعادة تأسيس النظام السوري لنفسه، داخليا وخارجيا، كسلطة حكم مطلقة على البلاد، كما كان قبل العام 2011. يعرفون تماما أن ذلك التطلع مستحيل التحقق، لكن آلتهم التدميرية المساندة للأسدية ليس لها من عقل سياسي وأيديولوجي إلا ذلك، لذا تستمر المجزرة.

الأمر نفسه ينطبق على المستوى العسكري. فالنظام السوري، ومعه سلاح الطيران الروسي ومئات الفصائل الطائفية الرديفة، ربما تتمكن من محق كامل المنطقة، مدينة بعد أخرى، وقتل أكبر عدد من سكانها المدنيين، لكن ذلك لن يعتبر انتصارا نهائيا، بل مجرد إعادة صياغة لنمط الحرب والصراع.

في سبيل التطلع "الأحمق" والمليء بالغرور المطلق، كانت الآلة والعقلية النازية مستعدة لفعل كل شيء

أكثر الشواهد على ذلك، بالذات في منطقة عميقة الروابط الأهلية كإدلب ومحيطها الشبيهة لنظيرتها في درعا، التي ما تزال تشهد صراعا أمنيا وعسكريا يوميا، بالرغم من خضوعها العسكري للنظام السوري.

على جنبات ما يحدث، ثمة جنين وحشٍ تربيه هذه الحرب، ولا ينتبه لأمره أحد. يكبر وحش آلام المجازر والتشرد في العراء يوما بعد آخر. يكبر وليس له من مستقبل سوى أن يأكل الجميع. هؤلاء العُزل الذين في البراري، تلاحقهم الطائرات من كل حدب، تفتك بهم حيث يتوقفون، في ظلال عديمة عالمية بكماء، ستنبت في ذواتهم وذاكرة أبنائهم سيرة وحيدة عما جرى. ستكون هذه الذاكرة، إلى جانب أطلال المُدن المدمرة، ستكون ترياقا لصراع مفتوح وأبله مع جيرانهم الأقربين، من أبناء الطائفة الأخرى بالذات، ستأخذ أجيالا كثيرة قبل أن يندمل قيح ما يجري.

للثقافة والعلوم الاقتصادية والاجتماعية والكتابات الجيوسياسية أن تقدم قراءات وتفسيرات لا تنتهي حول هذا الصراع، لكن سكان تلك المنطقة، على دفتي المعركة، لا يرونها إلا صراعا طائفيا وسلطويا شديد القسوة، حطم كل شكل للحياة، ودون أي حق. هؤلاء الناس الذين ليس لهم من مصير سوى أن يبقوا جيران جغرافية واحدة، متداخلين ومتفاعلين، ورغما عنهم، مواطني دولة واحدة.

لا يسأل أحد عن ذلك، إذ كيف سيعود هؤلاء الناس لبناء حياة ما مشتركة! وماذا لو تبدلت التوازنات لحظة ما، بفعل التحولات الإقليمية والدولية!

♦♦♦

قبل ثلاثة أرباع قرن، أثناء الحرب العالمية الثانية، كانت أدوات الحرب الحديثة وحملات الجيوش قد فتحت فصول هذا النوع من المآسي الإنسانية. مثّل حصار الجيش النازي الألماني، ومعه فصائل المرتزقة والجيوش الأوروبية الرديفة، لمدينة ستالينغراد الروسية/السوفياتية، في النصف الثانية من العام 1941، شكل حدثا تأسيسيا لمثل تلك المواجهات القاسية والعدمية، التي تدمر كل ما يحيط بها، حاضرا ومستقبلا.

خلال تلك الحرب، صحيح أن مدنا قد تعرضت للقصف المتواصل لسنوات، مثل لندن، وأخرى دمرت كامل بنيتها التحتية، كمدينة دريزدن الألمانية، إلا أن معركة ستالينغراد الطويلة وحدها جمعت بزخم بين جميع أشكال المأساة، كما يحدث في إدلب الآن. فقد هاجم أكثر من مليون جندي مدينة صناعية كبرى، بعدما كانت الطائرات الحربية تقصفها طوال سنة كاملة، ثم أطبقت حصارا محكما حولها، لتفتك المجاعة والأمراض وانقطاع الخدمات بسكانها، في ظلال معركة بين مليونين من الجنود، ضمن مدينة لم يزد خط المواجهة عن ثلاثين كيلومترا، وفي أقسى شهور شتاء شمال الأرض.

