Accessibility links

إسرائيل 'دولة يهودية'، ولكن...


لم يتوانَ نتانياهو يوما من التشديد على قناعته، وقناعة الفريق السياسي الذي يمثّله، بأن إسرائيل هي "دولة اليهود" حيثما كانوا في العالم، وليست دولة من يقيم بها

حسن منيمنة/

الكلام الصادر عن رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتانياهو، والذي جاء تعليقا بالنفي على دعوة للإقرار بأن "إسرائيل دولة لمواطنيها" يعيد طرح إشكالية خطيرة تتعلق بمفهوم الدولة والجماعة، وتتجاوز بتداعياتها حدود إسرائيل والقضية الفلسطينية، لتثير مسائل هامة حول العدالة والمساواة على مستوى العالم.

لا جدوى هنا من الإمعان في تبديد الموضوع من خلال الإشارة إلى أن نتانياهو مقدم على انتخابات وشيكة في موقع الضعف، أو أنه معرّض للملاحقات القضائية وهو بالتي بحاجة إلى شد العصب واستمالة الأكثرية من الناخبين الإسرائيليين والتي أمست ذات منحى قومي يهودي، إذ أن الرجل لم يتوانَ يوما، وعلى مدى العقود الطويلة من بروزه السياسي من التشديد على قناعته، وقناعة الفريق السياسي الذي يمثّله، بأن إسرائيل هي "دولة اليهود" حيثما كانوا في العالم، وليست دولة من يقيم بها. بل أن إقرار قانون "يهودية الدولة" العام الماضي جاء مرسّخا لهذه القناعة. كلام نتانياهو بالتالي ليس عَرَضيا، ولا هامشيا، بل هو في صلب تصور لطبيعة الدولة وعلاقة المواطن بها. وهذا التصور مأزوم بذاته على مستويين، كما أن سياق طرحه الحالي يضاعف من وطأة ما يستدعيه من عواقب سلبية.

موقف نتانياهو ومن يوافقه يؤسس لنظام تفرقة وتمييز

لا بد قبل الخوض بمواطن الأزمة في هذا القول والموقف من الإشارة إلى أمرين هامين.

الأول هو أن إسرائيل، بغضّ النظر عن هذا التوجه، تبقى دولة قانون ومؤسسات يمكن للأفراد والمجموعات فيها الاعتراض على الممارسات التمييزية في الوسط العام وفي الإطار القضائي، وإن كان المساحة المتاحة في هذا الشأن على قدر من التفاوت وفق المراحل. فالمحافظة على الصدقية في نقد إسرائيل والسعي إلى نقض توجهاتها الخاطئة تكون من خلال الامتناع عن التعميم والجنوح إلى الإسقاط الذي يعتبر بأن أي خطأ من إسرائيل هو الدليل القاطع لفساد جوهري يبرّر الدعوات إلى محيها من الوجود، فيما الأضعاف المضاعفة من أخطاء غيرها، ولا سيما في جوارها الشرق أوسطي، عربيا إيرانيا تركيا، شؤون عابرة لا تستحق التوقف عندها.

الأمر الثاني هو أن إشكالية الهوية الإسرائيلية ليست جديدة، بل هي تعود إلى نشأة هذه الدولة عام 1948، وهي السبب في الامتناع عن الاكتفاء بإعلان الاستقلال كنصّ تأسيسي دون العمل على صياغة دستور مدوّن.

وجه الأزمة الأول في موقف نتانياهو هو إثارته لإشكالية تطال صميم الحداثة السياسية والقائمة على العدالة والمساواة. المعضلة التي يواجهها المجتمع اليهودي في إسرائيل هي أنه يريد في الآن نفسه أن يكون ضامنا لذاته، بما يتطلب ذلك من التشديد على يهودية الدولة، وملتزما بالقيم العالمية الإنسانية، بما يستدعي ذلك من التأكيد على أن الدولة لمواطنيها.

و"اليهودية" المعتبرة للدولة الإسرائيلية هنا ليست على قياس "فرنسية" الدولة في فرنسا، أو ألمانيتها في ألمانيا مثلا، إذ ثمة سبيل، في فرنسا وألمانيا وغيرهما، مهما شقّ وصعب، للمقيم في هذه الدولة أو تلك أن يكتسب الانتماء الفرنسي أو الألماني، من خلال اللغة والثقافة والولاء. أما "اليهودية" بمفهوم نتانياهو فليست حالة وطنية أو ثقافية، بل خصوصية تاريخية، بل عرقية، قد تقبل بحالات نادرة استثناء الدخول فيها، ولكنها ممتنعة بالإجمال عن أي ضمّ.

طبعا، يمكن تفنيد مقولة الخصوصية اليهودية هذه تاريخيا من خلال تعقّب الحالات الكثيرة، بل التي تشكل الغالبية في إضافاتها العددية، والتي شهدت دخولا في اليهودية كدين وكشعوب. على أن المسألة ليست حول "حقيقة" تاريخية هي على أي حال مستعصية عن الإثبات والنفي القطعيين، بل حول قناعة انتقلت في أوساط يهودية عدّة من الإطار الديني إلى مستوى التعريف الذاتي. أي أن استدعاء التاريخ هنا، وإن كان ضروريا، ليس كافيا، بل ليس أوليا.

"يهودية" نتانياهو، في فضّها للإشكالية السياسية التي واجهت ولا تزال المجتمع الإسرائيلي، هي النقيض المباشر للحداثة السياسية. هي عودة إلى القبائلية بالمعنيين الحقيقي والمجازي والتي كانت الأساس في إقامة الدول، ولا سيما في السياق الأوروبي في القرون الوسطى، والتي جاء استدعاؤها في القرن التاسع عشر كأساس للفكر القومي.