بيوت تحترق في ستالينغراد خلال حصارها (أرشيف)
بيوت تحترق في ستالينغراد خلال حصارها (أرشيف)

كانت ستالينغراد نموذجا عن البربرية الآدمية، مواجهة بين إرادات مطلقة، تريد أن تحقق ما هو مستحيل، ولو على حساب أي شيء. كانت درسا قاسيا وأليما في العناد والقسوة، وعلى حساب أبسط الناس ومستقبلهم، فقط ليحقق كبار القادة تطلعاتهم الأسطورية، المستحيلة.

أرادت النازية من تلك المواجهة تحطيم الروح المعنوية لشعب روسيا، الذي هو ديموغرافيا ضعف الشعب الألماني، والهيمنة على منطقة تقدر مساحتها بعشرين ضعف مساحة ألمانيا.

وفي سبيل ذلك التطلع "الأحمق" والمليء بالغرور المطلق، كانت الآلة والعقلية النازية مستعدة لفعل كل شيء، الاستمرار المجنون في معركة لا طائل سياسي أو عسكري منها، تدمير المدينة وتجويع أهلها، ترك مئات الآلاف من الجرحى والضحايا دون أية عناية، بما في ذلك الحق في الدفن، والقبول بمقتل مليونين من البشر، من شعبين تحتم الجغرافيا عليهما أن يبقيا متجاورين ومتداخلين، وللأبد. لكن أولا والأهم التأسيس لانهيار مشروع النازية الكلي، حينما دخلت الفيالق الأقوى من جيشها في معركة لا طائل ولا نهاية لها.

ما يحدث لن يؤدي إلى أي انتصار سياسي يُذكر، فيما خص إعادة تأسيس النظام السوري لنفسه

انقلبت التوازنات بعد أربع سنوات من تلك المأساة المريعة، وصار الجيش الأحمر الروسي/السوفياتي يحاصر برلين، ومن ثم دخلها بعد وقت قصير، وحدثت ممارسات بحق المدنيين الألمان، يُندى لها الجبين.

لثلاثة أرباع قرن، أفرزت وأنتجت الدولتان الألمانية والروسية/السوفياتية، وبالتعاون مع النخب الثقافية والمؤسسات التعليمية والفنية العالمية، أنتجت ملايين الكُتب والأفلام والعروض المسرحية والأغاني والبرامج التربوية، فقط لإعادة أنسنة العلاقة بين الشعبين، ولتشييد شيء ما للمستقبل، ودفن الماضي وفاعليته، الذي بقي يطل برأس كل حين.

♦♦♦

في مراحل لاحقة من تاريخ الحرب العالمية الثانية، قالت المرويات المنقولة عن الوثائق الألمانية التي ضبطت أثناء سقوط برلين بيد الجيش السوفياتي، قالت إن مستشاري الزعيم النازي أدولف هتلر قد نصحوه أثناء حصار مدينة ستالينغراد بتخفيف الحصار عن السكان المدنيين، لأن ألمانيا حتى لو انتصرت فإنها ستحكم نفس هذا الشعب، فكان رد الزعيم النازي قاطعا: "لو ربحنا الحرب، فما حاجتنا بالسكان المدنيين!".

تقول نفس المرويات بأن الآية حينما انقلبت بعد أربع سنوات، وطالب مستشارو هتلر منه مغادرة العاصمة برلين وإعلان الاستسلام، حفاظا على حياة سكان المدينة، فكان رده قاطعا أيضا: "لو خسرنا الحرب، فما حاجتنا بالسكان المدنيين!".

في سوريا اليوم، حيث يشكل مدنيو إدلب استعارة واضحة لهول الأحوال، ليس من أية نزعة حالمة وإنسانية، مثلما كانت الشيوعية السوفياتية، وأيضا لا دولة راسخة وذات أعراف مثلما كانت الدولة الألمانية بعد الحرب، وطبعا لا طروحات تربوية أو مشاريع ثقافية أو نخب ذات مسؤولية أو ضمانات سياسية ولا أفق إنساني.

في سوريا اليوم فقط ثمة الكثير الكثير من قادة المليشيات التي تردد كل وقت: "السلاح معنا، قما حاجتنا بالناس ومستقبلهم!". يقولون ذلك في مجتمعات شديدة التداخل وكثيرة القرب، وحتمية البقاء، جنبا إلى جنب، ولو على دفتي المعركة.

اقرأ للكاتب أيضا: الطريق إلى مستنقع الوطنيات

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).
XS
SM
MD
LG