الرجاء كان بأن تحافظ إسرائيل على ما لديها من مضمون حداثي

وإذا كان التدرج في الفكر الغربي منذ القرن التاسع عشر قد سار في اتجاه تغليب العالمية الإنسانية على الخصوصية القومية، فإنه لم يصل يوما إلى طي صفحة الطروحات القومية، بل تعاطى معها بأحد أسلوبين: إما الإنكار، وهذا كان على الغالب زائفا موظّفا لصالح وجه قومي يكاد ألا يكون مستترا، كما في الحالة السوڤياتية والتي أعادت تصنيف اللغة الروسية كلغة اتحاد بعد أن كانت لغة سلطان، فكان على الجمهوريات السوڤياتية، القومية شكلا، أن ترتقي إلى الاتحاد من خلال تخليها عن هويتها لصالح الهوية (الروسية) "الجامعة"، أو من خلال الصيغة التوفيقية، وهي التي استقرت على الغالب حيث كانت قوميات الأمس.

والتوفيق في هذه الصيغة هو بين القيم العالمية الإنسانية كإطار ثابت، وبين الشعور القومي كمضمون متحوّل، يتجوّل بطرحه بين السماحة والشدّة، وفق الطروحات السياسية، ولكنه لا يخرج عن الإقرار المبدئي بأولوية قيمتي العدالة والمساواة بالمفهوم الحداثي.

نتانياهو، ومعه فريقه، حريص على البقاء ضمن إطار التوفيق، ولكن مع قلب المعادلة، فبدلا من أن يكون الأساس القيم الحداثية مع اعتبار للشعور القومي، يأتي طرحه ليضع هذا الشعور، بعد إعلائه إلى مستوى الحقيقة الثابتة، في موقع الأولوية، مع التعهد بسلامة اعتبار القيم الحداثية.

هي سابقة خطيرة تتطلب من المجتمع والثقافة في إسرائيل أولا، ومن كافة من يريد الخير لإسرائيل كذلك، الاعتراض عليها والدعوة الصريحة إلى رفضها، لما تشكله من انقلاب على المرجعية المشتركة للعدالة والمساواة، ولما تفتحه من أبواب على مستوى العالم من إشهار للمزاعم الإقصائية والتفردية.

المسافة قصيرة جدا بين القول بأن إسرائيل هي دولة اليهود التي تلتزم باحترام غيرهم من المقيمين فيها، وبين القول بأن الولايات المتحدة، مثلا، هي دولة البيض والتي تتعهد بصون غيرهم فيها. هذه المقولة الأخيرة تدعو للنفور عن جدارة، وعليها يقاس، إذ إسرائيل مطالبة بالمحافظة على مضمونها الحداثي في منطقة تفتقر إليه، لا محاكاة دول هذه المنطقة بما تفتقده.

وجه الأزمة الآخر في كلام نتانياهو، والذي لا بد من التشديد عليه، هو أن الحالة الإسرائيلية ليست كسائر الحالات القومية، وذلك بغضّ النظر عن الطبيعة الانطوائية للقومية اليهودية. فلو أن طرحا مماثلا لما يقدّمه نتانياهو حصل في فرنسا مثلا، لجاز الاعتراض من حيث الإساءة لجمهور الوافدين إلى البلاد وحسب. أما في إسرائيل، والتي لا تزال إلى اليوم في حالة تضارب وجودي مع فلسطين، فإن هذا الطرح لا ينفي تعسفا الحق الفلسطيني عامة وحسب، بل يطال هذا الخمس من الجمهور الإسرائيلي والذي لا ينتمي إلى اليهودية بل لا يزال محتفظا بهويته الذاتية الفلسطينية.

إشكالية الهوية الإسرائيلية ليست جديدة، بل هي تعود إلى نشأة هذه الدولة عام 1948

والخصوصية الفلسطينية هنا، بالمقارنة مع فئات عديدة أخرى ضمن المجتمع الإسرائيلي يقصيها مفهوم إسرائيل كدولة اليهود، من اليهود غير الناموسيين و"المسيحيين العبرانيين" إلى اللاإلهيين وغيرهم، هو أن سبيل تعديل مفهوم "اليهود" في "دولة اليهود" متاح لإعادة هؤلاء إلى الجماعة، فيما هو مستحيل بالنسبة للفلسطينيين.

أي أن موقف نتانياهو ومن يوافقه يؤسس لنظام تفرقة وتمييز لو جاء طرحه في أي مكان من العالم، ولكنه زيادة على ذلك يؤسس لإساءات مضاعفة حين يطرح في إسرائيل بالذات مع استمرار الإشكالية مع فلسطين.

طالما أن مصر والأردن وسوريا ولبنان وسائر الجوار دول "عربية" رغم جمعها لمن لا يلتزم الصفة لنفسه، فلا ضير بأن تكون إسرائيل دولة "يهودية"، وإن كان في مفهوم "قومية" الدولة إشكاليات وعبثيات. ولكن الرجاء كان بأن تحافظ إسرائيل على ما لديها من مضمون حداثي، لا أن تقدّم التصديق والتأهيل للفئوية والإقصائية والتي تذخر بها المنطقة للتوّ.

اقرأ للكاتب أيضا: 'هندوتڤا': النزعة الهوياتية الهندية وتداعياتها

ـــــــــــــــــــــ
الآراء ووجهات النظر الواردة في هذا المقال لا تعبر بالضرورة عن آراء أو وجهات النظر أو السياسات الرسمية لشبكة الشرق الأوسط للإرسال (أم. بي. أن).

XS
SM
MD
LG